(الرِّدَّةُ: كُفْرُ الْمَسْلِمِ) أي: هي الكفر الطارئ على الإسلام.
وعدل عن قوله - رَحِمَهُ اللهُ -: كفر المؤمن، إلى قوله: كفر المسلم، وإن كانت المقابلة في الكفر إنما تكون بين الكفر والإيمان، لكن 3 النظر هنا مقصور على أحكام الدنيا التي 4 ينكر فيها الحاكم، ولا قدرة لهم على معرفة إيمان بعضهم بعضا، وإنما يعلمون إسلامهم، ولهذا احتاج إلى الكلام على الأمور التي يعرف بها كفر المرتد فقال: (بِتصَرِيحٍ، أَوْ بلفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ) يعني بذلك: أن الطرق الموصلة إلى العلم بردة المرء أمور ثلاثة:
فيستدل على ردته بصريح لفظ، كقوله والعياذ بالله: (أشركت، أو كفرت بالله أو بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ونحو ذلك)، ولوضوح 5 هذا لَمْ يتعرض لأمثلته.12
الجزء: 5 - الصفحة: 314
وأما قوله: (كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ، وَشَدِّ زُنَّارٍ) فهو من الفعل الذي يضمن 6 الكفر، ومثله: (تلطيخ الحجر الأسود بالنجاسة).
والباء في قوله: (بقذر) للظرفية، أي: في قذر.
قوله: (وَسِحْرٍ) هو مثال اللفظ الذي يقتضي 7 الكفر، ومثله: إذا جحد شيئًا مما علم من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس، والحج، وصوم شهر رمضان.
وقد نص مالك وأصحابه على أن السحر كفر، وأن الساحر يقتل ولا يستتاب، وسواء سحر مسلمًا أو ذميًّا 8.
قوله: (وقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ) هذا أيضًا من اللفظ الذي يقتضي 9 الكفر، وهو على القول بتكفير هؤلاء، ولمالك وغيره فيهم قولان.
قوله: (أَوْ شَكٍّ فِي ذَلِكَ) أي: في قدم 10 العالم أو بقائه، وهذا ليس من الأمور الثلاثة، وعليه فيكون الحد الذي ذكر غير جامع لخروج هذا النوع عنه وهو منه 11.
قوله: (أَوْ بتَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ) أي: وهكذا القول بتناسخ الأرواح ردة.
قوله: (أَوْ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ جِنْسِ نَذِيرٌ) أي: في كلّ جنس من الحيوانات نذير؛ لأن في اتصافه بوصف الكلية ونحوها محتجًّا بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ).
قوله: (أَوِ ادَّعى شِرْيكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم -) كقوله بنبوة على، أو أنه كان شريكه - صلى الله عليه وسلم - في النبوة، أو كان يوحى إليهما معًا، وهو من اللفظ الذي يقتضي الكفر.
قوله: (أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ) لأن محاربته محاربة لله تعالى، ولا إشكال في كفر من حارب الله أو حارب نبيه، وكفى بما فيه من الآياتِ والأحاديث.
قوله: (أَوْ جَوَّزَ اكِتِسَابَ النُّبُوَّةِ) لأن ذلك يؤدي إلى الخلل 12، وتوهين 13 ما جاءت
الجزء: 5 - الصفحة: 315
به الأنبياء، ولا خلاف في تكفيره، وقاله في الذخيرة 14.
قوله: (أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ إلى السَّمَاءِ، أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ العين) هكذا قال في الذخيرة، قال: وكذلك إذا قال: يدخل الجَنَّة ويأكل من ثمارها.
وكل هذه الأصول 15 التي ذكر نص عليها في الذخيرة 16، وزاد عليها أمورًا أخرى، ذكرتها في الكبير 17.
قوله: (واسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ) أي: شرب الخمر ومثله، فإذا استحل الزنى والسرقة والقذف ونحو ذلك من الأمور المحرمة؟ ولهذا أدخل كاف التشبيه في كلامه ليعم 18 ذلك.
قوله: (لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا عَلَى الأَصَحِّ) أي: فلا يكفر بقوله لغيره أماتك الله كافرًا، واختاره القرافي.
19. ابن رشد: وهو الصواب 20، وأفتى الكركي 21 بكفره، قال: لأنه إرادة 22 أن يكفر بالله.
ورد بأن: إرادة الكفر غير مقصودة 23 له، وإنما أراد التغليظ في الشتم، والكفر شيء تؤول إليه الأمور 24.
قوله: (وفُصِّلَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ) أي: في الكفر، والمعنى: أن الشاهد إذا شهد بكفر شخص أو ردته فلا بد أن يبين في شهادته الوجه الذي كفر به، ولا يقبل 25 منه أن يقول: فلان كفر أو ارتد، لاختلاف الناس في أسباب التكفير.
الجزء: 5 - الصفحة: 316
قوله: (واسْتُتِيبَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) أي: وأجل للتوبة ثلاثة أيام، وظاهر المذهب وجوب ذلك، وهو مروي عن مالك، وعنه: أن ذلك مستحب، روى عنه ابن القصار أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل (1)، ولابن القاسم في الموازية أنه يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن تاب وإلا قتل، قال مالك في العتبية والموازية: وما علمت في استتابته تجويعًا ولا تعطيشًا (2). وإليه أشار بقوله: (بِلا جُوعٍ وعَطَشٍ)، قال مالك: وأرى أن يقات من الطعام بما لا يكره، ولا عقوبة عليه إذا تاب.
حكاه ابن شاس، وحكى عن مالك أنه لا يعاقب في الثلاثة الأيام (3)، وإليه أشار بقوله: (ومُعَاقَبَةٍ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ)، ونقل عن أصبغ (4) أنه يخوف أيام استتابته بالضرب (5).
قوله: (فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) أي: فإن مضت عليه الثلاثة الأيام ولم يتب قتل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه".
(المتن)
وَاسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَةٍ، وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَإِلَّا فَفَيءٌ، وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا، كَأَنْ تُرِكَ، وَأُخِذَ مِنْهُ مَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ، كَأَنْ هَرَبَ لبلاد الْحَرْبِ، إِلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ.
وَالْخَطَأُ عَلَى بَيتِ الْمَالِ كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ، وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ، وَقُدِّرَ كَالْمُسْلِمِ فِيهِمَا، وَقُتِلَ الْمُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا، وَمَالُهُ لِوَارِثِهِ، وَقُبلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ، وَقَالَ: أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ، إِنْ ظَهَرَ، كَأَنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى، وَأَعَادَ مَأْمُومُهُ، وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ، كَسَاحِرٍ ذِمِّي إِنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ.
وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً، وَصِيَامًا، وَزَكَاةً، وَحَجًّا تَقَدّمَ، وَنَذْرًا، وَكَفَّارَةً، وَيَمِينًا بِاللَّهِ، أَوْ بعِتقٍ، أَوْ بظِهَارٍ، وَإِحْصَانًا، وَوَصِيَّةً، لَا طَلَاقًا، وَرَدَّةُ مُحَلِّلٍ، بِخِلَافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ، وَأُقِرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ لِكُفْرٍ آخَرَ.