قوله (إِلا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا) أي: إلا ان يكون المشهود ببنوته عبدًا فيُقضَى بحريته وثبوت نسبه فإنهما إذا رجعا بعد ذلك يغرمان للسيد قيمة عبده الذي صيراه ابنا له 1 أولًا، ثم أخذ يفرع على 2 هذا فقال (ثُمَّ إِنْ مَاتَ وترَكَ آخَرَ فَالْقِيمَةُ لِلآخَرِ، وغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي) أي: فإن مات الأب وترك مع هذا المشهود له بالبنوة 3 ولدًا آخر ثابت النسب فإن تلك القيمة التي أخذها الأب من الشاهدين 4 تدفع للولد الثابت النسب أو مقدارها من التركة، لأن الولد المشهود له بالبنوة 5 مقر أن أباه قد ظلم فيها الشهود وأنه لا حق له فيها لصحة نسبه على دعواه 6، وأنه لا ميراث له فيها، ويقتسمان ما عداها من التركة، فيما خص الولد المشهود له يغرمان مثله 7 للابن الأول بما أتلفاه عليه، وإلى هذا أشار بقوله: (وغرم له نصف الباقي) أي: للابن الثابت النسب والباقي، أي بعد أخذ القيمة 8، = تركة الرجل غرما جميع ما أتلفاه ببيت).
الجزء: 5 - الصفحة: 190
قال محمد: وإنما جعلنا القيمة 9 للابن الأول خاصة 10، لأنا لو قسمناها بينهما لرجع الشاهدان على المستحق 11 المشهود له فيما أخذ منها، فيأخذانه منه 12 لأنه مقر أن أباه لا رجوع له عليهما لصحة نسبه عنده، فإذا أخذ ذلك منه قام عليهما الابن الأول الثابت النسب 13 وأخذه منهما لأنه يقول: لو بقي ذلك بيد المشهود له لوجب لي عليكما الرجوع بمثله، لأن عليكما أن تغرما كل ما أخذه 14 من التركة 15، ثم قال محمد: ولو طرأ على الميت بعد ذلك دين مائة دينار لرجل فإنه يأخذ من كل واحد من الولدين نصفها، فإن عجز عن ذلك فإن الدين الذي هو المائة يكمل من تلك القيمة التي انفرد بها الأول الثابت النسب ويرجع الشاهدان على الثابت النسب بمثل الدين الذي غرمه المشهود له بالبنوة، لأنه كان أخذه منهما عوضًا عما أخذه المشهود له من تركة أبيه، والآن قد تبين أنه صرف في الدين المقدم على الميراث فلم يتلفا عليه شيئًا بشهادتهما 16، وإليه أشار الشيخ بقوله 17: (وإن ظَهَرَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أُخِذ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ، = التركة يغرم الشاهد أن مثله للابن الثابت النسب)، وقوله: (بما أتلفاه عليه، وإلى هذا أشار بقوله: (وغرم له نصف الباقي) أي: للابن الثابت النسب والباقي تعمد، أي أخذ القيمة) ساقط من (ن).
الجزء: 5 - الصفحة: 191
ورَجَعَا عَلى الأَوَّلِ بِما غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ) أي: فإن كانت المسألة بحالها لكن ظهر على الميت دين مستغرق لجميع التركة فإنه يؤخذ من كل واحد من الولدين النصف الذي أخذه من التركة، ويكمل الدين من تلك القيمة التي انفرد بها الابن الأول، وقد تقدم.
ثم قال محمد: ولو لم يكن للميت غير الولد المشهود به، وقد ترك مائتين مائة أخذ من الشاهد ومائة من كسبه، فليس للمشهود له إلا مائة الكسب فقط، والأخرى للعصبة أو بيت المال، ويغرم الشاهدان مائة للعصبة أو بيت المال إذ لولا شهادتهما لأخذ العصبة أو بيت المال مائتين، ولو طرأ على الميت دين مائة أخذت من المشهود له دون العصبة أو بيت المال فيرجع الشاهدان على العصبة أو بيت المال بالمائة التي دفعاها لهما ثانيا 18.
قوله: (وإِنْ كَانَ بِرِقٍّ حُرٍّ فَلا غُرْمَ، إِلا لِكُلِّ مَا اسْتُعْمِلَ، ومَالٍ انْتُزِعَ، ولا يَأْخُذُهُ المَشْهُودُ لَهُ، ووُرِثَ عَنْهُ، ولَهُ عَطِيَّتُهُ، لا تَزَوُّجٌ) أي: فإن شهد على رجل أنه عبد لفلان، وهو 19 يدعي الحرية فقضي عليه بالرق، ثم رجعا فلا قيمة عليهما في الرقبة، ولكن يغرمان للعبد على زعمهما 20 كل ما استعمله فيه 21 سيده، وكل خراج أداه إليه من عمله، وفي الجواهر قال محمد بن عبد الحكم: وإذا شهد على رجل أنه عبد لفلان، وهو يدعي الحرية فقضي عليه بالرق، ثم رجعا فلا قيمة عليهما في الرقبة، ولكنهما يلزمان للعبد كلما استعمله فيه سيده، وكل خراج أداه إليه من عمله وإن كان له مال فانتزعه، فهذا كله يلزم الشهود 22، ثم ليس لمن قضي له بملكه أن يأخذ ذلك منه ثانية 23؛ لأنه
الجزء: 5 - الصفحة: 192
إنما هو عوض عما أخذاه 24 منه، ولو مات المشهود به وذلك في يده لم يأخذه السيد، بل يوقف حتى يستحق ذلك مستحق يرثه بالحرية، ولو أعتق منه العبد قبل موته عبدًا لجاز، وكان ولاؤه 25 لمن كان يرث عنه الولاء ولو كان حرًّا ويرث العبد إن مات ومعتقه حي، فإن أوصى منه العبد كان ذلك في الثلث منه، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك، ويرث باقيه ورثته إن كان له من يرثه لو كان حرًّا، وليس للعبد أن يتزوج منه لأن النكاح ينقص رقبته ويعيبها 26، انتهى، وإليه أشار الشيخ بما ذكرا 27.
قوله: (وإنْ كَانَ بِمائَةٍ لِزَيْدِ وَعَمْرٍو، ثُمَّ قَالا لِزَيْدٍ غَرِمَا خَمْسِينَ لعمرو فقط 28) أي: وإن كان إنما شهد 29 بمائة دينار لزيد وعمرو ثم رجعا عن شهادتهما وقالا المائة كلها لزيد فإنهما يغرمان خمسين لعمرو 30 خاصة.
معناه: وتدفع المائة 31 لزيد، وهذا إذا لم يكن المشهود عليه دفع ذلك، وأما إن دفعه فإنهما يغرمان له خمسين أيضًا؛ لأنهما أقرا على أنفسهما أنهما أخرجاها من يده إلى من لا حق له فيها، وهو عمرو 32.
قوله: (وإنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ) أي: وإن رجع أحد الشاهدين، يريد: بعد قضاء القاضي بالحق للمشهود له فإنه يغرم 33 نصف الحق الذي أتلفه لزيد المشهود له ثانيًا 34.
الجزء: 5 - الصفحة: 193
قوله: (كَرَجُلٍ مَعَ نِسَاءٍ) يريد: أن النساء وإن كثرن كرجل واحد، وإذا رجع الرجل وحده كان عليه نصف الحق لأنه معادل لمن معه من النساء، ولهذا إذا رجع الجميع كان على الرجل النصف.
قوله: (وَهُوَ مَعَهُنَّ فِي الرِّضَاعِ كَاثْنتَيْنِ) أي: والرجل مع جماعة النساء في الغرامة كاثنتين من النساء، فيلزمه ما يلزم امرأتين، فيما تجوز فيه شهادتهن 35 أي: إذا كانت الشهادة برضاع امرأة مع رجل والنكاح منعقد 36 بينهما فإنهم إذا رجعوا كان على الرجل مثل 37 غرامة اثنتين من النساء، وفرضها ابن شاس 38 فيما إذا شهد على الرضاع رجل وعشر نسوة، ثم رجع الجميع بعد الحكم، ثم قال: فعلى الرجل 39 سدس ما يجب من الغرامة ما أتلفت الشهادة 40، وعلى كل امرأة نصف سدس، ولو رجع الكل إلا امرأتين لم يجب غرم 41 على القول باعتبار بقاء 42 من يستقل به الحكم و 43 الحق، ولو رجعوا إلا واحدة وزع نصف الحق على جميع من رجع 44، انظر الكبير.
قوله: (وعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ) أي: فإن رجع أحد الشاهدين عن بعض ما شهدا به، فإنه يغرم نصف البعض المرجوع عنه، قال محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهد به لغرم ربع الحق، وإن رجع عن الثلث غرم السدس 45، وهو معنى قوله (وعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ) 46.
الجزء: 5 - الصفحة: 194
قوله: (وإنْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلا غُرْمَ) أي: كما إذا شهد ثلاثة بحق ثم رجع واحد منهم، فإنه لا يغرم شيئًا لاستقلال الحكم بمن بقي، وقاله ابن عبد الحكم (1). قوله: (فَإِذَا رَجَعَ غيرُهُ فَالجْمِيعُ) أي: فإن الجميع داخلون في الغرامة الأولى مع من رجع ثانيًا، وقال محمد بن عبد الحكم: بل يغرم الأول ثلث الحق (2)، وله في ثلاثة شهدوا بثلاثين دينارًا، فقضي بها ثم رجع أحدهم عن الثلاثين، ورجع آخر عن عشرين منها، ورجع الثالث عن عشرة منها فعشرة على الجميع يغرمونها أثلاثًا، وعشرة لا يغرم أحد منها شيئًا لاستقلال ثبوتها بشاهدين على القول بأن الراجع لا يغرم إذا بقي ممن شهد معه من يثبت الحق (3)، وتبقى عشرة على الأولين منها خمسة بينهما نصفين ولا شيء على الثالث منهما (4).
(المتن)
وَللْمَقْضِي عَلَيهِ مُطَالَبَتُهُمَا بِالدَّفْعِ لِلْمَقْضِي لَهُ، وَلِلْمَقْضِي لَهُ ذَلِكَ إِذَا تَعَذَّرَ مِنَ الْمَقْضِيّ علَيهِ، وإنْ أَمْكَنَ جَمْع بَينَ الْبَيِّنَتَيْنِ جُمِعَ، وَإِلَّا رُجِّحَ بِسَبَبِ مِلْكٍ كَنَسْجٍ، وَنَتَاجٍ إِلَّا بِمِلْكٍ مِنَ الْمَقَاسِمِ، أَوْ تَارِيخٍ أَوْ تَقَدُّمِهِ، وِبمَزِيدِ عَدَالَةٍ لا عَدَدٍ، وَبشَاهِدَيْنِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِين، أَوِ امْرَأَتَينِ، وَبيَدٍ كأن لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةُ تقَابِلُهُ فَيَحْلِفُ، وَبالْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ، وَبنَقْلٍ عَلى مُسْتَصْحِبَةٍ.
وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ.
وَعَدَمِ مُنَارعٍ، وَحَوْزٍ طَالَ كَعَشْرَةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّهُ لَم يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الأَخِيرِ، لا بِالإشتِرَاءِ، وإنْ شُهِدَ بِإقْرَارٍ اسْتُصْحِبَ.