قوله: (بِشُربِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، وَظَنِّهِ غَيْرًا وَإنْ قَلَّ، أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، والْحُرمَةِ لِقُربِ عَهْدٍ، وَلَوْ حَنَفِيا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصُحِّحَ نَفْيُهُ ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ) أي: يجب بشرب المسلم المكلف على الأوصاف المذكورة ثمانون جلدة، فاحترز بالمسلم من الكافر، وبالمكلف من الصبي والمجنون، فلا حد على واحد منهما، ولا فرق بين القليل والكثير، ولهذا قال: (وإنْ قَل) لأنه وإن لم يسكر فجنسه مما يسكر 1، فلو أكره على شربها أو شربها لضرورة من إساغة غصة ونحوها أو شربها يظنها غيرها فلا شيء عليه.
واعلم أن هذه الأمور الثلاثة وإن كانت تدخل تحت العذر إلا أنه إنما عدها تبعًا لبعض الأشياخ، ولا خلاف في وجوب الحد على من علم بالتحريم، وإن جهل وجوب الحد، واختلف إذا جهل الحرمة هل يعذر أم لا؟ والذي عليه مالك وأصحابه إلا ابن وهب؛ وجوب الحد، قال مالك: لما ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود، وإنما يجهل ذلك في الغالب من هو قريب العهد بالإسلام 2، وكذلك يجب
الجزء: 5 - الصفحة: 399
الحد على من شرب النبيذ المسكر 3 ولو كان حنفيا، هكذا حكي عن مالك وأصحابه، قالوا: ولا تقبل شهادته 4. الباجي: ولعله فيمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فأما من كان من أهل العلم والاجتهاد فالصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك 5 سفيان الثوري وغيره ممن يرى شرب النبيذ مباحًا، فما أقام على أحد منهم حَدًّا ولا دعا إليه مع إقرارهم وتظاهرهم ومناظرتهم 6 عليه 7، وقد صحح هذا القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إن قلنا أن كل مجتهد مصيب فواضح، وإن كان المصيب واحدًا فلا أقل من أن يكون هذا شبهة 8، وإلى هذا أشار بقوله: (وصُحِّحَ نَفْيُهُ) أي: نفي الحد، والمعروف من المذهب وهو قول ابن القاسم وغيره أنه لا يحد إلا بعد صحوة كما ذكر، وقال اللخمي وصاحب البيان: إن جلد في حال سكره وعنده ميز اعتد بذلك، وإن كان طافحا 9 أعيد عليه الحد، وإن لم يحس بالألم في أوائل الحد وأحس به في أثنائه حسب من أول ما أحس به 10.
قوله: (وتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ) أي: في جلد العبد والأمة، يريد ومن فيه بقية رق أربعون.
قوله: (إِنْ أَقرَّ أَوْ شهِدا بِشُرْبٍ، أَوْ شَمٍّ وإن خولفا) يعني: أنه يجب الحد بالإقرار أو بالشاهدين على الشرب أو على الشم 11، ولا خلاف في الأولين، فإن رجع إلى شبهة قبل 12 وإلى غيرها فكما في الزنى، وأما قبول 13 الشهادة على الشم فهو قول مالك
الجزء: 5 - الصفحة: 400
وجمهور أهل الحجاز خلافًا للشافعي وجمهور أهل العراق.
بعض الأشياخ: ولابد أن يكون الشاهد على الشم ممن يعرف الخمر، يريد سواء تقدم شربه لها كالكافر والعاصي ثم يتوب، أم لا، وهو قول الباجي، وقال ابن القصار لا تقبل شهادة من هذه صفته لكونه كان كافرا أو عاصيا، وصحح ابن عبد السلام الأول 14 قال: إلا أن 15 تخفى رائحتها كثيرًا عن الناس فيحمل 16 الشاهد من ذلك ما تحمل.
قوله: (وَجَازَ الإِكْرَاهُ) أي: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فهو غير مؤاخذ به فيسقط عنه الحد، وظاهر كلام أصحابنا جواز ذلك مطلقًا مع الإكراه، وهو نص كلامه هنا، وعبارة غير واحد من الأشياخ غير معرجة 17 على الجواز وعدمه، وإنما يعترض 18 لسقوط الحد عنه فقط، وكلامه هنا أتم فائدة؛ لأن الجواز يستلزم سقوط الحد بخلاف العكس.
قوله: (وإِسَاغَةٍ) إنما جازت الإساغة صونًا لإحياء النفوس، وهو الظاهر، ولا يبعد وجود 19 ذلك، وذكر ابن شاس قولين في حِلِّيَّتها للغصة، ولا يجوز ذلك بجوع ولا عطش إذ لا يفيده ذلك بل ربما زادت العطش، وقال الشيخ أبو بكر: إن ردت الخمر عنه الجوع والعطش شربها، واختاره ابن العربي؛ لأنها تفيد تخفيف ذلك على الجملة ولو لحظة 20.
قوله: (لا دَوَاءٍ): أي لا يجوز التداوي بالخمر ونحوه على المشهور لقوله عليه الصلاة والسلام: "فمن تداوى بالخمر 21 لا شفاه الله".
قوله: (ولو طلاء) هذا هو المشهور، وأظن أن فيه قولا آخر بجواز ذلك، وقوله
الجزء: 5 - الصفحة: 401
عليه الصلاة والسلام (فمن تداوى بالخمر فلا شفاه الله) عام سواء كان من داخل الجسد 22 أو من خارجه، ونحوه طلاء الجسد 23 من خارجه 24.
