قوله: (وَالاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ) أي: استيفاء القصاص في النفس للعاصب، فيخرج الزوج والأخ للأم، ومراده بالعاصب الذكر، وهو ظاهر من كلامه، وأشار بقوله: (كَالْوَلاءِ) إلى أن الاستيفاء إنما يكون للأقرب فالأقرب، ولهذا قال في البيان: إن ترتيبهم بالقيام بالدم كترتيبهم في ميراث الولاء والصلاة على الجنائز، وفي النكاح لا يستثنى 1 من ذلك على مذهب ابن القاسم إلا الجد مع الإخوة فإنه بمنزلتهم في العفو عن الدم والقيام به 2، وإليه أشار بقوله: (إِلا الْجدَّ والإِخْوَةَ فَسِيَّانِ).
قال في المدونة: فإن كانوا 3 عشرة إخوة وجدًّا حلف الجد ثلث الأيمان 4، وإليه أشار بقوله: (وَيَحْلِفُ الثُّلُث).
واختلف هل كلامه في المدونة محمول 5 على العموم في الخطأ والعمد وإليه ذهب.
ابن رشد: أو إنما ذلك في الخطأ، وأما في العمد فتقسم الأيمان على عددهم 6، قاله بعض أشياخ 7 عبد الحق 8، وإلى هذا أشار بقوله 9: (وهَلْ إِلَّا فِي الْعَمْدِ فكَأَخٍ؟ تَأَوِيلانِ)؛ أي: على المدونة.
قوله: (وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ) أي: فإن بعدت غيبته لم ينتظر ولمن 10 حضر
الجزء: 5 - الصفحة: 248
القتل، ولم يقيد الغيبة في المدونة بل قال: ينتظر وأطلق 11، فقال ابن يونس: إلا في البعيد الغيبة فلمن حضر القتل، ونقله محمد عن ابن القاسم، وفرق سحنون بين بعيد الغيبة وقريبها 12.
قوله: (ومُغْمًى، ومُبَرْسَمٌ) أي: وكذلك ينتظر المغمى عليه والمبرسم 13 لقصر مدة مرضهما في الغالب.
قوله: (لَا مُطْبَقٌ) يعني لا مجنون مطبق؛ أي: فإنه لا ينتظر لأن إفاقته لا تعلم، وفهم من قوله: (مُطْبَقٌ) أنه ينتظر إن لم يكن مطبقًا كما لو كان يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا.
قوله: (وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ) يشير به 14 إلى ما وقع في المدونة: أن المستحق لو لم يكن إلا واحدًا كبيرًا وهذا الصغير، فإن الكبير يحلف نصف الأيمان 15 خمسًا وعشرين يمينًا، ويستأنى بالصبي حتى يبلغ فيحلف بقية الخمسين، ويستحق الدم، وأما إن كان فيهم اثنان من الكبار فصاعدًا فلهم أن يقسموا ويقتلوا، ولا ينتظر الصغير لعدم ثبوت توقيف القتل على بلوغه 16، وحكي عن ابن القاسم 17 انتظاره، ولم يقيده بما ذكرنا، وقال عبد الملك: ينتظر كالغائب وأطلق، وقال سحنون: إن كان قريبًا من البلوغ انتظر وإلا فلا 18.
قوله: (وَللنِّسَاء إِنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ) أي: وكذلك تكون ولاية الاستيفاء أيضًا للنساء بشرطين، الأول: كونهن ممن يرثن احترازًا من العمات وشبههن؛ فإنهن لا يدخلن في ولاية الاستيفاء 19.
الجزء: 5 - الصفحة: 249
الثاني: ألا يساويهن عاصب، واحترز به مما إذا كان في درجتهن عاصب كالبنت 20 مع الابن والأخوات مع الأخ؛ إذ لا دخول لهن في عفو، ولا في 21 قود باتفاق 22، وبقي عليه شرط وهو أن يكنَّ ممن لو كان في درجتهن ذكر ورث 23 بالتعصيب احترازًا 24 من الإخوة للأم، فإذا توفرت هذه الشروط دخلن النساء على أشهر الروايتين 25 عن مالك، اللخمي: وهو المعروف، وحكى ابن القصار عن مالك أنهن لا يدخلن جملة.
قوله: (وَلكُلٍّ الْقَتْلُ، ولا عَفْوَ إِلا بِاجْتِماعِهِن) يريد: أن النساء مع غير المساوي لهن من العصبة في ولاية الاستيفاء سواء لكل واحد 26 منهم أن يقوم بالدم ويكون أولى من غيره، ولا يتم العفو إلا باجتماعهم، وقاله في المدونة 27، وقال ابن القاسم في العتبية: إن ثبت الدم ببينة فكذلك، وإن ثبت بقسامة فلا حق للنساء في عفو ولا قيام 28، ولمالك من رواية ابن الماجشون ومطرف: إن ثبت ببينة فهنَّ 29 أولى بالعفو، وإلا فلا عفو إلا باجتماعهم، ومن قام بالدم فهو أولى 30.
وأشار بقوله: (كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ) إلي أن العصبة غير الوارثين إذا ثبت الدم بقسامة يكون حكمهم مساويًا لحكم النساء اللاتي حزن الميراث في ولاية الاستيفاء كما تقدم، فمن قام بالدم كان أولى من غيره، ولا عفو إلا باجتماعهم، وهو مذهب المدونة، وفي العتبية عن مالك أن العصبة غير الوارثين 31 أحق بالقيام
الجزء: 5 - الصفحة: 250
والعفو 32، واحترز بقوله: (وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ) مما إذا ثبت ببينة، فإن العصبة غير الوارثين 33 لا حق لهم، ولا خلاف فيه.
قوله: (وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثهِ) يريد: أن من مات 34، وله حق في ولاية الاستيفاء، فإن وارثه يقوم مقامه، فإن كان أحق من 35 غيره في العفو والقتل فوارثه كذلك، وإن لم يكن له حق في العفو كالبنت مع الابن فوارثها مثلها لا حق له إلا في المال إن عفا الابن، بخلاف ما لو كانت أخت 36 مع بنت، فإنها تكون مساوية لها في القصاص والعفو وورثتها كذلك.
قوله: (وَللصَّغِير -إِنْ عَفَا الْكَبِيرُ- نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ) أي: دية عمد 37. يريد: أن الكبير من المستحقين الدم 38 إذا عفا عن القاتل، ومعه صبي 39 صغير؛ فإنه يكون له نصيبه من الدية؛ أي 40: دية عمد، حتى إنهم لو صالحوا على دية الخطأ أو أقل منها لم يلزم ذلك الصغير.
قوله: (وَلوَليَّهِ النَّظَرُ في الْقَتْلِ، أَوِ الدِّيَةِ كَامِلَةً) أي: فإن لم يكن مع الصغير كبير، فإن وليه ينظر في القتل وأخذ الدية كاملة فأيهما شاء فعل، وليس له أن يصالح بأقل عند ابن القاسم إن كان القاتل مليًّا 41، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لِعُسْرٍ فيجُوزُ بِأَقَل)، وقال أشهب: يجوز وإن كان ملئًا.
وقيده ابن رشد بما إذا لم يتهم فيه بمحاباة لقاتله 42.
الجزء: 5 - الصفحة: 251
وأشار بقوله: (كَقَطْعِ يَدٍ إِلَّا لِعُسْرٍ) إلي أن (1) الولي كما يجوز له النظر فيما ورثه الصغير من دم وغيره، فكذلك يجوز له أن ينظر في الجناية الكائنة في بدنه ما دام حيًّا، أما لو قتل الصغير فإن الحق ينتقل لوارثه (2) دون الوصي لأنه انعزل بموته (3)، وإليه أشار بقوله: (بِخِلافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ)، وإنما قال: (لعاصبه) (4)، ولم يقل لوارثه تنبيهًا على أن القتل لا يقوم به في ولاية الاستيفاء إلا العاصب (5)، وأن الزوجة لا مدخل لها في ذلك، وحكم النساء هنا حكمهن (6) فيما تقدم.
(المتن)
وَالأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ فِي عَبْدِهِ وَيَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ.
بأَجُر على الْمُسْتَحِقّ، وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَلِيّ، وَنُهِيَ عَنِ الْعَبَثِ.
وَأُخِّرَ لِحَرٍّ وَبَرْدٍ كَالْبُرْءِ، كَدِيَةِ خَطَأٍ وَلَوْ كَجَائِفَةٍ.
وَالْحَامِلُ، وَإِنْ بِجُرْحٍ مَخُوفٍ لا بِدَعْوَاهَا وَحُبِسَتْ، كَالْحَدِّ، وَالْمُرْضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ، وَالْمُوَالاةُ فِي الأَطْرَافِ كَحَدَّيْنِ لِلهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا، وَبُدِئَ بِأشَدِّهما لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، لا بِدُخُولِ الْحَرَمِ.
وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي، وَالْبِنْتُ أَوْلَى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ وَضِدِّهِ.
وَإِنَّ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِمَا، وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ عَمْدًا، كَإِرْثِهِ، وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ، وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ بِأَقَل أَوْ أكثَرَ.
وَالْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ.