قوله: (قُتِلَ) جوابًا عن قوله: (وإن سب نبيًّا، أو ملكًا.
إلى آخره) ومراده: نبيًّا أو ملكًا متفق على نبوته أو كونه من الملائكة، ويدل عليه ما يقوله بعد هذا 3، ولا فرق في الأمور التي توجب القتل بين التصريح والتعريض؛ ولهذا قال: وإن عرَّض، ولا امتراء في قتل من لعنه، أو عابه، أو قذفه، ونحو ذلك من الاستخفافات به، ومثل ذلك: ما إذا قال في نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أسود اللون، أو قصير القامة.
قال أحمد بن سليمان: أو قال: إنه مات قبل أن يلتحي؛ فإنه يقتل 4. وعلل القتل فيه: بأن تغيير الصفة نفيٌ له 5 صلى الله12
الجزء: 5 - الصفحة: 325
عليه وسلم وشرف وكرم وعظم 6.
وقوله: (أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا، وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ) هو كقول ابن المرابط 7: أنه يقتل من نقصه بسهوٍ، أو نسيانٍ، أو سحرٍ، أو هزيمة بعض 8 جيوشه، أو شدة من زمانه 9، أو الميل لبعض نسائه، ولا خفاء في قتل من 10 غض من مرتبته شيئًا، أو من وفور علمه أو زهده، وقد أفتى الأندلسيون، في علي بن حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه - صلى الله عليه وسلم -، وقاله سحنون، وابن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي 11، قال في الشفاء: عن ابن سليمان فيمن قيل له: بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا، أو ذكر كلامًا قبيحًا، فقيل له: يا عدو الله ما تقول؟ ! ! ، فقال أشد من الأول، قال: أردت برسول الله العقرب، قال ابن سليمان: يقتل، ولا يقبل التأويل؛ لصراحة اللفظ 12. وإلى هذا أشار بما ذكر هنا؛ غير أنه أجحف في الاختصار، والمشهور: أن الساب لا يستتاب، ويقتل حدًا كما نبّه عليه.
وقال ابن كنانة: يخير الإمام في قتل الساب المسلم أو صلبه حيًا 13.
قوله: (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) يريد: إذا سبَّ بغير ما به كفر، وقاله مالك، وابن القاسم، وسحنون، ولا يقال له: أسلم؛ ولكن إن أسلم فذلك توبته، وهذا هو المشهور 14؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وقيل: لا بد من قتله وإن أسلم، قيل: لأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة والإسلام.
قوله: (وَإِنْ ظَهَرَ أنّه لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ؛ لِجهْلٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ تَهَورٍ) يشير بهذا إلى قول
الجزء: 5 - الصفحة: 326
ابن المرابط؛ فإنه قال بإثر كلامه السابق: ومن لَمْ يقصد الازدراء، ولا.
يعتقده في تكلمه بالسب، أو باللعن، أو التكذيب، أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفي ما يجب له مما هو نقص في حقه، وظهر عدم تعميده، وقصد السب إما لجهالة، أو ضجر، أو سكر، أو قلة ضبط لسان، وتهور في كلامه؛ فإنه يقتل، ولا يعذر أحد بجهالة في الكفر ولا في غيره وهو سليم العقل؛ إلَّا الإكراه (1). فقوله: (إِنْ ظَهَرَ أنَّه لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ) مبالغة في قتل الساب، أي: ولو ظهر من حاله ذلك لا يعذر به، وبقية كلامه واضح، وكله في الشفاء (2) وغيره.
(المتن)
وَفِيمَنْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيهِ جَوَابًا لِصَلِّ، أَوْ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ، جَوَابًا لِتَتَّهِمُنِي، أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَوْلَانِ.
وَاسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ، أَوْ أَعْلَنَ بتَكْذِيبِهِ، أَوْ تَنَبَّأَ، إِلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الَأَظْهَرِ، وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي: أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ، أَوْ لَوْ سَبَّنِي نبيك لَسَبَبْتُهُ، أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عُيِّرَ بالْفَقْرِ فَقَالَ: تُعَيِّرُنِي بِهِ وَالنَّبِيُّ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ، أَوْ قَالَ لِغَضبَانَ: كَأَنَّهُ وَجْهُ مُنْكَرٍ، أَوْ مَالِكٍ، أَوِ اسْتَشْهَدَ ببَعْضِ جَائِزٍ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةَ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ شَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلَى التَّأَسِي، كَإِنْ كُذبْتُ فَقَدْ كُذِّبُوا، أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ، أَوْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ، وَشُدِّدَ عَلَيهِ فِي كُلِّ صَاحِب فُنْدُقٍ قَرْنَانُ، وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا.