قوله: (وَنكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) يريد: أن من أعان غيره في الإيمان لا يعتبر نكوله؛ إذ لا حق له في الدم، ولأنه قد يتهم في ذلك برِشاء 3 وغيره، وإذا نكل المستعين، وكان المستحق للدم واحدًا، فإن وجد من يستعين به غير هذا الناكل حلف معه، وإلا بطل12
الجزء: 5 - الصفحة: 307
الدم؛ إذ لا يحلف في العمد 4 أقلّ من رجلين.
قوله: (بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا) أي: بخلاف غير المعين، فإنه إذا نكل سقط القود ولا خلاف فيه، إذا استوى الأولياء في الدرجة، واختلف إذا لَمْ يستووا كأولاد العم مع أبيهم، ونحو ذلك، فالمشهور أيضًا سقوط القود 5، قاله الباجي 6، وقيل: لا يسقط إلَّا باجتماعهم، وقال ابن نافع: إن كان على وجه العفو حلف من بقي، وأخذ الدية، وإن كان على وجه التورع حلفوا وقتَلُوا، واختلف هل وفاق أو خلاف، وقال ابن القاسم: إذا كان العفو قبل القسامة بطل القتل والدية، وإن كان بعدها بطل القتل وكان لمن بقي حصته من الدية 7، وأبطل عبد الملك الدية مطلقًا 8، ولا فرق عند الجميع بين العفو والنكول.
قوله: (فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) أي: وإذا نكل أحد الأولياء وسقط الدم ردت الإيمان على المدعى عليهم، وهكذا روي عن مالك، وعنه أن لمن بقي حظهم من الدية إن حلفوا 9، ابن عبد السلام: والأول أظهر 10.
قوله: (يَحْلِفُ كُلٌّ) أي: يحلف كلّ واحد من المدعي عليهم خمسين يمينًا إن كانوا جماعة، وإن كان واحدًا حلف خمسين، ومن نكل منهم حبس حتى يحلفها، وقيل: تؤخذ الدية من ماله، وقيل: يحبس حتى يحلف أو يطول حبسه 11.
قوله: (وَلَا اسْتِعَانَةَ) أي: للمدعى عليه، وقاله في المدونة 12، وهو قول مطرف 13،
الجزء: 5 - الصفحة: 308
وقال ابن القاسم: له ذلك، وحمل أبو الحسن المدونة عليه.
ولابن القاسم أيضًا في العتبية والموازية: أن المدعى عليه بالخيار بين أن يحلف جميع الإيمان أو يحلفها المتهم وحده 14، ابن عبد السلام: والقول الأول أظهر 15.
قوله: (وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ؛ بِخِلَافِ عَفْوِهِ، وَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ) وإن أكذب أحد الأولياء نفسه سقط القود، وإن عفا حلف من بقي وكان له نصيبه من الدية 16.
قوله: (وَلَا يُنْظَرُ صَغِيرٌ) يريد: أن الميت إذا كان له وليان 17، إما في درجة واحدة أو بالاستعانة، لَمْ ينظر بلوغ الصغير 18، فإن الكبير يحلف حصته الآن وهي خمس وعشرون يمينًا، ولا يؤخر إلى بلوغ الصغير؛ لأنه قد يموت قبل ذلك فيبطل الدم.
قوله: (بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ إِلَّا أَلَّا يُوجَدَ غَيرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ) قال في المدونة: وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم فإنه ينتظر إفاقته؛ لأن هذا مرض من الأمراض يزول عن قرب 19. وقوله: (إِلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ) الضمير للصغير؛ أي: إلَّا أن لا يوجد غير الصغير، والاستثناء من قوله: (وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِير) 20.
قوله: (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) أي: حال اليمين؛ لأنه أرهب 21، والجملة في محل الحال.
قوله: (وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، مِنْ وَاحِدٍ) أي: ووجب بالقسامة الدية في الخطأ، والقصاص في العمد، ولا يقتل بها إلَّا واحد؛ لأنه أضعف من الإقرار والبينة، وهذا هو الصحيح، وقيل: يقتل بها أكثر من واحد.
الجزء: 5 - الصفحة: 309
قوله: (يُعَيَّنَ لَهَا) أي: للقسامة، فلا يقسمون إلا على عين من يريدون قتله، ويعينوه من الجماعة الذين شملهم اللوث.
ابن القاسم: ويقسمون 22 لمات من ضربه، ولا يقولون من ضربهم 23، وهذا في العمد، وأما في الخطأ فلا يقسمون إلَّا على جميعهم توزع الدية على عواقلهم، ولا فرق بين كون الضرب واحدًا أو متعددًا 24، ولسحنون: إن كان واحدًا كقوم حملوا صخرة فالقسامة على الجميع في العمد والخطأ، وإن كان الضرب متفرقًا فلا يُقْسَم إلَّا على واحد، وقال أيضًا: لهم أن يقسموا على الجماعة، ثم يختارون واحدًا للقتل 25.
قوله: (وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حُبِسَ) يريد: من أقام شاهدًا على أحد هذه الأمور لَمْ يطلب بقسامة، ولكن يحلف يمينًا واحدة على ما شهد به شاهده، ويأخذ دية ذلك، فإن نكل عن اليمين قيل للجارح احلف، فإن حلف بريّ، وإن نكل حبس حتى يحلف، وكان ابن القاسم يقول: يقتص منه، ثم رجع وقال أيضًا: إذا طال سجنه ولم يحلف عوقب وأطلق، إلَّا أن يكون متمردًا فيخلد في السجن 26.
قوله: (فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ.
فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوِ اسْتَهَلَّ) أي: فلو قالت امراة: دمي وجنيني عند فلان فإن القسامة تتوجه فيها نفسها، ولا قسامة في الجنين؛ لأنه كالجرح وهو لا قسامة فيه، وهو بمنزلة ما لو قالت: جرحني فلان، وهو غير مسموع، ولا فرق بين أن يستهل الجنين أم لا، أما لو ثبت موتها 27 وخرج الجنين ميتًا بعدُ لكان 28 في الأم القسامة؛ لأنَّها نفس، ويحلف وَلِيُّ الجنين يمينًا واحدة ويأخذ ديته، فإن استهل ففيه القسامة أيضًا 29.
الجزء: 5 - الصفحة: 310