قوله: (وبِالْحُكْمِ إِنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ برَقِيقِهِ 4، أَوْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ أَو لوَلَدٍ صَغِيرٍ غيرِ سَفِيهٍ، وعَبْدٍ، وذِمِّيٍّ بِمُثْلَةٍ) المثلة بضم الميم وسكون الثاء المثلثة، وفتح الميم وضم الثاء، وبالضم فيهما وهي العقوبة، قاله عياض 5. ومراده أن 6 من مَثَّل برقيقه ونحوه مُثْلَةً تشينه متعمدًا لذلك فإنه يعتق عليه بالحكم عند ابن القاسم 7 خلافًا لأشهب 8، وقال 9 ابن عبد الحكم: يعتق عليه بالمثلة المشهورة بنفس المثلة، وبغيرها بالحكم، وقال123
الجزء: 5 - الصفحة: 425
اللخمي: يعتق في البينة 10 بالحكم وفي غيرها قولان 11، وما ذكر هنا من أنه لا يعتق عليه إلا أن يقصد شين عبده، نص عليه عيسى فقال: لا يكون مثلة بضربه واحدة 12 أو رميه، وإن كان عامدًا لذلك إلا أن يكون عامدًا للمثلة يضجعه فيمثل به في مثل ما يقاد للابن من أبيه.
ولا فرق في رقيقه بين أن يكون قنًّا أو فيه شائبة من شوائب الحرية 13. قال في المدونة؛ وكذا رقيق رقيقه أو رقيق ولده الصغير ويقوم عليه رقيق ولده الصغير 14 إن كان موسرًا وإلا لم يُقَوَّم 15 عليه 16، اللخمي: وفهم من تقييده الولد بكونه صغيرًا أنه لو كان كبيرًا لكان الحكم غير ذلك، وهو صحيح، وقد نصوا على أن عبد ولده الكبير كعبد الأجنبي لا يعتق عليه إلا أن يبطل منافعه، وإذا مثل السفيه 17 برقيقه فإنه لا يعتق عليه وهو مذهب ابن القاسم الذي رجع إليه في الموازية 18، وعنه أيضًا أنه يعتق عليه وهو مذهب ابن وهب وأشهب وأصبغ 19. واتفقوا على أن الصغير والمجنون لا يلزمهما عتق بالمثلة، وكذلك العبد إذا مثل برقيقه عند ابن القاسم، لأنه الإتلاف لمال سيده، وقال أشهب: يعتق عليه، وكذلك لا يلزم الذمي 20 عتق عبده 21 إذا مثل به، واختاره أصبغ، وقال أشهب: يلزم الذمي عتق عبده 22 وهو اختيار ابن حبيب 23، واللخمي، لأنه من رفع التظالم
الجزء: 5 - الصفحة: 426
بينهم 24، أما لو مثل به بعد إسلام العبد فإنه يعتق عليه.
واحترز بالذمي من المعاهد فإنه لا يعتق عليه باتفاق 25، وقاله ابن القاسم وأشهب 26.
قوله: (وزَوْجَةٍ، ومَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، ومَدِينٍ 27) أي: وكذلك لا يعتق على المرأة والمريض إذا مَثَّلا برقيقهما في ما زاد على ثلثهما ويتوقف ذلك على رضا الزوج والورثة، وهو قول 28 ابن القاسم وسحنون في المرأة 29، وقال أشهب: لا يتوقف على رضاه 30؛ بناء على أن العتق بالمثلة حد من الحدود يوجب ذلك مطلقًا أذن أم لا.
أما لو مَثَّلا بعبده قيمته الثلث لعتق عليهما من غيره توقيف 31 على رضا الزوج والورثة من غير خلاف، واختلف في المديان هل يعتق عليه بالمثلة وهو قول أشهب أولا، وهو قول ابن القاسم 32.
قوله: (كقَطعٍ ظُفْرٍ، أو قَطْعِ بَعْضِ أُذُنٍ، أَوْ جَسَدٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ سَحْلِهَا أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ، أَوْ عَبْدٍ تَاجِرٍ) هذه الأشياء 33 مثلة الشين الذي تحصل به المثلة الموجبة للعتق، فأما قطع الظفر 34 فحكى القاضي عياض 35 الاتفاق عليه 36؛
الجزء: 5 - الصفحة: 427
أي 37: على العتق به، وأما قطع بعض الأذن أو بعض الجسد فقد نص عليه مالك في الموازية، وكذلك قال مالك 38: إن خرم أنفه أو قطع أشراف أذنيه عتق عليه 39.
وأما قلع 40 الأسنان وسحلها؛ أي: بردها بالمبرد فلا خلاف أنه موجب للعتق 41 في السن الواحدة أو السنين، فعن مالك أنه يعتق بذلك خلافًا لأصبغ إلا في جل 42 الأسنان 43، وإلى الأول أشار بقوله: (أَوْ سِنٍّ، أوْ سَحْلِهَا).
وأما لو حلق شعر الأمة ولحية العبد فإن لم تكن الأمة 44 رفيعة ولا 45 العبد تاجرًا فلا خلاف أن ذلك غير موجب للعتق، واختلف في الرفيعة والتاجر، فعن مالك ومطرف أنهما لا يعتقان 46 لذلك 47، عياض: لأنه يعود سريعًا لهيئته ويستر الرأس بالوقاية والعمة 48 وفي الوجه بالتلثم إلَّا أن يعود 49، وعن المدنيين 50 أنهما يعتقان وقاله 51 ابن الماجشون 52، واختاره اللخمي إن كان لا يعود لهيأته، والأول إن كان يعود 53.
الجزء: 5 - الصفحة: 428
قال أشهب وابن وهب وأصبغ: ومن أبق عبده فوسمه في جبهته 54 بأن كتب فيه آبق يعني: بالنار فإنه يعتق عليه؛ لأنه شين فاحش، قال أصبغ: وأما لو جعل 55 ذلك في ذراعه أو باطن جسده لم يعتق عليه 56، وإليه أشار بقوله: (أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ، لا غَيْرِهِ)؛ أي: لا غير الوجه 57. ابن شاس: ولو وسمه في وجهه بمداد أو بإبرة على ما يفعله الناس فقال أشهب 58: لا يعتق عليه؛ لأن الناس قد تفعله على وجه الجمال مع أن ألمه قليل ولا شيء 59 فيه، وقال ابن وهب: يعتق عليه، وروى ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ 60: ومن وسم وجه عبده عتق عليه ولم يفرق بين النار ولا غيرها 61. ولما لم يترجح عند الشيخ أحد القولين قال: (وفي غَيْرِهَا قَوْلانِ) أي: وفي غير النار في الوجه قولان 62. قوله: (وَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ فِي نَفْيِ الْعَمْدِ) أي: إذا تنازعا في المثلة، فادعى السيد أنه فعلها خطأ، وقال العبد: عمدًا، فإن السيد مصدق وإليه رجع سحنون 63 وصححه ابن الحاجب 64، واستحسنه اللخمي: لأنه مأذون له في الأدب 65، ولسحنون أيضًا أن
الجزء: 5 - الصفحة: 429
العبد مصدق.
قوله: (لا فِي عِتْقٍ بِمَالٍ) يشير به إلى ما قال في المدونة عن ابن القاسم: وإذا قال سيد العبد: أعتقته أمس 66 على مال، وقال العبد بل على غير مال فالقول قول العبد ويحلف، وقال أشهب: القول قول السيد ويحلف 67.
وقوله: (وبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ، إِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا والْبَاقِي لَهُ كَأَنْ بَقِيَ لِغَيْرِهِ) هذا معطوف على قوله: (وَبِالْحكْمِ إِنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ) وهما معطوفان على قوله: (وعَتَقَ بِنَفْسِ الملْكِ الأَبَوَانِ) ومراده أن السيد يعتق عليه بالحكم جميع الرقيق إن أعتق جزءًا منه، والباقي له كما إذا كان الجزء الرقيق لغيره إن دفع السيد قيمته يوم العتق وهذا هو المعروف.
وحكى اللخمي وغيره فيما إذا كانت البقية له أو لغيره ثلاثة أقوال وجميعها لمالك، قال مرة: يوقف العتق على الحكم، وقال مرة: بنفس العتق، وقال مرة: إن كان الباقي له فبنفس العتق، وإن كان لغيره فحتى يحكم به 68. وفيها قول رابع: إن عمم بالعتق 69 نصيبه ونصيب غيره، فقال: نصيبي ونصيب فلان حر عتق بنفس ذلك 70 وإلا فبالحكم 71، ومراده بالجزء النصف أو الثلث والربع أو ما أشبه ذلك، ويريد: وكذلك لو أعتق عضوًا منه وهو مشترك بينه وبين غيره 72.
قوله: (إِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ) أي: يوم الحكم 73. ابن شاس: وهو أظهر 74 الروايتين أن السريان لا يحصل إلا بالتقويم ودفع القيمة للشريك قال ويتفرع على الروايتين.
مسائل إحداهما زمان اعتبار القيمة فعلى 75 أظهر الروايتين إذا 76 قصر العتق
الجزء: 5 - الصفحة: 430
على 77 نصيبه، وإن عمم في جملة العبد فيوم العتق، وقال مطرف وابن الماجشون: بل يوم الحكم كالمقتصر على نصيبه، وروي عن أشهب وأصبغ وابن عبد الحكم قال: وأما على الرواية الأخرها فيوم العتق على كل حال 78. قوله: (وَكَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا) اعلم أن المعتِق وشريكه تارة يكونان مسلمين وتارة ذميين وتارة يكون المعتق مسلمًا دون شريكه أو 79 بالعكس والعبد تارة مسلمًا وتارة كافرًا، وهي ثمانية أقسام 80 فلا خلاف في وجوب التقويم على من أعتق منهما إذا كانا مسلمين سواء كان العبد مسلمًا أو كافرًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا 81 لَهُ فِي عَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ 82 ". وإن كانا ذميين والعبد مسلمًا ففي ذلك روايتان أصحهما وجوب التقويم 83، والأخرى عدم التقويم 84، وإن كان العبد كافرًا فلا تقويم؛ لأنا لا نعرض لهم، وإن كان المعتِق وحده مسلمًا وجب عليه التقويم أيضًا، وسواء كان العبد مسلمًا أو ذميًّا للحديث 85. وإن كان المعتِق ذميًّا وشريكه مسلمًا فقال ابن القاسم في المدونة: إن كان العبد مسلمًا وجب التقويم، وإن كان ذميًّا لم يجب، وقال غيره 86: يقوم على الذمي مطلقًا 87، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأحد قولي ابن المواز 88، ورواه
الجزء: 5 - الصفحة: 431
أشهب (1)؛ لأنه حكم بين مسلم وكافر، ولمالك في المختصر: عدم التقويم (2)، واستحسنه اللخمي، وبناه على عدم الخطاب (3).
ولبعض القرويين رابع بالفرق بين أن يبين النصراني العبد عن نفسه فيجب التقويم أم لا يبينه فلا يجب، وقد احتوى كلامه (4) رحمه الله على الأقسام الثمانية؛ لأن قوله: (وكَان الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا) يشمل ما إذا كان السيدان مسلمين والعبد مسلمًا أو كافرًا، أو المعتِق وحده مسلمًا والعبد مسلمًا أو كافرًا.
قوله: (أَوِ الْعَبْدُ) أي: ويكون العبد مسلمًا وذلك يشمل ما إذا كان السيدان ذميين أو المعتِق وحده مع إسلام العبد، وفهم من تقييده المعتِق والعبد بالإسلام أنهما لو كانا كافرين فلا تقويم سواء كان الشريك مسلمًا أو ذميًّا وهو قول ابن القاسم كما تقدم، وهذان القسمان إنما يؤخذان من كلامه بالمفهوم.
(المتن)
فَإِنْ أَيْسَرَ بِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا فمُقَابِلُهَا، وَفَضَلَتْ عَنْ مَتْرُوكِ الْمُفَلَّسِ وَإِنْ حَصَلَ عِتْقُهُ بِاخْتِيَارِهِ لَا بِإِرْث، وَإِنِ ابْتَدَأَ الْمُعْتِقُ؛ لَا إِنْ كَانَ حُرَّ البَعْضِ، وَقُوِّمَ عَلَى الأَوَّلِ، وَإِلَّا فَعَلَى حِصَصِهِمَا إِنْ أَيْسَرَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوسِرِ، وَعُجِّلَ فِي ثُلُثِ مَرِيضٍ أُمِنَ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَى مَيِّتٍ لَمْ يُوصِ، وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكِهِ مِنَ الْعِتْقِ وَنُقِضَ لَهُ بَيعٌ مِنْهُ، وَتَأْجِيلُ الثَّانِي، وَتَدْبِيرُهُ.
وَلَا يَنْتَقِلن بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَحَدَهُمَا، وَإِذَا حُكِمَ بِبَيْعِهِ لِعُسْرِهِ مَضَى، كَقَبْلَهُ ثُمَّ أَيْسَرَ؛ إِنْ كَانَ بَيِّنَ الْعُسرِ وَحَضَرَ الْعَبْدُ، وَأَحْكَامُهُ قَبْلَهُ كَالْقِنِّ، وَلَا يَلْزَمُ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ، وَلَا قَبُولُ مَالِ الْغَيْرِ، وَلَا تَخْلِيدُ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ بِرِضَا الشَّرِيكِ، وَمَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ لِأَجَلٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْتَقَ جَمِيعُهُ عِنْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَبُتَّ الثانِي فَنَصِيبُ الأَوَّلِ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ تَقَاوَياهُ لِيُرَقَّ كُلُّهُ أَوْ يُدَبَّرَ.