قوله: (وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلِته كَعَكْسِهِ) أي: ولا يمضي 3 صلح الجاني على العاقلة؛ يريد: لأن العاقلة تدفع الدية 4 من أموالها ولا يرجعون بها عليه فلا يلزمه صلحه عليهم، كما لا يلزم الأجنبي ما صالح عليه غيره، وكذلك لا يلزم الجاني صلح العاقلة عنه إذا تعلقت الجناية بماله 5، وهو مراده بعكسه.
قوله: (فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ) أي: فإن عفا المجني عليه في الخطأ فهي وصية معتبرة من الثلث، وإن خرجت منه صحت، وإن زادت على الثلث وقف الزائد على إجازة الوارث.
قوله: (وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا) أي: فإن أوصى المجني عليه بوصايا فإنها تدخل في ثلث الدية، ولو كانت تلك الوصايا بعد سبب الدية وهو الجرح أو إنفاذ12
الجزء: 5 - الصفحة: 259
المقاتل وأحرى إذا كانت الوصية قبل ذلك، ولهذا حَسُنَ منه لفظ المبالغة، وأشار بقوله: (أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ) إلى أنه يدخل في ثلث الدية أيضًا من أوصى له بثلث ماله، وكذلك يدخل في ثلثها من أوصى له بشيء بعينه كحانوته أو داره أو دابته ونحو ذلك.
قوله: (إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ) وهو شرط فيما يوصي به قبل طريان سببها، و (مَا) من قوله: (مَا يُمْكِنُهُ) مصدرية؛ أي: إذا عاش مدة يكون فيها ثابت الذهن يمكنه تغيير الوصية فلم يغيرها، فإن لم يكن في تلك المدة ثابت الذهن بل عجز بمجرد الضرب أو الجرح 6؛ فإن الوصايا لا تدخل 7 فيها.
قوله: (بِخِلافِ الْعَمْدِ) أي: فلا مدخل للوصية فيه؛ إذ ليس بمال الميت، وإنما هو إذا قبلت الدية بعد موته مال طارئ 8 لورثته بعد الموت.
قوله: (إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَّةَ وَعَلِمَ) لما ذكر أن الوصية لا مدخل لها في العمد نبه على أن هذه المسألة ليست من ذلك، وأن الموصى له يدخل فيها، وذلك إذا أنفذ له مقتلًا من مقاتله، وبقي حيًّا يتكلم فيقبل أولاده الدية، وعلم بها، فيوصي فيها؛ لأنه مال علم به قبل خروج روحه، ونقله ابن المواز 9.
قوله: (وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ، فَمَاتَ، فَلأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ والْقَتْلُ، ورَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ) أي: وإن عفا المجني عليه عن جرحه أو صالح الجاني بمال أخذه منه ثم ترامى جرحه فمات؛ فإن أولياءه يخيرون في إمضاء العفو والصلح وفي نقض ذلك، ويرجعون إلى حقهم في النفس في العمد والدية في الخطأ بقسامة، فإذا نقضوا ذلك رجع الجاني فيما أخذ منه وليهم، وقال أشهب: إلا أن يقول: عفوت عن الجرح وعن ما ترامى إليه، فيكون عفوًا عن النفس 10.
قوله: (وَلِلْقَاتِلِ الاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ) أي: إذا ادعى أن ولي الدم عفا عنه وأنكر
الجزء: 5 - الصفحة: 260
ذلك فإن له تحليفه على ذلك على المشهور، وقال أشهب: لا يمين عليه لأنه لا 11 يكون في استحقاق الدم إلا خمسون يمينًا 12.
قوله: (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ) أي: فإن نكل ولي الدم ردت اليمين على القاتل فحلف يمينًا واحدة لا خمسين، وقاله ابن يونس، فإذا حلفها برئ كما قال، يريد: وإن لم يحلف قتل، وهو واضح.
قوله: (وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ) أي: إن القاتل إذا ادعى بينة غائبة على العفو تَلَوَّم له الإمام ونحوه في المدونة 13.
قوله: (وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا) أي: وقُتِل الجاني بالشيء الذي قتل به غيره إن بالسيف فبالسيف، أو بغيره فكذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وهو مقيد بمن لم يقتل بقسامة، فأما من قتل بها فليس إلا السيف، قاله ابن رشد 14، والمشهور أن من قتل بالنار فإنه يقتل بها خلافًا لعبد الملك 15.
قوله: (إِلا بِخَمْرٍ، ولِوَاطٍ، وسِحْرٍ، وَمَا يَطُولُ) أي: فإنه لا يُقْتَلُ بشيء من ذلك ولو قَتَلَ به.
