قوله: (وجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ بِلا يَمِينٍ) أي: وجازت الشهادة على خط مقر.
ابن المواز، ولا خلاف بين مالك وأصحابه فيما أعلم فيه إلا ما روي عن ابن عبد الحكم، قال: ولا تجوز شهادة على الخط، وأطلق 1، وإن شهد على الخط شاهدان فصاعدًا فلا يمين 2.
وفي الجلاب في ذلك روايتان، قال: وإذا حكم بالشاهد 3 على الخط 4 فهل في ذلك 5 يمين أم لا؟ في ذلك روايتان إحداهما أنه يحكم 6 له بمجرد الشهادة على الخط، والثانية: أنه لا يحكم له بذلك 7 حتى يحلف معها 8.
قوله: (وخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ، أَوْ غَابَ ببُعْدٍ) أي: وجازت الشهادة أيضًا على خط الشاهد الميت أو الغائب، وقد اضطرب الأَشياخ في نقل أهل 9 المذهب في إعمالها، ففي
الجزء: 5 - الصفحة: 149
البيان لم يختلف قول مالك في الأمهات المشهورة في إعمالها وإجازتها، وروي عنه أنها لا تجوز، وإليه ذهب محمد، وقيل: إن 10 غاية خطه كلفظه، وهو لو سمعه بنص شهادته لم يجز له نقلها عنه، وصوبه ابن رشد إلا في الأحباس، فإن العمل جرى على إجازتها 11 في الأحباس ونحوها مما هو حق لله تعالى، وما ليس بحد 12. ونحوه لابن أبي زمنين 13، وقال 14 الباجي مشهور قول مالك أنها لا تجوز على خط الشاهد، وروى ابن القاسم وابن وهب إجازتها، وقاله سحنون 15. واحترز بقوله: (بِبُعْدٍ) من الغيبة القريبة فإنها لا يشهد فيها على خطه مع ذلك، واختلف في الغيبة البعيدة، فقال عبد الملك: قدر ما تقصر فيه الصلاة، وقيل: مثل مصر من إفريقية أو مكة من العراق، ولم يحدها سحنون 16. قوله: (وإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِما) أي: في الشهادة على خط المقر والشهادة على خط 17 الميت أو الغائب، وقد سبق كلام ابن رشد وابن أبي زمنين، وما ذكره في هذه المسألة 18 في خط المقر 19 هو ظاهر كلام محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع على ما حكاه ابن سهل 20، فإنه قال: الأصل في الشهادة على الخطوط من قول مالك، وأكثر أصحابه أنها تجوز في الحقوق وفي الطلاق والعتاق والأحباس وغيرها، ومعنى الشهادة على الخط في الطلاق إذا كان على خط نفسه أن يشهد على خط 21 نفسه 22 بأنه طلق
الجزء: 5 - الصفحة: 150
زوجته 23 مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه بأنه طلق زوجته 24 أو يكتب لزوجته بذلك فيشهد لها على خطه، وعن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا يجوز ذلك في طلاق ولا عتاق، ولا حد ولا كتاب قاض إلى قاض بل في الأموال فقط 25.
قوله: (إِنْ عَرَفَتْهُ كَالْمُعَيَّنِ) يريد: أنه لا يشهد على خط الشاهد الميت أو الغائب إلا من يعرف خطه معرفة لا شك فيها حتى يصير عنده كالشيء المعين، ووقع في كتاب القرويين أن الشهادة في ذلك إنما هي على العلم.
قوله: (وأنَّه كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ) أي: ويكون الشاهد على الخط يعرف أن الشاهد الميت كان يعرف من أشهده على نفسه، فلو لم يعرف الشاهد على الخط في ذلك؛ لم يجز له أن يشهد على خطه عند ابن زرب 26، وقال غيره يجوز 27.
قوله: (وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا) أي: وإن لم يسم 28 وأن الشاهد تحمل الشهادة حالة كونه عدلًا، يريد: ولم يزل على ذلك حتى مات هكذا قال مالك رَحِمَهُ اللهُ.
قوله: (لا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا، وأَدَّى بِلا نَفْعٍ) الذي رجع إليه مالك أن الشاهد لا يشهد على خط نفسه وإن عرفه حتى يذكر الشهادة ويوقن بها 29، ولكن يؤديها كما علم، ولا ينتفع الطلاب 30، وقاله كذلك في المدونة 31، وكان مالك يقول: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة 32 ولا شيئًا منها وليس في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد بها، وإن كان الرق مطلسًا 33 أو مغسولا أو فيه محو فلا يشهد، وبه أخذ مطرف وعبد
الجزء: 5 - الصفحة: 151
الملك والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب 34 وابن حبيب وسحنون وقال 35 مطرف: وعليه إجماع الناس 36.
وقيد بعضهم المحو بما إذا لم يعتذر 37 عنه في الوثيقة، وأما إن اعتذر عنه فيها 38 فلا يضر، وظاهر قوله: حتى يذكرها أنه لو ذكر بعضها يؤديها ولا تنفع الطالب على المشهور عندهم، وظاهر ما نقله ابن شاس من رواية مطرف عن مالك أنه يؤديها وتنفعه 39، وإذا فرمحنا على القول الذي رجع إليه مالك، فعنه أنه يؤديها على وجهها فيقول أن كتابًا يشبه كتابي وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي بيدي، ولا أني كتبتها 40 بخطي 41، ويحكي ذلك كله على وجهه، ولا يقضي بها الحاكم 42، وقال ابن القاسم: يقول هذه شهادتي بيدي، ولا أذكرها ولا تنفعه، وقال محمد: لا يرفعها 43 أصلًا، وعلى قول مالك: المرجوع عنه فإنه يؤديها، ولا يذكر للقاضي حاله، ابن شاس: قالوا: وإن قالها فلا يقبلها وكأنه تبرأ من هذا 44، وروى ابن وهب القبول إذا ذكر الشاهد حاله، وحصل في ابن رشد 45 في هذه المسألة خمسة أقوال: يؤديها ويحكم بها، ولا يؤديها فضلا على أن يحكم بها 46، ويؤديها ولا يحكم بها.
الرابع: إن كانت في رق أداها، لا إن كانت في كاغد، وقيده بكون الشهادة في باطن
الجزء: 5 - الصفحة: 152
الرق لا إن كانت في ظاهره، لأن اللبس 47 يخفى في الظاهر.
والخامس: إن كان ذكر الحق والشهادة بخطه أداها، وإن لم يكن بخطه إلا الشهادة فلا يؤديها 48.
قوله: (ولا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُ، إِلا بعَيْنِهِ) أي: وكذا لا يشهد الشاهد 49 على من لا يعرفه إلا على شخصه، وهو مراده بعينه، ومراده بعدم معرفته، أي: لا يعرف نسبه.
مالك: وأحب إلي ألا يشهد على من لا يعرف، فإن عرفه بعضهم ففيه بعض السعة، أي لأنه أمن 50 بمعرفته بعضهم من أن يتسمى بغير اسمه، وأما الذي لم يعرفه أحد فيكره له أن يوقع 51 شهادته عليه مخافة أن يتسمى بغير اسمه، وقاله مطرف وابن الماجشون وأصبغ 52، انظر: الكبير.
قوله: (ولا يُسَجِّلُ عَلَى مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلانٍ) ظاهره ان لم يثبت البينة أنها ابنة فلان، وفي الجواهر إذا شهدت بينة على عين امرأة بدين زعمت أنها بنت زيد؛ لم يجز 53 للقاضي أن يسجل 54 علي بنت زيد حتى يثبت بالبينة أنها بنت زيد كذا في الجواهر 55، يريد: وكذلك لا يشهد الشهود أنها بنت زيد إلا بعد الثبوت 56، لاحتمال أن تكون قد انتسبت إلى غير نسبتها 57.
قوله: (ولا عَلَى مُنْتقِبَةٍ لتتعين للأداء) أي: وكذا لا يشهد على امرأة منتقبة 58 حتى
الجزء: 5 - الصفحة: 153
تكشف عن 59 وجهها ليعَينَها عند الأَدَاءِ ويميزها من أمثالها بالإشهاد والمعرفة التامة، وقاله ابن شاس وغيره، فإن عرفها اثنان فلا يشهد عليها غيرهما، بل على شهادتهما أن فلانة أقرت وذلك عند تعذر الأداء منها 60، وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك 61.
ابن رشد في البيان 62: والذي أقول به أنه إن أتاه المشهود له بهذين الشاهدين يشهد عليهما بمعرفتها 63، فلا يشهد إلا عليهما، وإن كان سأل الشاهدين الشهادة فأخبراه بها؛ فليشهد عليها لا عليهما، ثم قال 64: وكذلك لو سأل عن ذلك رجلًا يثق به أو لفيف النساء 65 لجاز له أن يشهد عليها إذا حصل عنده العلم بذلك 66.
قوله: (وإن قالوا: أشهدتنا منتقبة، وكَذَلِكَ: نَعْرِفُهُا.
قُلِّدُوا) أي: وإن قال الشهود: إن امرأة قد أشهدتنا منتقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب، فإنهم يقلدون في ذلك، ابن سحنون: إن كانوا عدولا يعينوها 67 ويقطع بشهادتهم، ثم قال: ولو شهدوا
الجزء: 5 - الصفحة: 154
عليها بإقرار أو نكاح أو 68 وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها، فقالوا: أشهدنا عليها على معرفة منا بعينها ونسيناها، ولا ندري هل نعرفها اليوم أم لا، وقد تتغير حالتها عما كانت عليه يوم الشهادة، أو قالوا: لا نكلف ذلك أو لا يلزمنا، فإنه لا بد أن يخرجوا عينها 69، وإليه أشار بقوله: (وعَلَيْهِمْ إِخْرَاجُهَا إِنْ قيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا).
قوله: (وجَازَ الأَدَاءُ، إِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ، وإِنْ بِامْرَأَةٍ) قد تقدم ذلك عن ابن رشد فوق هذا 70، يريد: ويجوز له أن يشهد على المرأة إذا حصل له العلم بإخبار من أخبره، وإن كانت المرأة 71، لأن أخبارها قد تحف به 72 تقويها.
قوله: (لا بِشَاهِدَيْنِ إِلا نَقْلًا) قد تقدم عنه أيضًا أنه قول ابن القاسم 73، أي: لم يحصل العلم بهما، فلا يشهد إلا على شهادتهما، وهو معنى قوله: (إِلا نَقْلًا) وقاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، وروي عن ابن نافعِ أنه يشهد 74.
قوله: (وجَازَتْ بِسَماعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وغيْرِهِمْ) أي: وجازت الشهادة على السماع الفاشي من الثقات وغيرهم، ابن شاس: وهي أن يقول الشهود سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدول وغيرهم، وقال محمد: يقولون: إنا لم نزل نسمع الثقات كذا، وقال مطرف وعبد الملك: يقولون سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل فقط، ولا يجوز من غيرهم من سامع أو مسموع منه، ولا يسمون من سمعوا منه 75، فإن سموا كان ذلك نقل الشهادة لا شهادة سماع 76، ولهذا قال بعضهم: لا بد أن يكون عن العدول و 77 غيرهم لأن
الجزء: 5 - الصفحة: 155
قصر السماع عن العدول يخرجه إلى نقل الشهادة من العينين.
قوله: (بِمِلْكٍ لِحائِزٍ مُتَصَرِّفِ طَوِيلًا) يريد: أن شهادة السماع تجوز بالملك، أي: في الأملاك، وما ذكر معها، ابن شاس: وإنما يشهد بالملك إذا طالت الحيازة، وكان يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه (1) من الهدم وغيره، ولا ينازعه فيه أحد، ولا تكفي شهادتهم أنه يحوزها حتى يقولوا أنه حازها (2) لحقه، أنها له ملك (3)، واشترط بعضهم في قبولها (4) أن يستفيض الخبر، والحديث بكون هذا الشيء ملكا لمن هو في يده، ومن الناس (5) من لم يشترطه.
(المتن)
وَقُدِّمَتْ بَيِّنَة الْمِلْكِ، إِلَّا بِسَمَاعٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ وَوَقْفٍ، وَمَوْتٍ بِبُعْدٍ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ، بِلَا رِيبَةٍ.
وَحَلَفَ، وَشَهِدَ اثْنَانِ كَعَزْلٍ، وَجَرْحٍ، وَكُفْرٍ، وفسق، وَنِكَاحٍ، وَضِدِّهَا، وَإِنْ بِخُلْعٍ، وَضَرَرِ زَوْجٍ، وَهِبَةٍ، وَوَصِيَّةٍ، وَوِلَادَةٍ وَحِرَابَةٍ، وَإِبَاقٍ، وَعُدْمٍ، وَأَسْرٍ وَعِتْقٍ، وَلَوْثٍ.
وَالتَّحَمُّلُ إِنِ افْتُقِرَ إِلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَتَعَيَّنَ الأَدَاءُ مِنْ كَبَرِيدَيْنِ، وَعَلَى ثَالِثٍ إِنْ لَمْ يُجْتَزْ بِهِمَا، وَإِنِ انْتَفَعَ فَجَرْحٌ، إِلَّا رُكُوبَهُ لِعُسْرِ مَشْيِهِ، وَعَدَمِ دَابَّتِهِ؛ لَا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِدَابَّةٍ، أَوْ نَفَقَةٍ.
وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ، لَا نِكَاحٍ.
فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ، وَإِنْ طَالَ دُيِّنَ.