قوله: (إِلا أَنْ يَعْزِلَ، في يَمِينِهِ أَوَّلًا كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ) وقد1234567
الجزء: 2 - الصفحة: 364
تقدم أن مجرد النية لا يكفي في الاستثناء على المشهور خلافًا لأشهب، وذكر هنا أن النية في المحاشاة كافية، ولهذا كان قوله: (إلا أن يعزل في يمينه 8 إلى آخره) مخرجًا من قوله: (ونطق) أي: إلا أن 9 يعزل في يمينه من أوله فتكفيه النية، ومعنى العزل الإخراج قبل اليمين وهو المعبر عنه بالمحاشاة، قال القرافي: لا خلاف أن النية كافية في المحاشاة 10. ونحوه للخمي، وحكى الباجي 11 الخلاف في ذلك فقال: يجزئ الحالف 12 في الحلال عليَّ حرام محاشاة امرأته دون نطق 13، وهذا هو المشهور.
وعن أشهب: لا ينفعه ما ادعاه 14 من المحاشاة 15، وقال ابن العربي 16: لا يكون ذلك إلا بالنية والنطق، والأول هو الصحيح 17. ابن زرقون: وقول 18 أشهب هو الأظهر لعموم قوله: الحلال عليَّ حرام.
انتهى.
والمسألة على ضربين 19: تارة يقصد بلفظه 20 العموم أولًا ثم يخرج الزوجة، وتارة يقصد أولًا الخصوص وفي إفادة 21 ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: إن قصد الخصوص أفاد وإلا فَلا، فانظر قوله أولًا فإن ظاهره شمول الصورتين، والمشهور كما علمت الإفادة في الأولى دون الثانية، وحكى ابن عبد السلام أن المشهور فيهما الإفادة 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 365
قوله: (وَفي النَّذْرِ المُبهَمِ) أي: وكذلك تجب الكفارة في النذر المبهم، وهو قوله: لله عليَّ نذر، أو إن فعلت كذا فعليَّ نذر؛ لأنه لم يجعل لنذره مخرجًا ولا سبيل إلى تركه مهملًا لعدم تعيين ما يخاطب به مما ينذر 23، ولا إلى الحكم بأحد الأنواع؛ لأنه ترجيح بلا مرجح فكان العدل كفارة يمين، والدليل عليه ما في مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: "كفارة النذر كفارة يمين" 24؛ أي: النذر الذي لا مخرج 25 له ولا يمكن 26 حمله على ما له مخرج للزوم ذلك المعين 27.
قوله: (وَالْيَمِينِ) يريد كقوله: إن فعلت كذا فعليَّ يمين 28؛ فعليه كفارة يمين، نص عليه في الجواهر، قال: وكذلك إذا قال إن فعلت كذا 29 فعليَّ كفارة 30، وإليه أشار بقوله: (وَالْكَفَّارةِ) وفيه حذف؛ أي: ونذر اليمين ونذر الكفارة.
قوله: (وَالمُنْعَقِدَةِ عَلى بِرٍّ بِإنْ فَعَلْتُ، وَلا فَعَلْتُ، وَحِنْثِ 31 بِلأَفْعَلَنَّ، أَوْ إِنْ 32 لَمْ أَفْعَلْ) أي: وكذا تجب الكفارة في اليمين المنعقدة سواء كانت منعقدة على بر أو على حنث كما قال، إذا خالف ما عقد 33 عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 366
قوله: (إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ) احترازًا مما إذا قال: إن لم أفعل كذا قبل 34 شهر مثلًا فإنه عليَّ بر إلى الأجل.
قوله: (إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) هو مبتدأ وخبره ما تقدم؛ أي أن الإطعام أو ما يذكره من أنواع الكفارة تجب في كل واحد من الأمور المتقدمة، ثم أشار إلى أن الكفارة متنوعة إلى إطعام وكسوة وعتق، وأن المكلف مخير في إخراج أيها شاء، وذلك مستفاد من لفظة (أو) المؤدية بقاء 35 التخيير 36 كما هي في آية 37 كفارة اليمين، فإن لم يجد أحدها انتقل إلى الصوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) هو نص الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89].
قوله: (لِكُلٍّ مُدٌّ) أي: لكل مسكين من العشرة مد، وقاله مالك في المدونة 38، ولا خلاف أن المد كافٍ في مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -، قاله مالك 39 في المدونة 40. وأما غيرهم فيزيدون على المد 41 بحسب الاجتهاد، وقال أشهب: يزاد عليه ثلثه، وقال ابن وهب: نصفه 42. ابن عبد السلام: وليس بخلاف لقول مالك في اعتبار الزيادة في غير 43 المدينة 44، وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ بِغَيْرِ المَدِينَةِ زِيادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ).
قوله: (أوْ رِطْلانِ خُبْزًا بِأُدْمٍ 45 كَشِبَعِهِمْ) هو معطوف على قوله (مد)؛ أي: لكل
الجزء: 2 - الصفحة: 367
مسكين مد أو رطلان خبزًا.
الباجي: وإنما يشترط المد إذا دفع إليهم الطعام، وأما إذا أطعمهم بإدام فالمعتبر شبعهم ولو نقص عن المد، وإليه أشار بقوله: (كَشِبَعِهِمْ) أي أن شبعهم يجزئ كما يجزئ من الخبز رطلان.
بعض الأشياخ: والرطلان من الخبز بالرطل البغدادي، وظاهر المدونة: اشتراط الإدام كما ذكر هنا 46، وإليه ذهب ابن حبيب 47، ومنهم من حمل المدونة 48 على الاستحباب، ولهذا قال ابن مزين: يجزئ الخبز قَفارًا 49.
قوله: (أَوْ كِسْوَتِهِمْ الرَّجُلُ ثَوْبٌ، وَالمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) هذا هو النوع الثاني من أنواع الكفارة وهو الكسوة 50، قال في المدونة: ولا يجزئه إلا ما تحل به الصلاة، ثوب للرجل ولا يجزئه 51 عمامة وحدها، وللمرأة درع وخمار 52، قال في الموطأ: وذلك أدنى ما يجزئ كلًّا في صلاته 53.
قوله: (وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ) أي: فلا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة الأهل؛ لأنه تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة، وعن اللخمي: مراعاة ذلك فيها كالإطعام، نقله ابن بشير 54.
قوله: (وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِير فيهما) أي: فيعطى ما يعطى الكبير من الكسوة والطعام، ولهذا قال: (فيهما) قال 55 في المدونة: ويطعم 56 الرضيع من الكفارة إذا كان قد أكل 57 الطعام ما
الجزء: 2 - الصفحة: 368
يطعم 58 الكبير 59، ومفهومه أنه لو لم يأكل الطعام؛ لم يعطَ، ولا تجزئ إن فعل، وهو مخالف 60 لإطلاقه 61 هنا 62، وفي المذهب قول أن الصغير يعطى قدر كفايته فقط، والمذهب أنه يعطى من الكسوة مقدار ما يعطى الكبير، وعن أشهب وابن حبيب: إنما يعطى ثوبًا قدره فقط 63.
قوله: (أَوْ عِتْقُ رَقبَةٍ) أي: النوع الثالث من أنواع الكفارة العتق.
قوله: (كالظِّهَارِ) أي: فيشترط فيها ما يشترط في رقبة 64 الظهار، وهو ألا تكون جنينًا ولا منقطعة الخبر 65، وأن تكون مؤمنة سليمة من العمى والبكم والجنون وقطع أصبع ونحوه، ومن مرض مشرف على الموت، وقطع أذن وصمم، وهرم وعرج شديدين، وجذام وبرص وفلج 66 بلا شوب 67 عوض، ولا مشترًى للعتق محررة 68 له، لا مكاتبة ولا مدبرة، بخلاف أعور ومرهون ومغصوب وذي مرض وعرج خفيفين، وقطع 69 أنملة وجدع أنف، وعتق غيرٍ عنه، ويكره الخصي، ويستحب أن تكون 70 ممن تصلي وتصوم، وسيأتي ذلك في بابه 71 إن شاء الله تعالى.
قوله: (ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فإن لم يقدر على شيء من ذلك صام ثلاثة أيام، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] فلا يجزئه الصوم وهو يقدر على
الجزء: 2 - الصفحة: 369
أحد الأنواع الثلاثة (1) المتقدمة.
(المتن)
وَلا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ؛ إِلَّا أَنْ يُكَمِّلَ.
وَهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ.
وَلَهُ نَزْعُهُ، إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ، وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَإِنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ، وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ وَوَجَبَتْ بِهِ إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ.
وَفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ: بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ وَكَفارَةٌ.