عبد الوهاب: والصحيح من قول علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن يدخل في حد التعذيب؛ أي: بالتطويل فليُعْدَل إلى السيف 16، ومقابل الأصح هو ظاهر الإطلاقات.
قوله: (وَهَلْ وَالسُّمُّ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِي قَدْرهِ تَأْوِيلانِ) قال في المدونة: ومن سقى رجلًا
الجزء: 5 - الصفحة: 261
سمًّا فقتله فإنه يقتل بقدر ما يرى الإمام 17، فحملها ابن رشد في البيان على أنه يقتص منه به، ويكون رأي الإمام راجعًا إلى قلة السم وكثرته؛ لأن من الناس من يسرع موته باليسير، ومنهم من لا يسرع موته إلا بالكثير لاختلاف أمزجة الناس، قال: وهو ظاهر لفظ الإمام، وظاهر الواضحة 18، وتأولها ابن أبي زيد على خلاف هذا، وقال: يعني يجب له القود بغير السم 19، وإلى تأويل ابن رشد أشار بقوله: (يَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ) أي: الإمام، وإلى تأويل أبي محمد أشار بقوله: (وَهَلْ وَالسُّمُّ) أي: وكذلك كالخمر ونحوه.
قوله: (فَيُغَرَّقَ، ويُخْنَقَ، ويُحَجَّرَ) أي: فيقتص بالتغريق والخنق، وإن قتله بحجر قتل به، واشترط عبد الملك أن يكون الحجر مما يشدخ 20.
قوله: (وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ كَذِي عَصَوَيْنِ) يشير به إلى أنه لا يشترط في الضرب بالعصا ونحوه عدد الضربات بل لو ضربه بالعصا مرتين فمات فإنه يضرب بها إلى أن يموت، وقاله في المدونة 21، وقال ابن نافع عنه: وذلك إذا كانت الضربة تجهزه 22، وأما إن ضربه ضربات فلا 23، وحكى اللخمي القولين هكذا عن مالك وابن القاسم، وزاد في البيان 24: إذا كانت العصا تجهز بضربة واحدة 25 فله أن يقتص بها أو بالسيف 26.
قوله: (وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا) يريد: أن المستحق إذا طلب أن يقتص بالسيف 27 فإنه يمكن منه؛ لأنه الأحق غالبًا على المقتول، ولو اتفق أن يكون قَتَلَهُ
الجزء: 5 - الصفحة: 262
بأخفَّ (1) من السيف وطلب المستحق أن يقتص بالسيف لم يمكن (2) من ذلك، وقاله بعض الأشياخ وهو مخالف (3) لإطلاقه هنا.
قوله: (مُطْلَقًا) أي: سواء قتل بالسيف أو غيره أو سواء كان ذلك الغير مما يطول في مثله أم لا، وسواء أيضًا كان القتل بغير السيف في مدافعة ومضاربة أم لا (4).
قوله: (وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ، وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَتَهُ) يريد: أن ما دون النفس يندرج تحتها إن تعمد قطع الطرف وإن لغيره ولم يقصد (5) به المثلة، فإن قطع يد واحد وفقأ عين آخر، وقتل آخر فإنه يقتل ولا شيء عليه فيما عدا ذلك؛ لأن القتل يأتي عليه، فلو قطع يد واحد خطأ وقتل آخر عمدًا فإن دية اليد لا تسقط بل يجب ذلك على العاقلة، ثم يقتص منه للقتل، ولا خلاف فيه، ولو فعل ذلك قاصد المثلة فإنه يفعل ذلك به ثم يقتل.
قوله: (كَالأَصَابِعِ فِي الْيَدِ) أي: كما تندرج الأطراف في النفس كذلك تندرج الأصابع في اليد، فإذا قطع الأصابع عمدًا ثم قطع الكف عمدًا ولم يقصد المثلة بذلك فإنه يقطع من الكف (6)؛ لأن القطع منه يأتي على الأصابع (7)، وإن قصد المثلة فعل به ذلك، ونحوه كما تقدم.
(المتن)
وَدِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَوَلَدَا لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ.
وَرُبِّعَتْ فِي عَمَدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ.
وَثُلِّثَتْ فِي الأَبِ وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، كَجَرْحِهِ بِثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً بِلَا حَدِّ سِنٍّ، وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ.
وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ فَيُزَادُ بِنِسْبَةِ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ.
وَالْكِتَابِيُّ وَالْمُعَاهَدُ نِصْفُهُ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرْتَدُّ28293031323334
الجزء: 5 - الصفحة: 263
ثُلُثُ خُمُسٍ.
وَأُنْثَى كُلٍّ نِصْفِهِ؛ وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ.