قوله: (وَأَلا يُسَافِرَ وَلِيٌّ حُرٌّ عَنْ وَلَدٍ حُرٍّ وَإِنْ رَضِيعًا أَوْ تُسَافِرَ هِيَ سَفَرَ نُقْلَةٍ لا تِجَارَةٍ وَحَلَفَ 10 سِتَّةَ بُرُدٍ وظَاهِرُهَا بَرِيدَيْنِ إِنْ سَافرَ لأَمْنٍ وأَمِنَ فِي الطرِيقِ، وَلَوْ فِيهِ بَحْرٌ إِلَّا123456789
الجزء: 3 - الصفحة: 446
أَنْ تُسَافِرَ هِيَ مَعَهُ لَا أَقَلَّ) أي: ومن شرط ثبوت الحضانة للمرأة ألا يسافر الولي الحر عن الطفل الحر ولو كان رضيعًا سفر نقلة لا تجارة أو خلف 11 ستة برد.
وقوله: (أَوْ تُسَافِرَ هِيَ) أي: ومن شرط ثبوت ذلك للحاضنة إلا تسافر هي كذلك بالولد عن مكان الولي، وشمل قوله (ولي) الأب وغيره، واحترز بكونه (حرًّا) من العبد، فإن سفره لا يسقط حق الحضانة.
قال في المدونة: كانت أمة أو حرة؛ لأن العبد لا قرار له ولا مسكن 12. يريد: لأنه قد يباع أو يسافر به سيده 13، واحترز بكون الولد حرًّا مما إذا كان عبدًا، فإن وليه لا مقال له إذا سافر هو أو سافر السيد به؛ لأنه تحت نظر سيده.
وقوله: (وَإِنْ رَضِيعًا) هو المشهور، وقيد بأنه 14 يقبل غير أمه، ولابن القاسم: ليس له أخذه إلَّا بعد الفطام.
ولمالك: لا تخرج بهم حتى يثغروا 15. وفي المدونة: ليس للأم أن تنتقل بالولد من موضع الولي إلَّا ما 16 قرب كالبريد ونحوه حيث يبلغه خبره 17. ولها أن تقيم هناك 18.
وقوله: (سَفَرَ نُقْلَةٍ) أي: سفر انقطاع، فلا يسقط حقُّ الحاضنة 19 سفر للتنزه 20 ولا للتجارة 21، كما قال.
وقوله 22: (سِتَّةَ بُرُدٍ) أي: لا ما دون ذلك.
ابن شعبان: وبه مضت الفتوى عند شيوخ المذهب 23. أبو إسحاق: وظاهر المدونة أن سفر بريدين
الجزء: 3 - الصفحة: 447
يسقط حقها من ذلك، ونصَّ أصبغ على أن سفر بريدين مسقط، ولأشهب: الثلاثة برد بعيد.
وقال مالك مرّة: حد البعيد 24 مرحلتان 25.
وقيل: ما كان على رأس بريد فبعيد.
وروى ابن وهب في الموطأ: حتى يرتحل 26 من المدينة، ومثله 27 عن أشهب 28. قوله: (وَحَلَفَ) أي: الولي أنه يريد الاستيطان في ذلك البلد.
وقاله ابن الهندي وغيره، وقال بعض القرويين: هذا يحسن في المتهم، وأما المأمون فلا يمين عليه 29. وقيد سفره بأن يكون لأمن وأن يكون الطريق آمنًا احترازًا مما إذا كان الطريق غير مأمون، والبلد أيضًا كذلك، فلا يسقط حق الحاضنة 30، وقاله غير واحد، قيل: ولا يشترط إلا يكون بين البلد الذي سافر إليه الولي وبلد 31 الحاضنة بحر.
قال 32 ابن الهندي وغيره: وهو الأصح 33. وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ فِيهِ بَحْرٌ) أي: في الطريق.
قوله: (إِلَّا أَنْ تُسَافِرَ هِيَ مَعَهُ) أي: إنما يسقط حق الحاضنة بسفر الولي إذا لَمْ تسافر معه، فأما إن سافرت معه فإن حقها 34 لا يسقط.
قوله: (لا أَقَلَّ) أي: لا أقلّ من ستة برد، فإن سافر 35 الولي إلى ذلك 36 لا يسقط
الجزء: 3 - الصفحة: 448
حق الحاضنة، وقد تقدم الخلاف فيما دون الستة برد في فوق هذا بيسير.
قوله: (وَلَا تَعُودُ بَعْدَ الطَّلَاقِ) هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة 37.
وقال ابن وهب: تعود 38. وكذلك بعد موت الزوج الثاني، وهكذا الخلاف فيما إذا أسقطت حقها ثم أرادت القيام به، فليس لها ذلك خلافًا لابن وهب.
قال في المقدمات: وهذا الخلاف إنما هو على مذهب من يرى أن الحضانة حق للحاضن، وأما على قول ابن الماجشون الذي يرى أن الحق في ذلك للمحضون فلها أخذه 39 متى خلت من الزوج 40.
قوله: (أَوْ فَسْخِ الْفَاسِدِ عَلَى الأَرْجَحِ) يريد أن الحاضنة إذا تزوجت تزويجًا فاسدًا فسقط حقها 41 لأجل ذلك، ونزع الولد منها بالدخول، ثم علم بفساد النِّكَاح ففسخ لذلك، فإن حقها لا يعود.
ابن يونس: وهو الصواب 42، وإليه أشار بقوله: (على الأرجح).
وذهب بعض الشيوخ إلى عود ذلك إذ 43 المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا.
قوله: (أَوِ الإِسْقَاطِ) قد تقدم بيانه والحلاف الذي فيه.
قوله: (إِلَّا لِكَمَرَضٍ) يريد: أو سفر لحجة الفريضة؛ والمعنى: أن المرأة إذا مرضت مرضًا لا تقدر معه على القيام بالولد، ثم برئت أو سافرت للحج ثم عادت، فإن حقها من ذلك يعود إليها.
وفي الموازية: إذا تزوجت الأم فأخذت الجدة الولد، ثم فارق الزوج الأم فإن للجدة أن ترده إليها، ولا مقال للأب 44. وقال ابن محرز: إذا ماتت الجدة وطلقت الأم فهي أحق من الأب 45. وإليه أشار بقوله: (أَوْ لِمَوْتِ الجَدَّةِ وَالأُمُّ
الجزء: 3 - الصفحة: 449
خَالِيَّةٌ) أي: من زوج، وهي جملة حالية.
وأما قوله: (أَوْ لِتَأَيُّمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ) فيريد به 46 أن المرأة إذا تزوجت ودخل بها الزوج، ثم طلقها أو مات عنها قبل علم الولي، فإنه لا مقال له في ذلك.
قوله: (وَللْحَاضِنَةِ قَبْضُ نَفَقَتِهِ) أي 47: نفقة المحضون.
يريد: وكسوته وغطائه ووطائه، ولو قال الولي: هو 48 يأكل عندي ويأوي 49 إليك، لَمْ يكن له ذلك؛ لأنه مما يضر بالحاضنة وبالولد أيضًا؛ لأن الأطفال يأكلون في كلّ وقت، وقاله غير واحد.
وعن 50 سحنون في الخالة الحاضنة: يقول الأب: إنها تأكل ما أعطيه 51، وطلب الولد يأكل عنده ويعلمه 52 أن له ذلك.
قوله: (وَالسُّكْنَى بِالاجْتِهَادِ) أي: وللحاضنة السكنى وهو مذهب المدونة 53 وهو 54 المشهور خلافًا لابن وهب، وعلى الأول فقال سحنون: هي 55 على حسب الاجتهاد ونحوه لابن القاسم.
وعن يحيى بن عمر: هي 56 على قدر الجماجم 57. وقيل: لا شيء على المرأة في يسر الأب، وقيل: هي على الموسر من الأب والحاضنة، وقيل: لا شيء على الأم من السكنى.
وقال اللخمي: إن كان الأب في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لَمْ يزد عليه في الكراء فلا شيء عليه، وإن كان يزاد عليه أو يزاد عليها هي لأجل الولد
الجزء: 3 - الصفحة: 450
فعليها هي الأقل مما يزاد عليه أو عليها هي لأجله، فإن كان ما 58 يزاد عليها أقلّ أخذته؛ لأنه القدر الذي أضر بها، وإن كان ما يزاد 59 عليه غرمه؛ لأنه مما لَمْ يكن له بد من ذلك ولو 60 كان عنده 61، وهذه إحدى المسائل التي اختلف فيها، هل هي على الحصص أو على الرؤوس؟
قوله: (وَلَا شَيْءَ لِحاضِنٍ لأَجْلِهَا) يريد أن الحاضن لا يستحق شيئًا لأجل الحضانة، وذكر أصحابنا في ذلك قولين، وأجراهما بعضهم على أن الحضانة هل هي حق للمحضون أو للحاضن؟ فمن رأى الأول أوجب للحاضن الأجرة عليها، ومن رأى الثاني لَمْ ير له أجرة عليها؛ لأنه لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكلفه ويؤويه 62 إلى نفسه، ويجب له بذلك حق.
ابن عبد السلام؟ وقد يقال الجاري على الأصلين معًا سقوط الأجرة 63، وأما على أنَّها حق له فظاهر، وأما على أنَّها حق لها فلأن حقها إنما هو في حفظ الولد وضمه إليها، وقد وصلت إليه 64 فأخذها مع ذلك الأجرة زيادة على حقها، وهو باطل، وقد يقال: على 65 إنها إذا كانت حقًّا للولد وجبت لها الأجرة، ويكون الحق له عليها إنما هو لتحضنه بأجرة، ومنهم من يرى أن الحق للحاضنة والولد معًا، ويبقى عنده التردد في التساوي والتبعية، وإذا فرعنا على أنَّها تستحق الأجرة على الحضانة؛ فإنه ينظر في القدر الذي يشغلها النظر للولد من الأزمنة؛ فإن استغرقت جميع أزمانها 66 وجبت لها النفقة كما تجب للحامل المطلقة، وإن استغرقت بعض الأزمنة فبحسب 67 ما يقدره أهل المعرفة من ذلك، وقيل: لها الأجرة في الوجهين بحسب
الجزء: 3 - الصفحة: 451
الاجتهاد، استغرقت أزمانها أم لا، وهو مقتضى النظر، والله أعلم.
قوله (لأجلها) أي: لأنَّها حق له ويسلمه لمن شاء وإن وجد من هو أحق؛ وهو ظاهر الكتاب قال فيه: إن المرأة إذا ... زوجها على أن يكون الولد عنده جاز ذلك وكان أحق بالولد؛ فظاهره فإن كان له جدة أو خالة إذا لَمْ يشترط ذلك وقيل إن أسلمه كان لمن بعده كالشفعة والله أعلم.
نجز السفر الأول من شرح الختصر عُرس الدين خليل بن إسحاق بن يعقوب المالكي نفعنا الله به وببركة أمثاله بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا وشفيعنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أثيرًا إلى يوم الدين صلاة تعظيمًا لحقه ومحبة له ورغبة ما دام الصلاة عليه إلى أن ينفخ نفخة الصعق، ورضي الله عن أصحابه الأكرمين الأطايب؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
تمَّ الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وهدايته ورضوانه، وكان الفراغ من نسخه في نهار الثلاثاء في اليوم التاسع عشر من شهر ذي القعدة من شهور سنة تسع وستين وتسعمائة، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمدٍ وسلم.
كتبه العبد الفقير المعترف بالذنب والتقصير؛ الفقير محمد ابن الفقير خير الدين الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولمن رأى فيه عيبًا وأزاله منه، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم 68.
الجزء: 3 - الصفحة: 452
(1) [بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله.
عونك يا الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب]