قوله: (وَمَا بَعْدَ المُوضِحَةِ مِنْ مُنَقِّلَةٍ أَطَارَتْ فِرَاشَ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَآمَّةٍ أَفْضَتْ للدِّمَاغِ، ودَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطتَهُ) أي: وكذلك لا قصاص في هذه الجراح لعظم خطرها، ويصار فيها إلي العقل، والمراد بالمنقلة هنا التي في الرأس، وأما التي في الجسد ففيها القصاص، ولم يذكر هنا الهاشمة، وهي التي تهشم العظم؛ لأنها لا بد أن تصير منقلة، خلافًا لأشهب، ولهذا قال: إن الواجب فيها القصاص إلا أن تصير منقلة 2، والمنقلة بكسر القاف وفتحها، وهي التي يطير معها فراش العظم، قال في الرسالة: ولم تصل إلى الدماغ، فإن وصلت إليه فهي المأمومة 3، ولهذا قال هنا: (وَآمَّةٍ أَفْضَتْ للدِّمَاغِ) 4، ويقال: آمة ومأمومة، فإن خرطت خريطة الدماغ سميت دامغة بالغين المعجمة، وبعضهم فسر المأمومة بما فسر به هنا الدامغة.
ابن عبد السلام: والأظهر أنهما مترادفان أو كالمترادفين 5، وما ذكره من نفي1
الجزء: 5 - الصفحة: 241
القصاص في المنقلة هو قول مالك 6، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب 7، وروى القاضي عبد الوهاب القصاص فيها 8. قوله: (كَلَطْمَةٍ) أي: لا قصاص فيها، وهو مذهب المدونة 9، والفرق بينهما وبين ضربة السوط عسير، كما تقدم 10. قوله: (وَشُفْرِ عَيْنٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالخطَإِ إِلا فِي الأَدَبِ) أي: وكذا لا قصاص في هذه الأشياء الثلاثة، لأنها ليست من الجراح، فلا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ومراده: إذا زال الشعر دون الجلد، واللحم، ومعناه إذا نبت، وأما إن 11 لم ينبت فيه الشعر ففيه حكومة، ولهذا استوى عمده وخطؤه إلا في الأدب المتعمد 12، وقال أصبغ وأشهب فيه وفي إزالة شعر الرأس 13 القصاص 14. قوله: (وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخطَرُ فِي غيرهَا كَعَظْم الصَّدْرِ، وفِيهَا: أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنثيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ) هذا معطوف على قوله: (وَإِلَّا فَالْعَقلُ) وإنما كرر أداة الاستثناء خشية توهم عطفه على ما قبله، على أنه لو قال: وكذلك إن عظم الخطر في غيره أو نحوه لكان أحسن، والضمير في (غيرها) عائد على الجراح التي هي المنقلة والمأمومة والدامغة، والضمير المجرور بـ (في) عائد على المدونة، وفاعل (أخاف) إما مالك أو ابن القاسم 15، وقد وقع ذلك في بعض النسخ 16، وإنما لم يكن في هذه الأشياء قصاص لأنها من المتالف، فلو فعلنا بالجاني ذلك بأن يكسر عظم صدره كما فعل بالمجني عليه،
الجزء: 5 - الصفحة: 242
فربما أدى إلى إهلاكه، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: يقتص من كل جرح، وإن كان متلفًا إلا ما خصصه الحديث من المأمومة والجائفة.
قوله: (وَإِنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ، وَإِلا فَدِيَة مَا لَمْ يَذْهَبْ) أراد بـ (كبصرٍ) السمع والشم والذوق ونحو ذلك، ومراده أن زوال ذلك إذا حصل بسبب جرح من الجراح التي فيها القصاص مع العمد كما لو ضربه مثلًا فأوضحه فذهب بسبب ذلك شيء من هذه الأمور، فإنه يقتص منه مثل 17 الموضحة، فإن ذهب من الجاني مثل ما ذهب من المجني عليه أو زاد فلا كلام، وإن لم يذهب وجب 18 ذلك المعنى للمجني عليه.
قوله: (وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإلَّا فَالْعَقْلُ) أي: وإن ذهب بصره بأن ضرب شخص غيره ضربة عمدًا أذهب معها بصره والعين قائمة لم تنخسف 19، فإن كان يستطاع القود منه على هذه الصورة أقيد، وإلا فالعقل، وقاله في المدونة 20.
قوله: (كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ) أي: فيفرق فيها بين ما يستطاع القود فيه على ما فعل الجاني وإلا فالعقل، قال في المدونة: ومن ضرب يد رجل أو رجله فشلت فإن كان عمدًا ضرب مثلها قصاصًا، فإن شلت يده وإلا فالعقل في ماله دون العاقلة 21، أشهب: وهذا إذا كانت الضربة يجري فيها القود، وأما إن ضربه 22 في رأسه فشلت يده فلا قود فيه وعليه دية اليد 23.
قوله: (وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَماوِيٍّ، أوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ 24، فَلا
الجزء: 5 - الصفحة: 243
شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) يريد: أن من قطع يد رجل عمدًا فلم يقتص منه حتى قطع يد القاطع بآفات سماوية أو سرق فقطعت يده 25، أو جنى على أحد فقَطَعَ يده عمدًا فاقتص منه الثاني، فإن الأول لا شيء له، لأن حقه إنما هو في القصاص، فلما تعذر محله 26 بطل حقه.
قوله: (وَإِنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ مِنَ المرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحشَفَةِ) في كلامه حذف تقديره: فإن قَطَعَ أقطعُ الكفِّ اليمني 27 يمين رجل من المرفق أو قطع مقطوعُ الحشفة ذكرَ رجلٍ مع حشفته 28، فإن المجني عليه يخير بين القصاص وأخذ الدية.
قوله: (وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ) يريد: أن من كانت يده ناقصة بأن ذهب منها أصبع بجناية أو غيرها فقطع يدًا كاملة لغيره فإنه يقتص له منه، ولا يزول القصاص عنه بذلك، وقاله في المدونة وغيرها 29، واختلف هل يكون للمجني عليه عوض ذلك الأصبع أو لا، والمشهور أنه لا شيء له، ولهذا قال هنا: (بِلَا غُرْمٍ) وقيل: له ذلك، والقولان لمالك 30.
قوله: (وَخُيِّرَ إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ فِيهِ وَفِي الدِّيَةِ) أي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع في القصاص وفي أخذ الدية من غير قصاص، وقال أشهب وعبد الملك: ليس له إلا العقل 31، وفي العتبية ثالث 32: أن يده تلك تقطع ويكون عليه عقل ما نقص 33.
الجزء: 5 - الصفحة: 244
(المتن)
وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِي عَلَيهِ فَالْقَوَدُ وَلَوْ إبْهَامًا لا أَكْثَرَ، وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ وَإِنْ رَضِيَا.
وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ كِبَرٍ.
وَلِجُدَرِيّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَبحِسَابِهِ.
وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ فَلَهُ الْقَوَدَ، أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ فَقَأ أَعْوَرُ مِنْ سَالِمٍ مُمَاثِلَتَهُ فَلَهُ الْقِصَاصُ، أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ، وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ، وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَيِ السَّالِمِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فَنَبَتَتْ فَالْقَوَدُ، وَفِي الْخَطَأ كَدِيَةِ كَالْخَطَأ.