قوله: (وَفِيمَنْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيهِ جَوَابًا لِصَلِّ، أَوْ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ، جَوَابًا لِتَتَّهِمُنِي، أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَوْلَانِ) يريد: أن في كلّ فرع من هذه الفروع 3 الثلاثة قولين، وعن سحنون: إذا طلبه 4 دينه منه فأغضبه فقال له صلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقام الطالب فقال: لا صلى الله على من صلى عليه، أنه لا يكون كفرًا.
وقال أصبغ: لا يقتل؛ لأنه إنما شتم الناس.
وقال الحارث:12
الجزء: 5 - الصفحة: 327
يقتل 5. وقال أبو الفرج 6: إذا قال له: أتتهمني، فقال: الأنبياء يتهمون، فكيف أنت؟ ! أنه يقتل؛ لشناعة ظاهر لفظه، وتوقف فيه ابن منصور؛ لاحتمال أن يكون خبرًا عن من اتهمهم من الكفار 7، والقول بقتل من قال: جميع البشر يلحقهم النقص، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم -. أظهر من عدمه.
قوله: (واسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ) أي: فإن تاب وإلا قتل، وقاله ابن المرابط 8.
قوله: (أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ) أي: وكذا يستتاب من أعلن بتكذيبه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ردة، واحترز بالإعلان مما إذا أسر ذلك فإنه يكون زنديقًا لا تقبل توبته إلَّا أن يأتي تائبًا قبل الظهور.
قوله: (أَوْ تَنبَّأَ) أي: وكذا يستتاب من ادعى النبوة، وأنه يوحى إليه، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه مستلزم لتكذيبه - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: "لا نبي بعدي"، وتكذيب القرآن لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].
قوله: (إِلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الأَظْهَرِ) أي: (فيكون زنديقًا، وهو اختيار ابن رشد 9، ولهذا قال: (على الأظهر)، وفي النوادر: يقتل، سواء سر ذلك أو أعلنه 10.
قوله: (وأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي: أَدِّ واشْكُ لِلنَّبِيِّ) - صلى الله عليه وسلم -، وقع هذا في عشار طلب من رجل 11 شيئًا يأخذه فقال له: أشكوك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال له العشار: أدِّ واشك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فأفتى بعضهم بالأدب كما قال هنا: وأفتى غيره بالقتل، ووافقه ابن عتاب على ذلك 12.
قوله: (ولَوْ سَبَّنِي نبيك لَسَبَبْتُهُ) أي: وكذا يؤدب في هذا، ويحتمل أن يقال
الجزء: 5 - الصفحة: 328
فيه بالقتل.
قوله: (أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ) أي: وكذا يؤدب في قوله لغيره، ابن أبي زيد: وكذلك قوله: يا ابن ألف خنزير.
مع أنه يدخل في هذا العدد جماعة من آبائه أنبياء فيزجر عنه، قال: وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل 13.
قوله: (أَوْ عُيِّرَ بِالْفَقْرِ، فَقَالَ: تُعَيِّرُنِي بِهِ والنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ رَعَى الْغَنَمَ) هكذا قال في الشهادة 14 أنه يؤدب؛ لأنه عرض بذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير موضعه، ولا ينبغي ذلك.
قوله: (أَوْ قَالَ لِغَضْبَانَ كَأَنَّه وَجْهُ مُنكَرٍ، أَوْ مَالِكٍ) قال القابسي 15: وإذا قال لقبيح الوجه: كأنه وجه منكر، أي: الملك الذي يسأل الميت في قبره، أو قال في عبوس الوجه كأنه وجه مالك، يريد: خازن النار أنه يؤدب لأنه قصد بالذم المخاطب، وإن أراد به كمالك يغضب لغضب الله فهو أخف أدبا 16.
قوله: (أَوِ اسْتَشْهَدَ ببَعْضِ جَائِزٍ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةً لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ تَشَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ، لَا عَلَى الَتَّأَسِّي كَإِنْ كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبُوا، أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ، أَوْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ) أي: فإن لَمْ يذكر نقصًا ولا عيبًا، بل ذكر بعض أحواله - صلى الله عليه وسلم - حجة، ومثلا لنفسه أو لغيره لا على طريق التأسي؛ بل ليرفع له نفسه 17؛ كقوله: إن قيل فيّ المكروه فقد قيل
الجزء: 5 - الصفحة: 329
في النبي - صلى الله عليه وسلم -، كيف أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم الأنبياء، وإن كذبت فقد كذبوا، أو غير ذلك، فإنه يؤدب.
قوله: (أو لعن العرب أو بني هاشم، فقال: أردت الظالمين منهم) أي وكذلك يؤدب باجتهاد الحاكم من لعن أحد من العرب أو بني هاشم قاله ابن أبي زيد رحمه الله (1).
قوله: (وَشُدِّدَ عَلَيهِ فِي كُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانُ، وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا) توقف القابسي في هذه المسألة وشدد القائل بها بالقيود، حتى يستفهم البينة عما يدلُّ على مقصوده، هل أراد أصحاب الفنادق الآن فليس فيهم نبي، فيكون أمره أخف؛ لأن ظاهر قوله (2) العموم، وفي متقدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من اكتسب المال، فوقع التردد في ذلك (3).
(المتن)
وَفِي قَبِيحٍ لِأَحَدِ ذُرِّيَتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي آبَائِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، كَأَنِ انْتَسَبَ لَهُ، أَوِ احْتَمَل قَوْلُهُ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ، أَوْ لَفِيفٌ أو عَاق عائق عَنِ الْقَتْلِ، أَوْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نُبُوَّتِهِ، أَوْ صَحَابِيًّا، وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافٌ، كَمَنْ قَالَ لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ.