قوله: (وهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا) هذا تفسير القسامة، وهي خمسون يمينًا، وإنما شرط فيها التوالي لأنه أرهب وأوقع في النفس، واشترط كونها بتًّا؛ لأنه الذي ورد به النص في قصة حويصة ومحيصة، وقول الأولياء: كيف نحلف ولم نحضر؛ إذ لو كانت على العلم لما كانت غيبتهم 6 مانعة منها 7. قوله: (وَإِنْ أَعْمَى، أَوْ غَائِبًا) أي: وإن كان الحالف 8 أعمى أو غائبًا 9 حين القتل،12345
الجزء: 5 - الصفحة: 304
وقاله في المدونة 10. إذْ العمى والغيبة لا يمنعان من تحصيل أسباب العلم.
قوله: (يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ) أي: فلا يحلفها من لا يرث، ويحلفها من الورثة المكلفون واحدًا وجماعة ذكرًا أو أنثى، ولهذا قال: (وَإِنْ وَاحِدًا، أَوِ امْرَأَةً).
قوله: (وَجُبِرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا) اعلم أن لهذه اليمين ثلاثة أحوال، تارة لا ينكسر منها شيء كاثنين 11 يحلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينًا، وتارة ينكسر منها يمين أو أيمان، ويختلف 12 أيضًا الورثة في أجزائها كابن وبنت فينوب الابنَ نحو الثلثين ثلاثة وثلاثين وثلث، وينوب البنت الثلث ستة عشر يمينًا وثلثا يمين، فقد صح 13 أن البنت ينوبها من اليمين المنكسرة أكثر كسرها فتحلفها هي دون الابن كما قال هنا، وقيل: يحلف كل واحد منهما يمينًا، وفي المقدمات: يحلفها أكثرهم نصيبًا من الأيمان 14، وهو الابن في الفرض المذكور.
وتارة تنكسر ويتساوى الورثة في الجزء المنكسر كثلاثة بنين أو أربعة فيحلف كل واحد يمينًا، وهو معنى قوله: (وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ) أي: وإن لم يكن الكسر أكثر بل كان الكسر مساويًا فيحلف كل واحد يمينًا، وقيل: بالقرعة.
قوله: (وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَهَا) أي: لو غاب أحد الورثة أو نكل وأراد غيره ان يحلف نصيبه من الأيمان ويأخذ ما ينوبه من الدية لم يكن له ذلك حتى يحلف جميع أيمان القسامة؛ إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميع أيمان القسامة 15.
قوله: (ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ) أي: فإذا وجبت الدية بأيمان من تقدم فمن حضر بعد ذلك حلف نصيبه من الأيمان وأخذ حصته من الدية، ولا يجتزئ بيمين من
الجزء: 5 - الصفحة: 305
حضر قبله ولو حلف الخمسين 16.
قوله: (وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ 17 حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ) أي: وإن نكل ورثة أو بعضهم عن القسامة ردت الأيمان على العاقلة فحلفوا كلهم.
ابن القاسم: ولو كانوا عشرة آلاف رجل فمن حلف لم يلزمه الغرم، ومن نكل لزمه ما يجب عليه والقاتل كرجل 18 منهم 19. ابن رشد: وهو أبين الأقاويل، وأصحها في النظر 20، وإليه أشار بقوله: (فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ).
وقال أيضًا ابن القاسم: يحلف من العاقلة خمسون رجلًا يمينًا يمينًا، فإن حلفوا برئوا هم والعاقلة، وإن حلف بعضهم برئوا ولزم بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا الخمسين.
وقال عبد الملك: إن نكلوا أو بعضهم فلا حق لمن نكل، ولا يمين على العاقلة، وعن مالك: إن اليمين يرجع على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء 21.
قوله: (وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِن رَجُلَيْنِ) قال ابن القاسم: وكأنها من ناحية الشهادة 22؛ أي: ولا يقبل فيها أقل من رجلين، ومثله عن أشهب، وعبد الملك، ولهذا لا يحلف النساء في العمد لعدم شهادتهن فيه 23.
قوله: (عَصَبَةً) أي: للقتيل وسواء ورثوا أم لا.
قوله: (وَإِلَّا فَمَوَالٍ) أي: فإن لم يكن عصبة من جهة النسب فالموالي؛ أي: الأعلون.
قوله: (وَللْوَلِيِّ الاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ) أي: فإن كان الولي واحدًا فله أن يستعين بواحد من عصبته؛ أي: ممن يلتقي معه في أب معروف يوارثه به.
الجزء: 5 - الصفحة: 306
قوله: (وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا) أي: إذا وجد الولي واحدًا من عصبته حلف كلّ واحد منهما خمسًا وعشرين يمينًا، وإن وجد أكثر قسمت الإيمان على عددهم، فإن رضي أحد المعينين أو جميعهم أن يحلف أكثر من نصيبه لَمْ يجز، وإن رضي الولي أن يحلف أكثر من نصيبه جاز، ما لَمْ يزد على نصف الإيمان.
قوله: (وَوُزِّعَتْ) أي: الأيمان على عدد المستحقين إن كانوا خمسين فأقل، فلو كان ولدان حلف كلّ واحد نصفها فإن طاوع أحدهما أن يحلف أكثر من نصيبه لَمْ يجز، وإن كانوا ثلاثة حلف كلّ واحد سبع عشرة يمينًا، وكذلك يوزعون الأيمان (1).
قوله: (وَاجْتُزِئَ بِاثْنينِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ) يريد: أن ولاة الدم إذا كانوا أكثر من اثنين فقال ابن القاسم: يجتزئ منهم باثنين بشرط أن يكونا متطوعين بذلك، وأن لا يكون ذلك نكولًا ممن لَمْ يحلف، ولأشهب وعبد الملك والمغيرة: لا بد من حلف الجميع، ولا يجتزئ بحلف البعض، وهو كالنكول ممن لَمْ يحلف (2).
(المتن)
وَنكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا اسْتِعَانَةَ.
وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ؛ بِخِلَافِ عَفْوِهِ، وَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ.
وَلَا يُنْظَرُ صَغِيرٌ، بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ إِلَّا أَلَّا يُوجَدَ غَيرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ، وَالصَّغِيرُ مَعَهُ.
وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا.
وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حُبِسَ، فَلَوْ قَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ.
فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوِ اسْتَهَلَّ.