(قَذْفُ الْمُكَلَّفِ إلى آخره).
قذف ااصكلف: من باب اضافة المصدر إلى فاعله، وهو مبتدأ، وخبره قوله بعد هذا: (يوجب 1 ثمانين)، والمراد بالمكلف: البالغ، العاقل، احترازًا من الصبي والمجنون؛ إذ لا حد عليهما إذا قذفا غيرهما.
قوله: (حُرًّا مُسْلِمًا) إن كلف، وعف، وبلغ، وبلغت 2 الوطء 3، هذه شروط المقذوف، والأولان 4 شرط في المنفي، ويختص البلوغ والعفاف 5 بغير المنفي إذا رمي بزنى أو لواط، وأما إذا نفى فلا فرق بين كونه بالغًا أم لا، عفيفًا أم لا، قال في التلقين: ويراعى في القذف سبع 6 خصال، اثنان في القاذف: البلوغ، والعقل.
وخمس خصال 7 في المقذوف: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والعفة عمى رمي به.
ويختلف حكم
الجزء: 5 - الصفحة: 347
البلوغ في القذوف بالذكورة والأنوثة 8، فيراعى في الذكر بلوغ التكليف، وفي الأنثى إطاقة الوطء 9، واحترز بقوله: (حُرًّا) من العبد، فإن قاذفه لا يحد به، وبقوله: (مُسْلِمًا) من الكافر، فلا يحد قاذفه.
قوله: (بِنَفْيِ نَسَبٍ، عَنْ أَبٍ، أَوْ جَدٍّ) هذا شرط المقذوف به، وذكر في التلقين، قال: ويراعى فيه أيضًا أن يكون القذف بوطء يلزم به الحد وهو الزنى واللواط 10.
قوله: (أَوْ جَدٍّ) أي: جد الأب.
11.
قوله: (لا أُمٍّ) أي: فلا حد على من نفى شخصًا عن أمه، قاله مالك 12 وغيره، وعلل: بأن الأمومة متيقنة 13، فيعلم كذبه في نفيه عنها، فلا يلحقه بذلك معرة.
قوله: (ولا إِنْ نُبِذَ) أي: وكذلك لا حد على من قذف منبوذًا بأمه أو أبيه، قاله في الواضحة، وفي العتبية: لا يحد إذا قال: يا ابن الزانية، ويؤدب 14. ابن رشد: لأن أمه لا تعرف، وكذلك 15 لو قال له: يا ابن الزاني 16.
قوله: (أَوْ زِنًا) يريد: أو لواطًا، وإنما سكت عنه؛ لأنه داخل في مسمى الزنى - كما تقدم، وهو معطوف على قوله: (بِنَفْيِ نسب).
قوله: (إِنْ كُلِّفَ، وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ) هما شرطان في المقذوف - كما سبق، واحترز بقوله: (إِنْ كُلِّفَ) عن الصبي والمجنون، فإن قاذفهما لا يحد.
واشتراط البلوغ بالنسبة إلى الزنى ظاهر، وأما بالنسبة إلى اللواط فكذلك إن كان الصبي فاعلًا، وأما إن كان مفعولًا به فلا يشترط، وهو أولى من البنت 17 في ذلك، وقاله أبو محمد صالح
الجزء: 5 - الصفحة: 348
وغيره 18.
قوله: (بِآلَةٍ) احترازًا من المجبوب إذا كان جبه قبل بلوغه؛ لأنه يعلم 19 بذلك كذب قاذفه، ولا معرة تلحقه، وإن جب بعد بلوغه حد قاذفه 20.
قوله: (وَبَلَغَ) أي: الذكر بلوغ التكليف.
قوله: (كَأنْ بَلَغْتِ الْوَطْءَ) أي: لا يشترط في الأنثى بلوغ التكليف؛ بل يكفي في ذلك أن تبلغ حد إطاقة الوطء، وهو المشهور؛ لأن المعرة تلحقها كالبالغة 21، وقال ابن عبد الحكم وابن الجهم: لا حد على قاذفها 22.
قوله: (أَوْ مَجهُولًا) هو معطوف على قوله: (لا إِنْ نُبِذَ) أي: وإن كان مجهولًا، يريد: مسبيًا 23، فإن مَن نفاه عن أبيه لا يحد، أو قال له: يا ولد زني، قاله أشهب، وقال: لأن المجهولين لا تثبت أنسابهم ولا يتوارثون بها 24.
قوله: (وَإِنْ مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا) يريد: أن الملاعنة وابنها كغيرهما؛ لأن زناها لَمْ يثبت، فإذا قال لها يا زانية حد لها كغيرها، وكذا يحد لابنها.
قوله: (أَوْ عَرَّضَ غَيْرُ أَبٍ، إِنْ أَفْهَمَ) يريد: ان التعريض من غير الأب إذا افهم الرمي 25 بأحد الأمور المتقدمة، وهي الزنى واللواط، أو نفى 26 النسب؛ كالتصريح في ثبوت 27 الحد؛ كقوله: أما أنا فلست بزان، أو لست بلائط، وأبي معروف 28، ونص
الجزء: 5 - الصفحة: 349
مالك على أن الأب لا يحد في التعريض، وإن لَمْ يفهم من التعريض القذف فلا حد، وفيه قولان 29.
قوله: (يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) هذا خبر عن قوله: (قَذْفُ الْمُكَلَّفِ) كما تقدم، والمعنى: أن قذفه لغيره يوجب عليه ثمانين جلدة بالشروط السابقة.
قوله: (وَإِنِ كَرَّرَ لِوَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا بَعْدَهُ) أي: فإن قذف 30 مرارًا شخصًا واحدًا أو جماعة فإنما عليه ثمانون جلدة، ولا خلاف فيه بالنسبة إلَّا الواحد 31، واختلف فيه بالنسبة إلى الجماعة، والأصح ما قال، وهو مذهب المدونة، وقال فيها: وإن قام أحدهم فضرب له كان ذلك الضرب لكل قذف تقدمه 32، ولا يحد لمن قام به بعد ذلك؛ سواء كان في مجلس أو في مجالس 33. ابن شعبان: ومن أصحابنا من قال: يجلد 34 بعدد من قذف؛ سواء كان مفترقًا أو بكلمة واحدة 35. وقيل: إن قاموا دفعة واحدة فحد واحد، وإن قاموا واحدًا بعد واحد حد لكل واحد، نقله اللخمي عن المغيرة 36، واختاره ابن رشد 37.
قوله: (وَنِصْفَهُ عَلَى الْعَبْدِ) أي: نصف الحد 38، وهو أربعون جلدة؛ لقوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والعبد مقيس على الأنثى؛ إذ لا فرق، وقال ابن شعبان: على العبد ثَمانون إذا قذف حرًّا؛ لأن الحد للمقول له 39، واختاره اللخمي 40.
الجزء: 5 - الصفحة: 350
قوله: (كَلَسْتُ بِزَانٍ) هذا من التعريض الموجب لحد القذف 41، وهو أن يقول لمن يخاصمه 42: أما أنا فلست بزان.
قوله: (أَوْ زَنَتْ عَيْنُكَ) هذا قول ابن القاسم في المدونة 43، نظرًا إلى أنه من التعريض، ومثله عنده: زنت يدك أو رجلك ونحوه، وقال أشهب: لا يحد 44، واختاره جماعة.
قوله: (أَوْ مُكْرَهَةً) أي: وكذا يحد إذا قال لامرأة زنيت مكرهة، يريد: في الأجنبية، ويلاعن في الزوجة 45، إلَّا أن يقيم بينة على الإكراه فلا يحد، وهو مذهب المدونة 46، وفي الموازية: يحد 47؛ وإن أقام بينة على الإكراه 48؛ لأنَّها ليست به بزانية، وإنما يقول زنى بها.
اللخمي: والأول أبين؛ لأن ذلك مما لا تميزه العامة 49.
قوله: (أَوْ عَفِيفُ الْفَرْجِ) يشير به إلى 50 ما قاله اللخمي، وإذا قال: إني لعفيف الفرج، 51، فإنه يحد، وإن لَمْ يذكر فرجًا، وقال: إني لعفيف، وما أنت عفيف، حلف أنه لَمْ يرد قذفًا، ولم يحد، وقاله مالك وعبد الملك 52، واختلف إن قاله لامرأة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد، وقيل: يحد 53.
قوله: (أَوْ لِعَرَبِيٍّ مَا أَنْتَ بحُرٍّ، أَوْ يَا رُومِيُّ) أي: وكذا يجب عليه الحد إذا قال
الجزء: 5 - الصفحة: 351
لشخص من العرب: ما أنت بحر، أو يا رومي 54، أو يا فارسي؛ لأنه نفاه عن نسبه.
قوله: (كَأَنْ نَسَبَهُ لِعَمِّهِ، بِخِلافِ جَدِّهِ) يريد: أن من قال لشخص: أنت ابن فلان، يعني: ابن 55 عمه؛ فإنه يحد، بخلاف إذا قيل 56 له: يا ابن فلان، يعني به: جده؛ فإنه لا يحد؛ لأن الجد أب، وقاله ابن القاسم 57، وكذا عنده في وجوب الحد إذا نسبه إلى خاله أو زوج أمه، وقال أشهب: لا يحد في ذلك كله إلَّا أن يكون ممن يعرف أنه أراد القذف 58، مثل أن يكون جده قد اتهم بأمر 59.
قوله: (وَكَأَنْ قَالَ: أَنَا نَغِلٌ، أَوْ وَلَدُ زِنًا) النغل - بكسر الغين المعجمة -: وهو الفاسد النسب، وقيل: هو ولد الزانية.
فإذا قال: أنا نغل وولد زنى؛ فإنه يحد؛ لأنه قذف أمه، وقاله في الجواهر 60.
قوله: (أَوْ قال يَا قَحْبَةُ، أَوْ يَا قَرْنَانُ، أَوْ يَا ابْنَ مُنَزِّلَةِ الرُّكْبَانِ، أَوْ ذَاتِ الرَّايَةِ، أَوْ فَعَلْتُ بِهَا فِي عُكْنِهَا) قال يحيى بن عمر: من قال لزوجته: يا قحبة.
فعليه الحد 61؛ لأن ذلك في الاصطلاح عبارة عن: الزانية، وفي الموازية: من قال لرجل 62: يا قرنان.
حد لزوجته إن طلبت؛ لأن القرنان عند الناس هو: زوج الفاعلة، وقاله ابن القاسم في غير الموازية، ولم ير فيه يحيى بن عمر حدًا؛ بل يضرب عشرين سوطًا 63، وفي الواضحة: إذا قال له: يابن منزلة الركبان، أو يا بن ذات الراية.
حد 64، وكذا فعلت بفلانة في أعكانها، عند
الجزء: 5 - الصفحة: 352
ابن القاسم، قاله في المدونة (1) وغيرها، خلافًا لأشهب (2).
قوله: (لَا إِنْ نَسَبَ جِنْسًا لِغَيْرِهِ ولَوْ أَبْيَضَ لأَسْوَدَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَرَبِ) اختلف في هذا على ثلاثة أقوال، وفي المدونة منها قولان لمالك (3)، والذي أخذ به ابن القاسم فيها ما ذكره هنا في نفي الحد إن لَمْ يكن من العرب (4)، وقيل: يحد.
ابن رشد: إلَّا أن يكون المقول له أسود، أو ابن أسود، وإن كان من جنسي البيض، فيقول له: يا ابن النوبي، أو يا ابن الحبشي حد (5). قال: وهو مذهب ابن الماجشون، وقيل: أنه إن قيل لبربري أو فارسي أو قبطي أو نبطي: يا حبشي، أو يا بربري (6). فعليه الحد، إلَّا أن يكون أسود، أو في آبائه أسود، وإن قال لحبشي أو نوبي (7): يا بربري، أو يا فارسي، أو يا قبطي.
فلا حد عليه، وأما العرب فإنها تحفظ أنسابها، فمن نسب عربيًا إلى غير العرب أو إلى غير قبيلته فعليه الحد اتفاقًا، ولا خلاف أنه لا يحد (8) إذا نسب أحدًا من البيض والبربر والفرس والقبط إلى غير جنسه من البيض كلهم في غير العرب، وكذا إذا نسب جنسًا من أجناس السود إلى غيرهم منهم كالحبش والنوبة بلا خلاف؛ لأنهم لا يحفظون أنسابهم (9).
(المتن)
أَوْ قَالَ مَوْلًى لِغَيْرِهِ: أَنَا خَيْرٌ، أَوْ مَا لَكَ أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ، أَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ، وَحُدَّ فِي مَأبُونٍ؛ إِنْ كَانَ لَا يَتَأَنَّثُ، وَفِي يَا ابْنَ النَّصْرَانِيَّ، أَوِ الأَزْرَقِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِهِ كَذَلِكَ، وَفِي مُخَنَّثٍ؛ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ.
وَأُدِّبَ فِي يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ، أَوِ الْفَاجِرَةِ، أَوْ يَا حِمَارُ يَا ابْنَ الْحِمَارِ، أَوْ أَنَا عَفِيفٌ، أَوْ إِنَّكِ عَفِيفَةٌ، أَوْ يَا فَاسِقُ، أَوْ656667686970717273
الجزء: 5 - الصفحة: 353
يَا فَاجِرٌ.
وإِنْ قَالَتْ: "بِكَ" جَوَابًا لِزَنَيْتِ حُدَّتْ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ.
وَلَهْ حَدُّ أَبِيهِ وَفسِّقَ، وَالْقِيَامُ بِهِ، وإِنْ عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ، كَوَارِثِهِ، وَإِنْ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ وَلَدٍ وَوَلَدِهِ، وَأَبٍ، وَأَبِيهِ، وَلِكُلٍّ الْقِيَامُ.
وَإِنْ حَصَلَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ وَالْعَفْوْ قَبْلَ الإِمَامِ، أَوْ بَعْدَهُ، إِنْ أَرَادَ سِتْرًا، وَإِنْ قُذِفَ فِي الْحَدِّ ابْتُدِئَ لَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَبْقَى يَسِيرٌ، فَيُكَمَّل الأَوَّلُ.