قوله: (والحُدُودُ بِسَوْطٍ وضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ) أي: حد الزنى وشرب الخمر والقذف ونحوه، والمشهور تساويها في الصفة، وقال ابن حبيب: ضرب حد الخمر 25 أشدها.
وقوله: (مُعْتَدِلَيْنِ) صفة لسوط وضرب.
ابن شاس: وكيفية الجلد ضرب بسوط معتدل بين سوطين.
ابن القاسم: وضرب معتدل بين ضربين ليس بالخفيف ولا بالمبرح 26.
قوله: (قَاعِدًا، بِلا رَبْطٍ، ولا شَديَدٍ) أي: يضرب قاعدا، قال في المدونة: ولا يقام ولا يمد وتحل له يداه، وإذا اضطرب اضطرابا لا يصل الضرب معه إلى موضعه 27 فإنه يربط.
قال مالك في كتاب محمد: ويجلد على الظهر والكتفين دون ما عداهما، وإليه أشار بقوله: (بِظَهْرِهِ وكَتِفَيْهِ) وقال ابن شعبان: يعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج، واستحسن اللخمي الأول 28.
قوله: (وجُرِّدَ الرَّجُلُ والمرْأَةُ ممَّا يَقِي الضرب) قال في المدونة: ويجرد الرجل، وظاهره أنه لا يترك عليه شيء ألبتة، وظاهر كلامه هنا أنه يترك عليه ما لا يقيه الضرب، وأما المرأة فيترك عليها من الثياب ما يستر جسدها عن الأعين، ولا يقيها الضرب.
قوله: (ونُدِبَ جَعْلُهَا في قُفَّةٍ) هذا كقول صاحب الجواهر واستحسن أن تجعل في قفة 29. وقال غيره: بلغ مالكًا أن بعض الأمراء أقعد امرأة في قفة فأعجبه ذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 402
اللخمي 30: ويجعل فيها ترابًا وماء 31 للسترة 32.
قوله: (وَعَزَّرَ الإِمَامَ لمعْصِيَةِ اللهِ أَوْ لِحقِّ آدمِيٍّ) يريد: كالأكل في رمضان لغير ضرورة، وتعطيل شيء من الصلوات عن أوقاتها وكشتم الآدمي وضربه ونحوه، وهو أيضًا لا يخلو من حق الله تعالى لأن من حقه تعالى 33 على كل مكلف كف 34 أذاه عن غيره، فمَن وقع في ذلك عزره الإمام 35 بحسب اجتهاده بالنظر إلى القائل والمقول له.
قوله: (حَبْسًا، ولَوْمًا، وبِالإِقَامَةِ، ونَزْعِ الْعِمامَةِ، وضَرْبِ بِسَوْطٍ، أَوْ غَيره) الأولى أن يكون هذا منصوبًا على إسقاط الخافض، والتقدير: وعزر الإمام من عصا بالحبس واللوم ونحوه، ويدل عليه التصريح بالمحذوف في قوله: (وبِالإِقَامَةِ)، وقوله: (وضَرْبٍ) معطوف على الأولين 36، ومراده أن التعزير موكول إلى اجتهاد الإمام، وقد كان المتقدمون يقولون: الشخص على قدره، وقدر جنايته، فمنهم من يضرب ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفًا على قدميه في المحافل، ومنهم من تنزع عمامته، ومنهم من يحل إزاره.
قوله: (وإِنْ زَادَ عَلَى الحدِّ أَوْ أَتَى عَلَى النفْسِ) هذا هو المشهور عن مالك وابن القاسم فقد روي عن مالك في العتبية أنه أمر بضرب شخص وجد مع 37 صبي فوق ظهر مسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أربعمائة سوط فانتفخ ومات، ولم يستعظم ذلك مالك.
وقال أشهب: لا يزاد في الأدب على عشرة أسوط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجلد 38 أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى"، وروى القعنبي 39 عن مالك
الجزء: 5 - الصفحة: 403
أنه لا يزاد على خمسة وسبعين سوطًا، وعن أصبغ أقصى ذلك مائتا سوط، وعن مالك ثلاثمائة.
ابن الماجشون: له ذلك، وإن أتى على النفس، وقاله مطرف.
(المتن)
وَضَمِنَ مَا سَرَى، كَطَبيبٍ جَهِلَ، أَوْ قَصَّرَ، أَوْ بِلَا إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ، أوْ أذْنَ عَبْدٍ بِفَصْدٍ، أَوْ حِجَامَةٍ، أَوْ خِتَانٍ، وَكَتَأجِيجِ نَارٍ فِي يَوم عَاصِفٍ، وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ، وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ، وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ، أَوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ، أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كَوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ ففقأها وَإِلَّا فَلَا كَسُقُوطِ مِيزَابٍ أَوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ، كَحَرقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا، وَجَازَ دَفْعُ صَائِلٍ بَعْدَ الإنْذَارِ لِلْفَاهِم، وإِنْ عَنْ مَالٍ.
وَقَصْدُ قَتْلِهِ، إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إِلا بِهِ، لَا جُرْحٌ، إِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهُ بِلَا مَضَرَّةٍ، وَمَا أَتْلَفَتْ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبّهَا، وإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِقِيمَتِه عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، لَا نَهَارًا إِنْ لَمْ يَكنْ معَهَا رَاعٍ، وَسُرِّحَتْ بُعْدَ الْمَزَارعِ، وَإلَّا فَعَلَى الرَّاعِي.