(إِنما يَصِحُّ إِعْتَاقُ مُكَلَّفٍ، بلا حَجْرٍ، وَإِحَاطَةِ دَيْنٍ) العتق من أفضل القربات، والآي 1 والأحاديث دالة على أَفضليته 2، و (الإعْتَاقُ) مصدر أضيف إلى الفاعل، والعتق أركانه ثلاثة: المعتِق بكسر التاء، والمعتَق بفتحها، والصيغة وكلامه الآن على المعتِق بالكسر، وهو كل مكلَّف لا حجر عليه ولم يُحِطِ الدين بماله كما قال، فاحترز بالمكلَّف من الصبي والمجنون، فإن عتقهما لا يصح، ويدخل في قوله (مُكَلَّفٍ) السكران، فإن عتقه يصح على المشهور بخلاف الهبة؛ لأن الشرع متشوف إلى الحرية 3. قوله: (بِلا حَجْرٍ) لا يريد به نفي الحجر من كل وجه، وإلا يكون تكرارًا مع قوله: (وإِحَاطَةِ دَيْنٍ) حشوا معه 4، وإنما المراد من أعتق فيما حجر عليه، فإن عتقه لا يصح، والزوجة يصح عتقها في الثلث دون ما زاد عليه، وكذلك المريض، ولا تصح من السفيه مطلقًا، واختلف إذا أحدثه بعد 5 خروجه من الولاية ولم يرد وليه عتقه، هل
الجزء: 5 - الصفحة: 410
يلزمه 6 ذلك أم لا؟
قوله: (ولغَرِيمِهِ رَدُّهُ، أَوْ بَعْضِهِ) أي: ولغريم من أحاط الدين بماله رد عتقه جميعه 7 إن استغرقه الدين، أو بعضه إن لم يستغرقه مثل أن يعتق 8 عبدًا يساوي مائة والدين خمسون، وليس له غيره فيباع نصفه.
قوله: (إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَطُولَ) أي: فإن علم الغريم بعتق المديان وسكت حتى طال الزمان ثم قام فليس له رده، واختلف في حد الطول، فقال مالك وفسره 9 ابن القاسم: هو أن يشتهر بالحرية وتثبت له أحكامها بالموارثة، وقبول الشهادة، ولم يمنع ذلك الغريم، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال الغريم لم أعلم بإعتاقه فله ذلك في أربع سنين لا في 10 أكثر، وقاله مالك أيضًا، وقال أصبغ: إنما ذلك في المتطاول الذي لعله أتت على السيد فيه أوقات أفاد فيها 11 وفاء الدين وينزل أمر الغريم أنه علم بطول الزمان ولا يصدق 12 في نفي العلم 13، قال: ولو تيقن 14 بشهادة قاطعة أنه لم يزل عديمًا متصلَ العدم مع غيبة الغرماء وعدم علمهم لرد عتقه 15 16، انظر الكبير.
قوله: (أَوْ يُفِيدَ مَالًا، ولَوْ قَبْلَ نُفُوذِ الْبَيْعِ) قال مالك: وإن أفاد مالًا قبل البيع أو بعد بيع السلطان وقبل 17 إنفاذه كان المعتق حرًّا؛ لأن بيعه بالخيار ثلاثة أيام، وقال ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 411
نافع: لا يكون حرًّا؛ إذ رد السلطان إبطال 18. اللخمي عن الموازية: يعتد 19 ولو بعد إنفاذ البيع إن قرب، وقيل: الذي في الموازية: يرد قبل قسم الثمن ويكون حرًّا لا بعده، اللخمي: وقول ابن نافع أحسن 20.
قوله: (رَقِيقًا لَمْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لازِمٌ) هذا هو الركن الثاني، وهو المعتَق بفتح التاء، وأشار إلى أن الرقيق الذي لم يتعلق به حق لازم 21، وأراد بالرقيق القِنَّ، ومن فيه شائبة حرية من مكاتَب ومدبَّر ومعتَق بعضه أو إلى أجل، وأم ولد.
واحترز بقوله 22: (بِهِ حَقٌّ لازِمٌ) من العبد الجاني والمرهون والمستأجَر، وعبد المديان وأحد المكاتبين، فإن عتقهم موقوف 23 على إذن من له الحق، وبعضهم يلزم فيه العتق، إلا أنه لا تظهر 24 فيه آثار الحرية إلا بعد سقوط الحق الذي لزم رقبته لغير السيد، وقوله: (به) أي: بعينه.
قوله: (وَبِفَكِّ الرَّقَبةِ والتَّحْرِيرِ) هذا هو 25 الركن الثالث، وهو الصيغة، وهي تنقسم قسمين كما أشار إليه صريح وكناية، وبدأ بالصريح وذكر فيه لفظين: فك الرقبة والتحرير، فإذا قال لعبده: فككت رقبتك من الرق والعبودية ونحو ذلك عتق عليه، وكذلك: أنت حر، أو إنما ذكر هذين اللفظين بصيغة المصدر إشارة إلى أن كل ما اشتق
الجزء: 5 - الصفحة: 412
منهما فهو 26 بمنزلتهما في الدلالة على فكاك الرقبة وخلاصها من 27 الرق، وقد نص عليه في المدونة، قال فيها: ومن قال لعبده لا ملك لي عليك أو لا سبيل لي 28 عليك فهو 29 عتق 30. قوله: (وإِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ) ونحوه في المدونة، قال فيها: وإن قال له: أنت حر في هذا 31 اليوم، عتق للأبد، وزاد فيها: وإن قال: أنت حر اليوم من هذا العمل، وقال: لم أرد العتق، صدق في ذلك 32 مع يمينه ويلزمه ألا يستعمله في ذلك اليوم 33. قوله: (بِلَا قَرِينَةِ مَدْحٍ أَوْ خُلْفٍ، أَوْ دَفْعِ مَكْسٍ) يريد أن العتق 34 مقيد بما إذا لم تكن ثمة قرينة تصرف اللفظ 35 عن إرادة العتق، فإن كان هناك قرينة فلا يلزمه، وسواء كانت قرينة مدح أو خلف 36 أو دفع مَكْس، قال في المدونة: ومن عجب من عمل عبده أو من شيء رآه منه فقال: ما أفت إلا حر فلا شيء عليه، في الفُتْيَا ولا في القضاء 37، وفيها أيضًا: في عبد طبخ لسيده طبيخًا فأعجبه 38 فقال: أنت حر، فقامت عليه بينة بذلك أنه لا شيء عليه لأن مراده أنت حر الفعال 39، ثم قال فيها أيضًا: ولو
الجزء: 5 - الصفحة: 413
مر على عَشَّار 40 فقال له: هو حر، ولم يرد بذلك الحرية فلا عتق عليه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن قامت 41 بينة لم يعتق 42 أيضًا 43 إذا علم 44 أنه دفع بذلك عن نفسه ظلما.
اللخمي 45: ولو قال 46 العشار 47: لا أدعك إلا أن تقول إن كانت أمة فهي حرة، فإن قال 48 ذلك بغير نية العتق 49 لم يلزمه شيء، وإن نوى العتق وهو ذاكر أن له ألا ينويه كانت حرة؛ لأنه لم يكره على النية 50، وهذا يمكن 51 أن يكون مثالًا لقرينة الخلف 52 وما قبله لقوله: (أو دفع مكس) 53، وقد ذكرنا في هذا الموضع من الشرح الكبير سبعة 54 فروع فانظرها 55.
قوله: (وَبِلَا مِلْكٍ، أَوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ إِلا لِجوَابٍ) هذا مثل ما تقدم عن المدونة،
الجزء: 5 - الصفحة: 414
(بِلَا مِلْكٍ) معطوف على قوله: (وَبِفَكِّ الرَّقَبَةِ) ومراده: لا ملك لي عليك، ولا سبيل لي عليك، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
قوله: (وَبِكَوَهَبْتُ لَكَ نَفْسَكَ، وبِكَاسْقِنِي، أَوِ اذْهَبْ، أَوِ اعْزُبْ بِالنِّيَّةِ) هذه الألفاظ من كنايات 56 العتق، قال في المدونة: ومن قال لعبده قد وهبت لك نفسك أو عتقتك أو تصدقت عليك بعتقك فهو حر قَبِل ذلك العبد أو لم يَقْبَل، قال غيره: إذا وهبه فقد وجب العتق، ولا ينظر في هذا قبوله كالطلاق إذا وهبها إياه 57، وهو تفسير، فظاهره عدم الاحتياج إلى النية في قوله: وهبتك ونحوه، وهو مراد الشيخ هنا، ولهذا أعاد الحرف مع قوله: (وبِكَاسْقِنِي)، وعليه فقوله (بالنية) متعلق بـ (اسقني) وما بعده 58.
قوله: (وَعَتَقَ عَلَى الْبَائِع إِنْ عَلَّقَ هُو وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْبَيعْ وَالشِّرَاءِ) يريد: أن السيد إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، وقال لشخص آخر: إن اشتريته فهو حر، ثم 59 باعه منه، فإنه يعتق على البائع دون المشتري 60، ويرد الثمن، ولا بد في كلامه من حذف وتقديره: وعتق العبد على البائع إن علق عتقه على البيع دون المشتري 61 إن علق عتقه على الشراء مع ذلك، وهذا هو المشهور، وقاله في المدونة وقال فيها عن مالك: ومن قال لعبده إن بعتك فأنت حر، فباعه عتق على البائع ورد الثمن، ولو قال له رجل 62 مع ذلك إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه، فعلى البائع يعتق؛ لأنه مرتهن بيمينه 63 قبل ملك الثاني 64.
ابن عبد السلام: وفي بعض تآليف المتأخرين قول بلزوم العتق على المشتري دون
الجزء: 5 - الصفحة: 415
البائع 65، فإن لم يقع التعليق إلا من البائع فقط 66 فالمشهور أنه يعتق عليه ويرد الثمن كما تقدم، وقيل: لا شيء عليه لأنه إنما يحنث بعد تمام البيع، وقاله عبد الملك 67. قوله: (وبِالاشْتِرَاءِ الْفَاسِدِ فِي إِنِ اشْتَريتُكَ) دلَّ كلامه بطريق الأولوية على أنه يعتق عليه بالاشتراء الصحيح إذا علق عتقه على الشراء كقوله: إن اشتريتك فأنت حر، وهو مذهب المدونة، وفيها أيضًا 68: فإن اشتراه شراء فاسدًا عتق عليه وتلزمه قيمته ويرد الثمن 69، وهو كقوله: (كَأَنِ اشْتَرَى نَفْسَهُ فَاسِدًا) أي: وهكذا يمضي عتق العبد إذا اشترى نفسه من سيده شراء فاسدًا ولا ينقض البيع الفاسد 70 لتشوف الشرع للحرية 71. قوله: (والشِّقْصُ، والْمُدَبَّرُ، وأُمُّ الْوَلَدِ ووَلَدُ عَبْدِه مِنْ أَمَتِهِ، وإِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ وَالإِمَاءُ 72 فِيمَنْ يَمْلِكُهُ، أَوْ لِي أَوْ رَقِيقِي، أَوْ عَبِيدِي، أَوْ مَمَالِكِي) هذا معمول لفعل محذوف دل عليه قوله: (وَعَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ) إلى آخره، والمعنى: وكذلك يعتق على السيد الشقص والمدبَّر وما ذكر معهما إذا قال: كل مملوك أملكه حرًّا، وكل مملوك لِي حرًّا، ورقيقي أو عبيدي أو ممالكي أحرار 73، قال في المدونة: ومن قال: كل مملوك لي حر عتق عليه عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده، وكل شقص له في مملوك، ويقوم عليه بقيته إن كان مليًّا، ويعتق عليه أولاد عبيده من إمائه وُلِدَ بعد يمينه أو قبله؛ لأن الأولاد ليسوا ملكًا لآبائهم، وإنما هم ملك السيد 74، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ)؛ أي: وإن ولدوا
الجزء: 5 - الصفحة: 416
بعد ذلك.
وقوله (فِيمَنْ يَمْلِكُهُ) أي: حين اليمين، فأطلق (من) (1) على الذكور والإناث، وهذا مذهب الأكثر (2)، وأما ممالكي فمذهب المدونة (3)، وقاله سحنون أنه يشمل الذكور والإناث (4)، وحكى القاضي عياض الاتفاق على أن رقيقي يتناول الإناث، واختلف في عبيدي والمذهب أنه يختص بالذكور، وقال فضل: يشمل الإناث أيضًا (5)، وصوبه اللخمي (6).
قوله: (لا عَبيدُ عَبِيدِهِ) أي: بخلاف عبيد عبيده فإنهم لا يعتقون عليه إذا قال: كل من أملكه حرٌّ، أَو غيره من الألفاظ السابقة، وسواء كان في يمين أو غيره لعدم تناول اللفظ لهم، قال في المدونة إثر كلامه السابق: وأما عبيد عبيده وأمهات أولادهم فلا يعتقون، ويكونون لهم تبعًا (7).
قوله: (كَأَمْلِكُهُ أبَدًا) أي: فكما أنه لا يعتق عليه عبيد عبيده في الألفاظ السابقة فكذلك لا يعتق عليه من في ملكه (8) إذا قال: كل مملوك أملكه أبدًا حرٌّ؛ لأنه محمول على الاستقبال، لاقتران كلامه بلفظ أبدًا الدال على ذلك، وكذلك لا يعتق عليه من يملكه في المستقبل لتعميمه المؤدي إلى الحرج والمشقة كما في الطلاق، ولهذا لو قال: إلى عشرين سنة أو ثلاثين سنة (9) لزمه.
(المتن)
وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ، وَلَمْ يُقْضَ إِلَّا بِبَتِّ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ وَمَنْع مِنْ وَطْءٍ، وَبَيْعٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وَعِتْقِ عُضْوٍ، وَتَمْلِيكِهِ للْعَبْدَ وَجَوَابِهِ: كَالطّلَاقِ،757677787980818283
الجزء: 5 - الصفحة: 417
إِلَّا لِأَجَلٍ، وَإِحْدَاكُمَا، فَلَهُ الاخْتِيَارُ، وَإِنْ حَمَلَتِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، وَإِنْ فَوَّضَ عِتْقُهُ لاثْنَيْنِ لَمْ يَسْتَقِل أَحَدُهُمَا إِنْ لَمْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ، وَلو قَالَ: إِنْ دَخَلْتُمَا فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا، وَعَتَقَ -بِنَفْسِ الْمِلْكِ- الأَبَوَانِ وَإِنْ عَلَوَا، وَالْوَلَدُ إِنْ سَفُلَ كَبِنْتٍ، وَأَخٍ، وَأُخْتٍ مُطْلَقًا، وَإِنْ بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ إِنْ عَلِمَ الْمُعْطِي وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَلَا يُكَمَّلُ فِي جُزْءٍ لَمْ يَقْبَلْهُ كَبِيرٌ، أَوْ قَبِلَهُ وَليُّ صَغِيرٍ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ، لَا بِإِرْثٍ، أَوْ شِرَاءٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ.