قوله: (وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ، ولَمْ يُقْضَ إِلا بِبَتٍّ مُعَين) ونحوه في المدونة، قال فيها: ومن بت عتق عبده أو حنث به 1 في يمينه عتق عليه بالقضاء، ولو نذر عتقه لم يقض عليه وأمر بعتقه؛ لأن هذه عدة جعلها الله تعالى من عمل البر 2 فيؤمر بها، ولا يجبر عليها 3، وفاعل (وجب) في كلامه ضمير يعود على العتق المفهوم مما تقدم.
ابن يونس بعد كلامه على ما 4 في المدونة: وقال أشهب: إذا قال لله على عتق رقبة 5، فأمر بعتقهم، فقال: لا أفعل، قضي عليه بعتقهم، وإن قال: أنا أفعل تُرك، وكذلك إن مات لم يعتقوا من ثلث ولا غيره 6.
قوله: (وهُو فِي خُصُوصِهِ وعُمُومِهِ وَمَنْعٍ من وَطْءِ وبِيْعٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وعِتْقِ عُضْوٍ، وتَمْلِيكِهِ للْعَبْدِ وجَوَابِهِ كَالطَّلاقِ) يريد: أن العتق يستوي مع الطلاق في التخصيص والتعميم، فيلزم مع التخصيص ككل مملوك أملكه من الصقالبة 7 والبربر ونحو ذلك، أو قال من مصر أو الشام أو بلد كذا، أو إلى عشرين سنة أو ثلاثين سنة ونحو ذلك، ولا يلزمه إن عمم ككل مملوك أملكه 8 ونحوه للحرج والمشقة، ونحو
الجزء: 5 - الصفحة: 418
ذلك 9 في المدونة 10.
وأما منع السيد من وطء الأمة المحلوف بعتقها في صيغة الحنث فنص عليه أيضًا في المدونة وغيرها، وفرق فيها بين البر والحنث، فجعله في الحنث ممنوعًا من الوطء والبيع 11 دون البر، وسوى في ذلك بين الزوجة والأمة 12.
وإن أعتق عضوًا من أمته أو عبده عتق عليه الجميع، كما إذا طلق عضوًا من زوجته قال في المدونة: ومن قال لعبده يدك حرة أو رجلك 13 عتق عليه جميعه 14، والمعروف أن عتق الباقي موقوف على الحكم.
اللخمي: وهو مذهب المدونة في باب الجنايات.
وروى القاضي عبد الوهاب أنه يسري ولا يتوقف على الحكم 15، وحكم تمليكه العبد وحكم جوابه حكم الطلاق، وقال في المدونة: ومن ملك عبد العتق وقال: أعتق نفسك في مجلسك هذا أو فوض إليه، فقال العبد: اخترت نفسي 16، وقال: نويت بذلك العتق صدق وعتق؛ لأن هذا من حروف العتق وإن لم يُرِد به العتق فلا عتق عليه 17، وقال غيره: إذا قال لعبده عتقك بيدك أو أمرك في يدك في العتق، فقال العبد: اخترت نفسي أنه حر، وإن زعم أنه لم يُرِد بذلك العتق كما يكون ذلك في المملكة طلاقًا، وإن لم تُرِده.
ابن يونس: وحكي عن بعض أصحابنا 18 القرويين أن الفرق عند ابن القاسم بين قول العبد 19: اخترت نفسي وبين قول المملكة اخترت نفسي أن الزوج إنما يملكها في
الجزء: 5 - الصفحة: 419
أن تقيم أو تفارق، والفراق لا يكون إلا بطلاق، فإذا قالت: اخترت نفسي علمنا أنها 20 أرادت الطلاق، وأما العبد فيمكن 21 أن يختار لنفسه غير العتق حتى يريد به العتق 22؛ لأنا قد وجدناه يفارق سيده ويخرج من 23 يده بمعانٍ شتى من البيع والهبة والصدقة، فلا يكون قوله: اخترت نفسي عتقًا حتى يريده، وأما لزوجته فلا يخرجها من عصمته إلا الطلاق.
قلت: فعلى هذا ففي تشبيه الشيخ الجواب هنا بجواب 24 تمليك الزوجة نظر، ثم ذكر ابن يونس فرقين آخرين ذكرناهما في الكبير.
