(وَمَعَ الأَمْنِ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ) لما انقضى كلامه على ستر العورة أتبعه بالكلام على استقبال القبلة، وذكر 1 أن استقبال عينها - أي: مسامتتها 2 - مع الأمن مطلوب لمن بمكة لقدرته على ذلك، فإن خرج عن السمت بطلت صلاته، واحترز بالأمن من صلاة المسايف ونحوها، فإنه يصلي للقبلة ولغيرها.
قوله: (فَإِنْ شَقَّ فِفِي الاجْتِهَادِ نَظَرٌ) أي: فإن قدر من بمكة على استقبال عين الكعبة لكن بمشقة، كما لو كان يحتاج إلى صعود سطح وهو شيخ كبير أو مريض، فهل يجتهد أم لا؟ فيه نظر، ولما ذكر في الجواهر المسألة، قال في آخرها: وقد تردد المتأخرون في جواز اقتصاره على الاجتهاد 3. الشيخ 4: ووجه التردد 5: أنك 6 إن نظرت إلى الحرج وهو المشقة 7 منفي من الدين أجزت الاجتهاد، وإن نظرت إلى أنه قادر على اليقين لم يجز له 8 ذلك 9.
قوله: (وَإِلَّا فَالأَظْهَرُ جِهَتُهَا اجْتِهَادًا) أي: وإذا 10 لم يكن بمكة فالأظهر طلب
الجزء: 1 - الصفحة: 272
الجهة للمجتهدين، وهو قول الأبهري.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر.
وقال ابن القصار: المطلوب سمت عينها، وانتصب 11 (اجتهادًا) على الحال؛ أي: في حال الاجتهاد.
قوله: (كَإِنْ نُقِضَتْ) يشير إلى فرع وهو أن الكعبة والعياذ بالله لو نقضت ولم يبقَ لها أثر يسامته المصلي، فإنه يجتهد في طلب جهتها 12 ولا تطلب منه المسامتة.
قوله: (وَبَطَلَتْ إِنْ خَالَفَهَا، وَإِنْ صَادَفَ) يريد أن من انحرف عن جهة القبلة عمدًا تبطل صلاته هكذا قال الباجي، وجعل المنحرف على ثلاثة أقسام: الأول: ما تقدم.
والثاني: أن ينحرف مع تحري الاستقبال وظهور علامات القبلة، فإن استدبر أعاد في الوقت وإلا فلا، والثالث: أن ينحرف مع تحري الاستقبال وعدم ظهور العلامات فلا إعادة 13.
قوله: (وَصَوْبُ سَفَرِ قَصْرٍ لِرَاكِبِ دَابَّةٍ فَقَطْ) يريد أن صوب سفر القصر - أي: جهته - عوض عن استقبال الكعبة مع توفر الشروط المذكورة، واحترز بسفر القصر من غيره فإنه لا يتنفل فيه على الدابة لكن بالأرض، وبقوله: (لراكب) من الماشي؛ إذ لا يجوز له ذلك في حال مشيه 14، وأخرج بقوله: (فقط) راكب السفينة.
قوله: (وَإِنْ بِمَحْمِلٍ بَدَلٌ فِي نَفْلٍ) أي: فإنه يصلي حيثما توجهت 15 هذا 16 هو قول ابن القاسم عن مالك 17، واحترز بالنفل من الفرض وسيذكره.
قوله: (وَإِنْ وِتْرًا) إشارة إلى ما ورد أنه 18 - عليه السلام - كان يوتر على راحلته في السفر 19،
الجزء: 1 - الصفحة: 273
وما ذكره هو مذهب المدونة وغيرها، قال: وكذلك ركعتا الفجر ويسجد إيماء، وإذا قرأ (1) سجدة تلاوة أومأ لها (2).
قوله: (وَإِنْ سَهُلَ الابْتِدَاءُ لَهَا) (3) أي: للقبلة (4) وهو المشهور، وقال ابن حبيب: يوجه دابته أولًا للقبلة ثم يصلي حيث ما توجهت له (5).
قوله: (لا سَفِينَةٍ فَيَدُورُ معها إِنْ أَمْكَنَ) أي: فلا يصلي فيها إلا متوجهًا، وكلَّ ما دارت دار معها إلى القبلة إن أمكن الدوران، وهو مذهب المدونة (6)، وقال ابن حبيب: لا يدور كالدابة (7). والفرق على المذهب إمكان الدوران في السفينة بخلاف الدابة؛ ولهذا قيده بالإمكان.
قوله: (وَهَلْ إِنْ أَوْمَأَ أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ) يشير إلى أنه اختلف (8) في مذهب المدونة، هل هو محمول على ما إذا صلى إيماء في السفينة، وأما إذا ركع وسجد فيكون (9) كالدابة، أو هو محمول (10) على إطلاقه ولو ركع وسجد؟ والأول لابن التبان، والثاني لابن أبي زيد.
(المتن)
وَلا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ غَيْرَهُ، وَلا مِحْرَابًا، إِلَّا لِمِصْرٍ وَإِنْ أَعْمَى وَسَأَلَ عَنِ الأَدِلَّةِ، وَقَلَّدَ غَيْرُهُ مُكَلَّفًا، عَارِفًا، أَوْ مِحْرَابًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، أَوْ تَحَيَّرَ مُجْتَهِدٌ تَخَيَّرَ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا لَحَسُنَ وَاخْتِيرَ.
وَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ بِصَلاةٍ، قَطَعَ غَيرُ أَعْمَى، وَمُنْحَرِفٍ يَسِيرًا، فَيَسْتَقْبِلانِهَا، وَبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَهَلْ يُعِيدُ النَّاسِي أَبَدًا؟ خِلافٌ.