(إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ، وَإِنْ رَقَّ، غَيْرُ حَرْبيٍّ) هذا الباب يعبر عنه بعض الشيوخ بباب أحكام الدماء والحدود كما في الرسالة 1، ومنهم من يقول باب الجراح ونحو ذلك، والمراد بالمكلَّف هنا البالغ العاقل، فيشمل الحر والعبد، ولهذا قال: (وَإِنْ رَقَّ)؛ لأنه يقتص منه كالحر، وكذلك السكران؛ لأنه مكلف 2، ويخرج الصبي والجنون، لأنهما لا يقتص منهما لرفع القلم عنهما 3. ونبه بقوله: (غَيْرُ حَرْبِيٍّ) على أن الحربي إذا أتلف شيئًا من المعصومات لا يؤاخذ به إذا أسلم وقدم بأمان إلى أرض الإسلام 4، ولهذا قال ابن شاس: شرط القاتل 5 أن يكون ملتزمًا للأحكام 6 فلا يقتص من صبي ولا مجنون ولا حربي ويجب على الذمي والسكران 7.
الجزء: 5 - الصفحة: 220
قوله: (وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ) أي: على المقتول، فلا يقتص من حر لعبد، يريد: وهما متساويان في الدين، وإلا فلو تميز القاتل بالحرية والمقتول بالإسلام لاقتص له 8 منه على المشهور.
قوله: (وَإِسْلامٍ) أي: وألا يكون القاتل زائدًا على المقتول بالإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر، يريد: ولو كان المقتول متميزًا عن القاتل بالحرية.
قوله: (حِينَ الْقَتْلِ) هو جار على مذهب ابن القاسم في مسألة إسلام القاتل والمقتول، أو تحريرهما بين الرمية والإصابة، ، بيانه لو رمي عبدٌ عبدًا ثم عَتَق الرامي ثم أصابه، أو كافر كافرًا ثم أسلم ثم أصابه فلا قصاص على الرامي لزيادة في الحرية والإسلام حين الإصابة، وكذلك لو أُعتق الضارب أو أسلم بين الجرح والموت.
وقوله: (حين القتل) يريد: أو سببه وهو الرمي [ ...... ] 9 الإصابة أو الجرح والمسبب عنه الموت، فلو رمى حرٌّ عبدًا عمدًا ثم عتق ثم أصابه، أو مسلم ذميًّا ثم أسلم ثم أصابه، فلا قصاص لزيادة الحرية والإسلام حين السبب، ولهذا أشار ابن الحاجب بقوله: (فأما القصاص فبالحالتين معًا) 10 أي: فيشترط دوام التكافؤ من حصول السبب إلى حصول المسبب اتفاقًا، فلو لم يتساويا حين السبب أو المسبب فلا قصاص كما مر.
ولو رمى عبدٌ حرًّا عمدًا ثم عتق ثم [ ... ] 11 ثم أسلم ثم أصابه فالقصاص، لأن كلا منهما حال السبب أدنى [ ... ] 12 الأدنى بالأعلى وحال المسبب يتكافئان، وأما الواجب فيما [ ... ] 13 القصاص فيه من المثل، فالواجب على الأول قيمة عبد وعلى الثاني دية كافر وعلى الثالث دية حر، وعلى الرابع دية مسلم، على قول ابن القاسم = عقد الجواهر الثمينة 3/ 1095 و 1096.
الجزء: 5 - الصفحة: 221
القائل: المعتبر في الضمان حال الإصابة والموت، لا على قول أشهب القائل: حال الرمي والجرح 14.
قوله: (إِلا لِغِيلَةٍ) أي: فلا يراعى فيها زيادة حرية ولا إسلام، لأن القتل فيها لأجل الفساد، ولهذا لو عفا ولي الدم لم يقبل منه ذلك، ومثل الغِيلَة في ذلك الحرابة.
قوله: (مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ والإِصَابة) يريد: أنه يشترط في المجني عليه أن يكون معصومًا إلى حين إتلافه أو إصابته، فلو زالت عصمته قبل ذلك فلا قصاص.
ثم نبه على أن العصمة تكون بأمرين: الإيمان والأمان، وإليهما أشار بقوله: (بِإِيمانٍ أَوْ أَمَانٍ)، فأما الإيمان فلقوله عليه الصلاة والسلام: (أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ 15 "، وغالب عبارات الأشياخ عن هذا بالإسلام، وهو قريب.
وأما الأمان فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] وإذا كانت العصمة تثبت بالأمان فلأن تثبت بضرب الجزية أولى، لهذا اكتفى عنها بما ذكر هنا 16.
قوله: (كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِق) يعني: أن العصمة أيضًا تثبت للقاتل من غير المستحق لدمه، ولهذا لو قتله أجنبي لكان دمه لأولياء المقتول الأول على ما سيأتي، وأما إن قتله المستحق لدمه، فلا قصاص عليه، وإنما عليه الأدب فقط لافتياته على الإمام، ولهذا قال: (وأُدِّبَ).
قوله: (كَمُرْتَدٍّ، وزَانٍ أُحْصِنَ، ويدِ سَارِقٍ) يريد: أن من استوفى منهم أو من واحد منهم فعليه الأدب، وقاله في الجواهر 17.
قوله: (فَالْقَوَدُ) هو جواب عن قوله: (إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ) إلى آخره، وأشار بقوله: (مُتَعَيِّنًا) إلى قول ابن القاسم: أنه لا يجوز العفو لأخذ الدية، وإنما هو عفو أو قود، وهو
الجزء: 5 - الصفحة: 222
المشهور، ورواه ابن القاسم 18 عن مالك، وقال أشهب: له أن يعفو ليأخذ الدية 19.
قوله: (وَلَوْ قَالَ إِنْ قتَلْتَني أَبْرَأْتكَ) أي: فإنه لا يبرأ إن قتله وعليه القود؛ لأن المقتول قبل القتل لا حق له، وبعده 20 فالحق للولي إن شاء قتل وإن شاء عفا، ابن يونس 21: وأما إذا قال له 22: اقطع يدي ففعل فإنما عليه العقوبة.
قوله: (وَلَا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلقًا) قد تقدم أن الواجب عند ابن القاسم في العمد القود أو العفو لا غير، وليس لولي الدم تركه وأخذ الدية خلافًا لأشهب، ورواه عن مالك، واختاره جماعة من المتأخرين، فعلى قول ابن القاسم؛ إذا عفا الولي عن القاتل فليس له مطالبته بعد ذلك بدية المقتول 23، وسواء قال: عفوت عن القصاص أو أطلق في ذلك 24. واستغنى الشيخ عن قوله: عفوت عن القصاص بقوله: (مُطْلقًا)؛ لأنه إذا لم يمكن من المطالبة بالدية مع العفو المطلق، فلأن لا يمكن منها إذا قال عفوت عن القصاص من باب أولى، وفيه نظر لا يخفى.
قوله: (إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إِرَادَتُهَا فيحْلِفُ، وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إنِ امْتَنَعَ) وفي المدونة: إلا أن يتبين 25، وهو أقوى من لفظ يظهر، والمعنى: أن ولي الدم إذا عفا فلا شيء له، إلا أن تظهر أمارة قوية تدل على أنه ما عفا إلا لأخذ الدية، فإنه يحلف حينئذٍ على ذلك ويبقى على حقه في القصاص إذا امتنع القاتل من دفع الدية.
قوله: (كَعَفْوِهِ عَنِ الْعَبْدِ) يريد: أن العبد إذا عفا عنه ولي الدم، وقال: إنما عفوت عنه لآخذ الدية أو لآخذ قيمته فإنه لا شيء له، إلا أن يتبين 26 أنه أراد ذلك فيحلف حينئذٍ،
الجزء: 5 - الصفحة: 223
ويخير بعد ذلك سيد العبد في دفع رقبة 27 العبد، أو قيمة العبد المقتول 28، أو الدية إن كان المقتول حرًّا.
قوله: (وَاسْتَحَقَّ وَلِيٌّ دَمَ مَنْ قتَلَ الْقَاتِلَ، أوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ كَدِيَةِ خَطَإٍ، فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُّ الثَّانِي فَلَهُ) قال في المدونة: ومن قتل رجلًا عمدًا 29 فعدا عليه أجنبي عمدًا فقتله فدمه لأولياء المقتول الأول، ويقال لأولياء المقتول آخرًا: أرضوا أولياء المقتول أولًا وشأنكم بقاتل وليكم في القتل أو العفو، فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه، ولهم أن لا 30 يرضوا بما بذل لهم من الدية أو أكثر منها 31، وقاله في الجواهر، وقال: وروى ابن عبد الحكم أنه لا دية لأولياء المقتول الأول، ولا قود، والأول هو المشهور، ولو كان قتل الثاني خطأ لكان الخلاف في الدية كالخلاف في القود، وحكم اليد والعين حكم النفس في ذلك 32، وإلى ذلك كله أشار بقوله: (أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ كَدِيَةِ خَطَإٍ).
قوله: (فَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، ولَوْ مِنَ الْوَليِّ بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ فَلَهُ الْقَوَدُ) أي: إذا فقأ أجنبي عين القاتل عمدًا أو خطأ أو قطع يده كذلك فله أن يقتص من الفاعل به 33، ذلك في العمد، وله أن يعفو عنه، وله أخذ الدية في الخطأ، ولا مقال لولي الدم في ذلك، وإنما له سلطان على من أذهب نفس القاتل كما تقدم.
ابن شاس: وكذا لو أسلم إلي ولي المقتول ليقتله فقطع رَجُلٌ يده قبل القتل فإن له القود فيها 34، وله العفو لا للولي، ويقتل هو بمن قتل، ثم قال: وإن كان ولي الدم هو القاطع ففي المجموعة من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه يقتص منه كالأجنبي 35، كما
الجزء: 5 - الصفحة: 224
أشار إليه هنا.
وروى أصبغ أنه لا يقاد من الأولياء؛ لأن النفس كلها كانت لهم (1).
قوله: (وَقُتِلَ الأَدْنَى بِالأَعْلى كَحُرٍّ كتَابيٍّ بعَبْدٍ مُسْلِمٍ) لما قدم أن القصاص مشروط بألا يكون القاتل زائدًا على المقتول بحرية أَو إسلام، نبه على أن العكس لا يمنع من ذلك وأن من كان ناقصًا عن المقتول باعتبار الإسلام أو الحرية فإنه يقتل، فلهذا يقتل (2) الحر الكتابي بالعبد المسلم؛ لأن حرمة الإسلام لا توازيها حرية الكافر، وذهب سحنون إلى أن الحر الكتابي لا يقتل بالعبد المسلم وهو أحد قولي ابن القاسم (3).
(المتن)
وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ: مِنْ كِتَابِي، وَمَجُوسِي، وَمُؤَمَّنٍ، كَذَوِي الرّقِّ، وَذَكَرٍ، وَصَحِيحٍ، وَضِدّهِمَا، وإنْ قَتَلَ عَبْدٌ عمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَليُّ، فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا وَلوْ بِقَضِيبٍ.
كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، وَمُثَقَّلٍ.
وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا، وَكَطرْحِ غَيْرِ مُحْسِنٍ الْعَوْمِ عَدَاوَةً.
وَإِلَّا فَدِيَةٌ، وَكَحَفْرِ بِئْرٍ وَإِنْ بِبَيتِهِ، أَوْ وَضْعِ مُزْلِقٍ، أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ أَوِ اتِّخَاذِ كَلْب عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ قَصْدَ للضَّرَرِ، وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ، وَكَالإِكْرَاهِ، ، وَتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ، وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ، وَكَإِشَارَتِهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ، وَطَلَبَهُ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ، وَإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَاٌ، وَكَالإمْسَاكِ لِلْقَتْلِ.