قوله: (وإِلا بَعْدَ حَصْدِهِ فَثَالِثُهَا إِنْ كُدِّسَ) هذا معطوف على قوله: (إلا بغلق) ونبه لهذا كله على أن للثمر ثلاثة أحوال: الأول أن يكون على أغصانه من غير غلق، والثاني: أن يكون بغلق، وقد تقدم حكمهما، والثالث: أن يحصد ويوضع في مكان لينقل منه إلى الجرين.
واختلف هل يقطع من سرقه أو سرق منه ما قيمة ثلاثة دراهم، أو لا يقطع، أو يفرق بين أن ينضم بعضه إلى بعض، وهو مراده بقوله: (إِنْ كُدِّسَ) فيقطع أو لا يضم فلا يقطع.
قوله: (وَلا إِنْ نَقَبَ فَقَطْ) أي: نقب الحرز ولم يخرج منه شيء، وسواء دخل إليه أو لم يدخل، إذ لا يسمى بمجرد النقب سارقًا وغايته أنه هتك الحرز بمنزلة فتح الباب، ولهذا قال ابن شاس: إذا نقب وأخرج غيره المتاع من الحرز وانفرد كل واحد منهم بفعله دون تعاون واتفاق منهما فلا قطع على واحد منهما 1. قوله: (وإِنِ الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْبِ، أَوْ رَبَطَهُ فَجَذَبَهُ الخارج قُطِعَا) أي: فإن دخل أحدهما الحرز ونقل منه المتاع ووضعه في وسط النقب فأخذه الخارج من ذلك الموضع والتقت أيديهما في المناولة في وسط النقب فإنهما يقطعان جميعًا، وقاله في المدونة 2، وكذا يقطعان معًا 3 إذا دخل
الجزء: 5 - الصفحة: 384
أحدهما الحرز فربط المتاع 4 فجذبه الخارج يقطعان جميعا 5، وقاله في المدونة 6، وحكى اللخمي عن مالك 7 قولا 8 بقطع الخارج لا غير، قال: وهو الصواب 9.
قوله: (وشَرْطُهُ التكْلِيفُ) أي: وشرط مؤاخذة السارق التكليف 10 وهو البلوغ والعقل، فلا يقطع الصبي ولا المجنون لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ" فإن سرق ثم جن لم يقطع حتى يفيق، قال مالك: ويحكم على الصبي بالإنبات، وقال ابن القاسم: أحب إليَّ ألا يحكم به 11.
قوله: (فَيقطَعُ الْحُرُّ، والْعَبْدُ، والمعَاهَدُ، وإِنْ لمثْلِهِمْ) نبه على أن المراد بالتكليف ما ذكر بقطع الحر والعبد والذمي والمعاهد؛ لأنهم مكلفون، وقال أشهب: لا يقطع المعاهد إن سرق، ولا يقطع من سرق منه 12، ولا فرق بين أن يكون المسروق منه حرًّا أو عبدا أو معاهدًا، ولهذا قال (وإِنْ لمِثْلِهِمْ) قوله: (إِلا الرقِيقَ لِسَيده) فإنه لا يقطع إذا سرق من مال سيده ما يقطع فيه غيره وهو واضح.
قوله: (وثبتَتْ بِإقْرَارٍ، إِنْ طَاعَ) لا خلاف أن حكم السرقة من قطع وغيره يثبت بإقرار السارق وإن طاع بذلك 13، وأما إن كان مكروهًا فلا، وإليه أشار بقوله: (وإلا فلا) قاله في المدونة 14، قال فيها: وإن تمادى على إقراره بعد زوال الإكراه حبس حتى
الجزء: 5 - الصفحة: 385
يستبرئ أمره، فإن تمادى على إقراره بعد أن أمن، وأتى بما يعرف به، صدقه مثل أن يعين المسروق ونحوه، فإنه يحد 15، وإلا فلا 16، ثم قال: وإن أقر 17 بالسرقة والقتيل في حال التهديم 18 لم أقتله ولم أقطعه حتى يقر بعد ذلك آمنا 19، وإليه أشار بقوله 20: (ولَوْ عَيَّنَ السرِقَةَ أَوْ أخرج الْقَتِيلَ) أي: فلا شيء عليه، وزاد اللخمي عن ابن القاسم: إلا أن ينضاف إلى ذلك من أخباره ما يدل على صحة ذلك مما يعلم به أنه خارج عن إقرار المكروه 21، واختلف هل وفاق أو خلاف، وفي الموازية 22 إن عين السرقة قطع 23 إلا أن يقول دفعتها إلى فلان، وإنما أقررت لما أصابني من الألم، ولو أخرج دنانير لم يقطع لأنها لا تعرف بعينها 24، ولأشهب قول رابع: إن أخرج السرقة قطع ولو كان بعد سجن وقيد 25 ووعيد، وإن نزع لا يقبل نزوعه، وإن لم يعين لم يحد 26، ولسحنون خامس: إن أقر في السجن أو سجنه السلطان في حق وكان من أهل العدل لزمه إقراره، وليس من حبس في حق وباطل سواء 27. قوله: (وَقُبِلَ رُجُوعُهُ) أي سواء رجع إلى شبهة أو كذب نفسه 28، وقال أشهب وابن الماجشون وهو مروي عن مالك أنه لا يقبل إلا إذا رجع إلى شبهة، ومراده بقوله:
الجزء: 5 - الصفحة: 386
(ولَوْ بِلا شُبْهَةٍ) أن رجوعه مقبول مطلقًا كان مؤاخذ 29 بإقراره أو ببينة ويحتمل كان رجوعه بحضرة بينة أم لا، وفيه نظر 30.
قوله: (فإنْ رُدَّ الْيَمِينُ فحَلَفَ الطالِبُ، أَوْ شْهَدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ وَاحِد وَحَلَفَ أَوْ أَقر السيد فَالْغُرْم بلا قَطْع وإن أقر العمد فالعكس) يريد: أن الغرم يثبت في هذه المسائل الأربع دون القطع، الأولى: إن ادعى على شخص بسرقة، فرد المدعي عليه اليمين على المدعى 31، فحلف المدعي ولا يتوجه اليمين على من ادعى عليه السرقة إلا إذا كان متهمًا وإلا فلا، وقاله 32 في المدونة 33، وإن كان المدعى عليه من أهل الفضل أدب المدعي.
الثانية: أن يشهد على السارق بالسرقة رجل وامرأتان أو يشهد 34 بها رجل واحد، وحلف الطالب وهي الثالثة لأن هذين النوعين لا يعمل بهما في الحدود، ويعمل بهما في الأموال فثبت الغرم دون القطع.
الرابعة: إذا أقر العبد بالسرقة وهكذا وجدت 35 في النسخة التي بيدي فإن كان هو على هذا في غيرها من النسخ فلا شك أنه سهو وذلك لأن العبد على العكس مما تقدم في المسائل الثلاث لأن حكمه في هذا أن يثبت القطع دون المال، لأن القطع حق الله تعالى ولا يتهم فيه العبد بخلاف المال فإنه حق للسيد، ويتهم العبد في إخراجه عنه، والمكاتب والمدبر، وأم الولد كالعبد، وعلى هذا فيكون مراده بالعبد من فيه شائبة رق، ويقطعون إذا عينوا السرقة بعض القرويين، وكذا إن لم يعينوها وتمادوا على الإقرار.
قوله: (ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا) أي 36 إذا تعذر القطع لعدم كمال النصاب ونحوه غرم السارق، وما أخذه ولو تلف 37؛ لأنه يضمنه عند ابن القاسم
الجزء: 5 - الصفحة: 387
ضمان الغاصب 38 وسواء 39 اتصل يساره أم لا وهو مراده بالإطلاق، ويؤخذ منه ذلك إن وجد بعينه، وقال أشهب: يضمنه ضمان السرقة، فإن قطع السارق في ذلك، فإن وجد المسروق بعينه أخذ منه بلا خلاف، وإن أتلفه والسارق متصل اليسار من حين السرقة إلى القطع أغرمه ذلك، وإليه أشار بقوله: (إِنْ أَيْسَرَ إِلَيْهِ مِنَ الأَخْذِ) أي: إن أيسر من حين أخذ المال إلى حين القطع، فإن كان عديمًا أو عدم في بعض هذه المدة سقط عنه الغرم، لكونه لا يجتمع عليه عقوبتان قطع يده واتباع ذمته، بخلاف اليسار المتصل، فإن المال 40 المسروق معه 41 كالقائم، فليس ثم عقوبة ثانية، وقال أشهب: إنما يشترط يساره إلى حين القيام، انظر الكبير.
قوله: (وسَقَطَ الْحدُّ إِنْ سَقَطَ الْعُضْوُ بِسَّمَاوِيِّ) أي: بأمر الله تعالى، زاد اللخمي أو تعدى من إنسان 42 .. ابن شاس: ولو سرق ولا يمين له 43 سقط الحد 44، قال مالك وغيره: ولا يسقط 45 منه شيء لأن القطع قد كان وجب فيها، وحكم الشمال وغيرها من بقية الأعضاء إذا سقط بعد ثبوت القطع فيه حكم اليمين، ولهذا لم يقيد 46 كلامه بيمين ولا غيرها.
قوله: (لا بِتَوْبَةٍ، وعَدَالَةٍ، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُمَا) أي: فلا يسقط الحد بهما وإن طال زمانهما 47 أي زمان التوبة والعدالة.
قوله: (وتَدَاخَلَتْ 48، إِنِ اتَّحَدَ الموجبُ كَقَذْفٍ، وشُرْبٍ) الموجب هنا بفتح الجيم،
الجزء: 5 - الصفحة: 388
أي: الشيء الذي يوجب الفعل 49، والمراد بالاتحاد هنا الاتفاق في القدر والمعنى فإن 50 الحدود إذا اتحد ما يوجبها 51 كحد القذف وحد الشرب فإنه في كل منهما ثمانين جلدة وإن تعدد السب، فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر.
قوله: (أَوْ تكرَّرَتْ) أي: فإن لم يتحد الموجب كحد الشرب والزنى والقذف والزنى تكررت 52 وهو المعروف، وعن عبد الملك: أن الشرب والقذف يدخلان في حد الزنى فيحد مائة إذا شرب وزنى أو قذف وزنى 53.
الجزء: 5 - الصفحة: 389