قوله: (إِلَّا لِأَجَلٍ) أي: فلا يتساوى البابان في ذلك؛ لأن الطلاق إلى أجل يقع مُنَجَّزًا لكونه يؤدي إلى نكاح مؤقت وهو ممنوع شرعًا، والعتق يجوز لأجل، ولا يقع إلا بعد انقضائه، وله أن ينتفع به ما دام الأجل باقي، وقاله في المدونة 25.
قوله: (وَإِحْدَاكُما، فَلَهُ الاخْتِيَارُ) أي: وكذا يختلف حكم الطلاق والعتق في هذه المسألة، ولذلك 26 إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق، من غير نية، أو نوى واحدة ونسيها فإنهما يطلقان معا 27 عليه، بخلاف ما إذا قال لأمتيه: إحداكما حرة، من غير نية فإنه يختار عتق 28 من شاء منهما، ولهذا ذكر ذلك متلُوًّا بفاء السبب؛ أي: فبسبب كون العتق مخالفًا للطلاق يثبت له 29 الاختيار في التعيين، وقد ذكر في المدونة المسألتين 30 كما هو
الجزء: 5 - الصفحة: 420
هنا 31، ومذهب المصريين في مسألة الطلاق كما قال، وذهب المدنيُّون إلى أنه يختار في الطلاق واحدة كالعتق، وفرق بين العتق والطلاق على مذهب المصريين 32 أن العتق يتبعض ويجمع فيه السهم بخلاف الطلاق، وقيل: إن الطلاق فرع النكاح، وهو لا يجوز فيه الخيار، فكذلك فرعه، والعتق فرع الملك، وهو يجوز فيه الخيار، فكذلك فرعه، أبو الحسن 33: وصورة ذلك أنه يجوز أن يشتري أمة من جماعة إماء على أن يختارها، ولا يجوز أن يتزوج امرأة من جماعة 34 نساء على أن يختار واحدة.
قوله: (وَإِنْ حَمَلَتْ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) يريد: أن العتق أيضًا يخالف الطلاق في هذه المسألة، وهي ما إذا قال لأمته: إن حَمَلْتِ فأنتِ حرة، قال في المدونة: وله وطؤها في كل طهر مرة 35، كما قال هنا، وإذا قال لزوجته 36: إن حملت فأنت طالق.
قال في المدونة: تطلق عليه إذا وطئها مرة 37، وقال عبد الملك: هي كالأمة 38.
قوله: (وَإِنْ فَوَّضَ 39 عِتْقَهُ لاثْنينِ لَمْ يَسْتَقِل أَحَدُهُمَا إِنْ لَمْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ) ونحوه في المدونة 40.
قوله: (ولو 41 قَالَ إِنْ دَخَلْتُمَا فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا) هكذا قال في المدونة، ونصه: وإن قال لأمتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان ولزوجتيه فأنتما طالقتان 42، فدخلت واحدة منهما فلا شيء عليه حتى يدخلا جميعًا، هذا قول ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 421
القاسم، ثم قال: وقال أشهب: تعتق الداخلة فقط 43، زاد ابن يونس عن أشهب: ولا قول لمن قال لا يعتقان إلا بدخولهما جميعًا وإلا 44 لمن قال: يعتقان بدخول واحدة، يشير به إلى ما روي عن ابن القاسم أنه يحنث بدخول واحدة فقط.
قوله: (وعَتَقَ بِنَفْسِ الملْكِ الأَبَوَانِ وإِنْ عَلَوَا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ كَبِنْتٍ وَأَخٍ، وأُخْتٍ مُطْلَقًا) يريد: أن الشخص يعتق عليه بنفس الملك 45 أبواه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم، وهو مراده بقوله: (وَإِنْ عَلَوَا) وكذلك يعتق عليه الولد وإن سفل ذكورهم وإناثهم ولهذا قال: (كَبِنْتٍ) 46، وكذلك يعتق عليه الأخ والأخت مطلقًا؛ أي: شقيقًا كان أو من قبل الأب فقط أو الأم فقط، وقد حكى جميع 47 ذلك ابن الجلاب 48، وزاد: ولا يعتق عليه الأعمام والعمات والأخوال والخالات ولا ولد الإخوة ولا ولد الأخوات 49، ولا أحد سوى ما ذكرنا من القرابة 50، وهذا هو المشهور، وروى ابن خويز منداد عن مالك أنه لا يعتق عليه سوى 51 والده أو ولده فقط 52، ابن شاس: وزاد 53 ابن وهب: العم خاصة وروي أنه يلحق به 54 كل ذي رحم محرم بالنسب 55، وهم كل من لو كان امرأة لم يجز له نكاحها 56. واختلف هل يتوقف عتق
الجزء: 5 - الصفحة: 422
هؤلاء على حكم أم لا، والمشهور أن العتق يقع فيهم بنفس الملك كما قال هنا، وفرق اللخمي فقال في الآباء والأولاد 57 كالمشهور، وفي غيرهم كالشاذ 58.
قوله: (وَإِنْ بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، إِنْ عَلِمَ الْمُعْطِي) يريد: أنه ليس من شروط عتق 59 القرابة أن يكون الملك قد حصل فيه عن 60 معاوضة، بل لو حصل بمعاوضة أو بهبة أو صدقة 61 أو وصية كان الحكم في ذلك سواء، ابن القاسم 62: والولاء للموصى له قَبِلَه أو ردَّه وكان يقول له: إن لم يقبله فالولاء لسيده، ثم رجع فقال: للموصى له 63، وكذلك في الهبة والصدقة في الصحة به أو ببعضه، وقاله أصبغ في الوصية، وأما الصدقة فقال: لا يعتق إلا أن يقبله، كله أو بعضه 64، ثم اشترط في عتقه على الواهب ومن ذكر معه العلم بأنه ممن يعتق عليه.
قوله: (ولَوْ لَمْ يَقْبَلْ) أي: أنه يعتق عليه، وإن لم يقبل الهبة و 65 الصدقة والوصية وهو قول ابن القاسم الذي رجع إليه.
قوله: (ووَلاؤُهُ لَهُ) قد تقدم من كلام ابن القاسم أيضًا.
قوله: (ولا يُكَمِّلُ فِي جُزْءٍ لَم يَقْبَلْهُ كَبِيرٌ، أَوْ قَبِلَهُ وَلِيُّ صَغِيرٍ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ) يريد: أن من
الجزء: 5 - الصفحة: 423
وهب له جزء ممن يعتق عليه أو تُصُدِّق به 66 عليه أو أُوصِيَ له به فلم يقبل ذلك، فإنه يعتق عليه ذلك الجزء ولا يقوم عليه الباقي وهو مراده بعدم التكميل 67 وهذا إذا كان الموهوب له أو المتصدَّق عليه كبيرًا، فإن كان صغيرًا فلا يقوم عليه سواء قبله 68 وليه أم لا، ولا يعتق عليه ذلك 69 الجزء 70، أما لو قبله كبير فإنه 71 يُكَمَّل عليه، وقال عبد الملك: لا يكمل 72 عليه في الهبة والوصية وإن قبله؛ لأن ما وهب له منه أو أوصى له به يعتق على كل حال قبله أم لا 73. قال في المدونة: فإن وهب لصغير 74 أبوه أو من يعتق عليه أو ورثه فقبل ذلك أبوه أو وليه 75، فإنما يعتق عليه الشقص فقط، ولا تقويم على الصبي ولا على أبيه أو وصيه 76، وإن لم يقبل ذلك الأب ولا الوصي فهو حر على الصبي 77. قوله: (لا بِإِرْثٍ، أَوْ شِرَاءٍ وعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ) يريد: أن ما تقدم من الشقص يعتق عليه 78 قريبه إذا ملكه مشروط بألا يكون عليه دين يغترق قيمته، فأما إذا ورثه أو اشتراه وعليه دين 79 فإنه لا يعتق عليه
الجزء: 5 - الصفحة: 424
بسبب ذلك بل (1) يباع عليه (2)، وقاله ابن القاسم، وقال أشهب: إذا ورثه عتق عليه (3).
(المتن)
وَبِالْحُكْمِ إِنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ بِرَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ، أَوْ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ غَيْرُ سَفِيهٍ، وَعَبْدٍ، وَذِمِّيٍّ بِمِثْلِهِ، وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، وَمَدِينٍ كَقَطعِ ظُفْرٍ، أَوْ قَطْعِ بَعْضِ أُذُنٍ، أَوْ جَسَدٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ سَحْلِهَا، أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ، أَوْ عَبْدٍ تَاجِرٍ، أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ، لَا غَيرِهِ، وَفِي غَيرِهَا فِيهِ قَوْلَانِ.
وَالْقَوْلُ لِلسَيِّدِ فِي نَفْيِ الْعَمْدِ، لَا فِي عِتْقٍ بِمَالٍ، وَبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ؛ إِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَالْبَاقِي لَهُ، كَأَنْ بَقِيَ لِغَيْرِهِ، إِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ، وَكَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوِ الْعَبْدُ.