قوله: (وَإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ) أي: شاهدا القتل، فإن قال أحدهما: قتل بحجر، وقال الآخر: بل 4 بسيف، فإن الحق يبطل لتعارضهما، ولا يبقى إلا مجرد الدعوى123
الجزء: 5 - الصفحة: 301
فليس للأولياء مع شهادة أحدهما أن يقسموا، وقاله في المدونة 5، وقال سحنون: هذا إذا ادعى الأولياء بشهادتهما جميعًا، وأما إذا ادعوا شهادة أحدهما أولًا ففيه القسامة 6.
قوله: (وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ) هذا هو المثال الرابع من أمثلة اللَّوْث، وهو أن يشهد العدل بمعاينة القتل فيقسم الولاة مع شهادته ويستحقون الدم، وإنما قال: (فَقَطْ) إشارة منه إلى أن غير العدل لا يكون لوثًا، وهو المشهور، وقاله في المدونة 7؛ لأن شهادة غير العدل ساقطة شرعًا 8، وعن مالك أن شهادته لوث، ومثله المرأة 9، ولم يختلف قوله 10 في الصبي والعبد والكافر أنه ليس بلوث.
قوله: (أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ، فِي دَمِهِ، والْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُهُ) هذا هو المثال الخامس، وهو أن يرى العدل القتيل يتشحط في دمه، والمتهم بالقتل واقف بالقرب منه، وعليه آثار القتل من التلطخ بالدم والمدية في يده ونحوه، وحكى ابن سهل أن العمل جارٍ عندهم أن هذا ليس بلوث 11.
قوله: (وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ) أي: ووجبت القسامة ولو تعدد اللوث، أي: كما إذا شهد شاهد بالقتل وقال المقتول: دمي عند فلان، ولا خلاف في ذلك، ونص عليه في المدونة 12 وغيرها.
قوله: (وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ) أي: وليس من اللوث وجود المقتول بقرية قوم أو دارهم، وهو مذهب مالك 13 وجماعة من الحجازيين، واختلف قول أصحابنا في كونه لوثًا في قصة "حويصة أو محيصة"، وهي وجود مسلم ببلد الكفار، وقال: ولا ينبغي أن يختلف في مثل ذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 302
قوله: (وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلا قَسَامَةٍ) أي: شهد على شخص أنه قتل شخصًا، ودخل في جماعة فلم يعرف من جملتهم فإن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا أنه لم يقتله فإن حلفوا كلهم فالدية عليهم، وكذلك إن نكلوا كلهم، فإن حلف البعض ونكل البعض فالدية على من نكل فقط بغير قسامة من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم في العتبية، وقال سحنون: لا شيء عليهم 14. وقيل: وهو الأقرب.
قوله: (وَإِنِ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى، ولَمْ يُعْلَمِ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ، أَوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلاتٌ) احترز بالبغاة من قتال الكفار ونحوهم، ومعنى كلامه: إذا اقتتل طائفتان من المسلمين لنائرة 15 أو عداوة، وقتل بينهما قتيل لا يعلم من قتله من الفريقين، فقيل: لا قسامة ولا قود مطلقًا، وهكذا وقع في المدونة 16، ورجع إليه ابن القاسم 17، وحملها بعضهم على هذا الظاهر.
ومراده بالإطلاق؛ أي: سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أو قام له بذلك شاهد أم لا، فسرها ابن القاسم في العتبية والمجموعة فقال معنى قول مالك: "لا قسامة" إذا لم يدع الميت دمه عند أحد ولا قام له بذلك شاهد وأما إذا ادعى ذلك أو قام له شاهد فالقسامة، وهو قول أشهب و 18 مطرف، وابن الماجشون وأصبغ 19، وقيل: معناها لا قسامة بالتدمية بخلاف الشاهد، وهذه التأويلات الثلاث على رواية المدونة، وفي الموطأ: العقل على كل فرقة للمصاب في الأخرى، فإن لم يكن منهما فالعقل عليهما 20؛ أي: على كل فرقة في أموالهم، وقاله مالك ومحمد 21.
الجزء: 5 - الصفحة: 303
قوله: (وإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ) يعني: أن جميع ما تقدم إنما هو إذا كانت الطائفتان باغيتين لنائرة (1) أو عصبية من غير تأويل، فإن تأولتا فإن دم من قتل منهم يكون هدرًا، فإن تأولت واحدة دون الأخرى فما قتل من الباغية فهدر، وقاله ابن القاسم (2)، وروي معناه عن مالك، وذهب أصبغ إلى أنه يقتص منه سواء تاب أو أخذ قبل التوبة (3). قوله: (كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ) أي: فإن دم مقتول (4) الزاحفة هدر، ودم الدافعة فيه القصاص (5).
(المتن)
وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا، وَإِنْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا، يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ وَاحِدًا أَوِ امْرَأَةً، وَجُبِرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَأَخُذُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَهَا، ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ.
وَإِنْ نَكَلُوا، أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ، فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ.
وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةٍ؛ وَإِلَّا فَمَوَالٍ.
وَلِلْوَلِيِّ الاِسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ؛ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا، وَوُزِّعَتْ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ.