(الزِّنَا: وَطْءُ، مُسلِمٍ، مُكَلَّفٍ، فَرْجَ آدَمِي، لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، بِاتِّفَاقٍ، متَعَمِّدًا) حَدَّ الزنى - رَحِمَهُ اللهُ - بما ذكر، الوطء: كالجنس، ومكلف: فصل، خرج به وطء المجنون والصبي، فإنه لا يسمى زنا، واحترز بالمسلم من الكافر؛ لأنا 1 لا نعرض لهم في ذلك، إلَّا أن يتحاكموا إلينا، واحترز بالفرج من الوطء بين الفخذين ونحوه، ومن الآدمي من وطء البهيمة؛ فإنه لا يسمى زنا.
قوله: (لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ) احترز ممن وطؤها مباح له من زوجة أو أمة؛ ولكن امتنع وطؤها من حيض، أو نفاس، أو صيام، أو إحرام، أو نحو ذلك؛ فإنه إذا وطئها 2 كذلك لا يحد، واحترز بقوله: (بِاتِّفَاقٍ) من النِّكَاح المختلف فيه؛ كنكاح بلا ولي، واحترز بقوله: (متَعَمِّدًا) من الغالط والناسي، وكذلك الجاهل بالعين أو بالحكم إذا كان يظن بها ذلك - كما سيأتي -. واعترض على حده من وجوه مذكورة في الكبير.
قوله: (وَإِنْ لِوَاطًا) لأنه وطء في فرج آدمي، إلَّا أن حكمه مخالف لحكم الزنا - كما سيأتي -.
الجزء: 5 - الصفحة: 332
قوله: (أَوْ إِتْيَانَ أجْنَبِيَّةٍ بِدُبُرٍ) يريد: أن مذهب المدونة 3 والموازية والواضحة 4 أن هذا يسمى زني، ويجلد فيه البكر، ويرجم المحصن، وقال ابن القصار: هو لواط، وأنهما يرجمان 5.
قوله: (أَوْ مَيِّتَةٍ) هذا هو المشهور، وقال ابن شعبان: ولا يحد واطئ 6 ميتة، يريد: بل يعاقب 7.
قوله: وأشار بقوله: (غَيْرِ زَوْجٍ) إلى أن الزوج إذا فعل ذلك من زوجته فلا يحد.
عياض: وإليه ذهب أكثر المحققين من أصحابنا.
قوله: (أَوْ صَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا) هذا مذهب المدونة 8، واحترز به عن من لا يمكن وطؤها، فإن واطئها 9 لا يحد، ومثله عن أشهب، وقال ابن 10 القاسم 11: يحد، وإن كانت بنت خمس سنين 12.
قوله: (أَوْ مُسْتَأجَرَةٍ لِوَطْءٍ، أَوْ غَيْرِهِ) يريد: أنه إذا 13 استأجر أمة 14 للوطء أو غيره ثم وطئها؛ فإنه يحد، ولا يكون عقد الإجارة شبهة.
قوله: (أَوْ مَمْلُوكَةٍ تَعْتِقُ) أي: وكذلك يحد إذا وطئ مملوكة تعتق عليه إذا ملكها كالأمهات وإن علون، وأمهات الآباء 15 والبنات وإن سفلن، والأخوات من كلّ
الجزء: 5 - الصفحة: 333
جهة، محمد: 16 إذا أتى ذلك عالمًا 17، اللخمي: يريد: وهو من أهل الاجتهاد، ورأى 18 أنَّها حرة بنفس الشراء، وإن كان رأيه عدم العتق أو هو مقلد لمن لا يرى 19 العتق لَمْ يحد 20، وكان الشيخ - رَحِمَهُ اللهُ - أشار إلى قول محمد وتقييد اللخمي بقوله: (أَوْ يَعْلَمُ 21 حُرِّيَّتَهَا).
قوله: (أَوْ مُحَرَّمَةٍ بِصِهْرٍ مُؤَبَّدٍ) كالبنت ينكحها بعد الدخول بأمها فإنه يحد، وكذلك 22 إذا وطئ خامسة وهو مذهب المدونة 23، وقيل: لا يحد.
وإلى الأول أشار بقوله: (أَوْ خَامِسَةٍ)، وأما قوله: (أَوْ مَرْهُونَةٍ) فهي باعتبار الحد أوضح من غيرها.
قوله: (أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ) المشهور في ذات المغنم أن يحد واطئها كما قال، إلَّا أن مراده بها الجارية التي له فيها نصيب بأنها له حلال، وقال عبد الملك لا يحد في التي له فيها نصيب 24.
قوله: (أَوْ حَرْبيَّةٍ أَوْ مَبْتُوتَةٍ) يريد: إذا وطئها في أرض الإسلام وقد دخلت بنفسها، وكذلك في أرض الحرب عند ابن القاسم خلافًا لعبد الملك 25. بعض الأشياخ: ولا خلاف أنه إذا خرج بها إلى أرض الإسلام ثم وطئها أنه لا يحد؛ لأنَّها الآن ملكها، وظاهر قوله: (أَوْ مَبْتُوتَةٍ) سواء كان بلفظ البتة أو الثلاث، وسواء كان الثلاث طلقات
الجزء: 5 - الصفحة: 334
مفترقة أو مجتمعات، وهو ظاهر المدونة 26، فإذا أبت 27 زوجته على هذه الأوجه ثم وطئ فإنه يحد، ولو في عدتها، كما قال هنا: وإن بعدة .. وقال أصبغ: لا يحد في البتة ولو كان عالمًا؛ لقوة الخلاف هل هي واحدة أم لا 28، وتأول عبد الحق الثلاث على أنَّها مفترقات، قال: وأما إن كانت في لفظ واحد 29 فلا يحد عالمًا أو جاهلًا؛ للاختلاف فيها.
وقال غيره: ظاهر المدونة خلافًا لهذا التأويل، وأنه لا فرق بين اجتماعهما وافتراقهما؛ لضعف القول بإلزام الواحدة، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (أو أبت في مرّة) تأويلان، ثم قال: (أو مطلقة قبل البناء) أي: يطأها بعد الطلاق؛ فإنه يحد، قاله في المدونة 30؛ إلَّا أن يعذر فيها 31 بجهل، وقيد 32 فيها الطلاق 33 بكونه واحدة، ومثله في الحد من أعتق أمة ثم وطئها، ولهذا قال: أو معتقة.
قوله: (بِلا عَقْدِ) هو قيد في مسألتي الطلاق والعتق.
قوله: (كأن يطأها مملوكها) هكذا قال محمد، أن المرأة إذا مكنت من نفسها مملوكها حتى وطئها فإنها تحد، وكذلك إذا مكنت مجنونًا فوطئها، وإليه أشار بقوله: (أَوْ مَجْنُونًا)، وقال: (بِخِلافِ الصَّغير) أي: لا تحد بوطئه؛ إذ لا يحصل لها معه من اللذة ما يحصل من غيره، وإليه أشار بقوله: (بخلاف الصغير).
قوله 34: (إِلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ) أي: عين الموطوءة، يريد: المسائل كلها، فإنه لا حد، مثل أن يظن أن الموطوءة زوجته أو أمته.
قوله: (أَوِ الْحُكْمَ، إِنْ جَهِلَ مِثْلُهُ) أي: وكذلك لا حد عليه إذا قام على ذلك جاهلًا
الجزء: 5 - الصفحة: 335
بالتحريم إذا كان مثله يجهل ذلك كالأعجمي (1) وشبهه، ثم استثنى من هذه ما إذا كان الزنى واضحًا جليًا؛ فإنه يحد ولا يعذر، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة (2)، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا الْوَاضِحَ)، وقال أصبغ: يعذر، ولا يحد (3)، اللخمي: والأول أشهر، والثاني أقيس (4).
قوله: (لا مُسَاحَقَةٌ) فإنها لا تحد، المراد بذلك: ما يفعله شرار النساء بعضهن لبعض، ومذهب ابن القاسم في المدونة أن الأدب موكول إلَّا اجتهاد الحاكم (5)، ولهذا قال هنا (وأُدِّبَتا اجْتِهَادًا)، وقال أصبغ (6): تجلد كلّ واحدة منهن خمسين جلدة (7)، والأول أظهر؛ لأن الوطء إنما يصدق على الإيلاج، ولا إيلاج هنا.
قوله: (كَبَهِيمَةٍ) أي: فإنه لا حد على وطئها، إذ لَمْ يشمله التعريف الذي ذكره، وإنما يلزمه الأدب، وقد روى الترمذي أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى بهيمة فلا حد عليه"، وقال ابن شعبان: يحد، نظرًا إلَّا أنه قد أتى فرجًا مشتهًا (8).
قوله: (وهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الذَّبْحِ والأَكْلِ) هذا مما لا خلاف فيه عندنا.
(المتن)
وَمَنْ حَرُمَ لِعَارِضٍ كَحَائِضٍ، أَوْ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَا تَعْتِقُ أَوْ مُعْتَدَّةٍ أَوْ بِنْاتٍ عَلَى أُمٍّ، لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ عَلَى أُخْتِهَا، وَهَلْ إِلَّا أُخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ؟ تَأْوِيلَانِ.
وَكَأَمَةٍ مُحَلَّلَةٍ، وَقُوِّمَتْ وَإِنْ أَبَيَا، أَوْ مُكْرَهَةٍ أَوْ مَبِيعَةٍ بِغَلَاءٍ عَلَى الأَظْهَرُ، كَأنِ ادَّعَى شِرَاءَ أَمَةٍ، وَنكَلَ الْبَائِعُ، وَحَلَفَ الْوَاطِئُ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ، وَالأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ وَثَبَتَ بِإِقْرَارٍ مَرَّةً؛ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطْلَقًا، أَوْ يَهْرُبَ، وَإِنْ فِي الْحَدِّ وَبِالْبَيِّنَةِ، وَلَا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا، وَبِحَمْلٍ3536373839404142
الجزء: 5 - الصفحة: 336
فِي غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ، وَذَاتِ سَيِّدٍ مُقِرٍّ بِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ بِلَا قَرِينَةٍ.