قوله: (وزَوَالُ الْعَدَاو والْفِسْقِ، مما يغلب 2 عَلَى الظَّنِّ بِلا حَدٍّ) يريد: ان المعتبر في زوال العداوة والفسق ما يغلب 3 على الظرريأن ما كان عنده من ذلك قد ذهب بقرائن تدل على ذلك مثل أن يصطلحا، ويطول الأمد وهما على الصحبة، واختلف إذا لم يطل الزمان هل تزول بذلك العداوة، ويقبل أحدهما على الآخر، وهو قوله في الموازية 4 أو لا، وهو قول ابن الماجشون، ونقله اللخمي والمازري وغيرهما 5.
قوله: (بِلا حَدٍّ) أي: لا تحديد في ذلك بزوال الفسق، يريد 6: لأن زوال الفسق قد يظهر عن قرب، وقد يظهر عن بعد لاختلاف حال الظان والمظنون في الفطنة والغرر 7، وقيل: لا بد من سنة، وقيل: ستة أشهر.
قوله: (ومَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ ولَمْ يجرح شَاهِدًا عَلَيْهِ) يريد: أن من امتنعت بشهادته له لشخص من ذوي قرابته المانعة من شهادته مثلًا 8، ونحوها فإنه لا يجوز له أن يزكي من شهد له، ولا أن يجرح من شهد عليه؛ لأنه في المعنى كشهادته له، لأنه في الأولى قد جر له منفعة، وفي الثانية: دفع عنه مضرة.1
الجزء: 5 - الصفحة: 137
قوله: (ومَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ) أي: كالعدو ونحوه (فَالْعَكْسُ) أي: من مسألة القريب كما أن القريب لا يزكي شاهد قريبه، فكذلك العدو، ولا يجرح شاهد عدوه، وكما أن القريب لا يجرح من شهد على قريبه، فكذلك العدو لا يزكي من شهد على عدوه وهو واضح.
قوله: (إِلا الصِّبْيَانَ) أي: فإن شهادتهم لا يشترط فيها ما يشترط في شهادة البالغين، ولا انتفاء جميع الموانع السابقة، نعم قد يعتبر 9 بعض الشروط، وانتفاء بعض الموانع على ما ستقف عليه، فالمشهور جواز شهادتهم بعضهم على بعض في القتل والجراح، وهو قول مالك، ومنعها مطرف 10 وابن عبد الحكم على خلاف عن مطرف سيأتي.
قوله: (لا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ) أي: فإن شهادة بعضهن على بعض غير مقبولة وهو الأصح، وقيل: تقبل، والفرق بينها وبين ما قبلها على المشهور 11 أن اجتماع الصبيان مندوب إليه لتعليمهم الرمي والثقاف والصراع 12 والكر والفر وغير ذلك مما يدربهم على حمل السلاح بخلاف اجتماع النساء، واجتماعهن في الحمام والمآتم 13، كاجتماعهن في العرس.
قوله: (في جَرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ) أي: إلا الصبيان، فإنه تقبل شهادة بعضهم على بعض في الجراحات والقتل فقط وهو قول ابن القاسم وهو المشهور 14، وقال أشهب تقبل في الجراح دون القتل وعلى الأول فقال غير واحد من أصحاب مالك لا تجوز حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولًا 15، وإن في 16 قبلت لشدة مخالطة بعضهم بعضًا مع الندب الذي تميز الصبيان على إمساك السلاح، وذلك مظنة الجراح، فلو لم تقبل شهادتهم
الجزء: 5 - الصفحة: 138
لأهدرت دماؤهم 17.
قوله: (وَالشَّاهِدُ حُرٌّ) هذا شروع منه رَحِمَهُ اللهُ فيما يشترط في شهادة الصبيان، وهو ظاهر لأن كبار العبيد لا تقبل شهادتهم، فأحرى صغارهم وهو المعروف.
وحكى عبد الوهاب في شرح الرسالة لبعض الأصحاب عدم اشتراط الحرية.
قوله: (مُمَيِّزٌ) أي: فإن غير المميز لا يثبت على ما يعاينهُ من الأمور، ولا تنضبط له الأحوال، ولا يحرص على 18 ما يصدر منه من الأقوال.
قوله: (ذَكَرٌ) أي: فلا تقبل في ذلك شهادة الإناث وهو المشهور، وبه قال مالك وابن القاسم في المدونة 19، وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون مثله 20، ولم يشترط ذلك المغيرة، وهو ظاهر 21 أحد قولي ابن القاسم 22.
قوله: (تَعَدَّدَ) أي: اثنان فصاعدًا قياسًا على الكبير، فلا تجوز شهادة واحد منهم على انفراده عند مالك وابن القاسم، ولا قسامة معه 23، وقال ابن نافع 24: يقسم بشهادتة في العمد 25.
قوله: (لَيْسَ بِعَدُوٍّ، ولا قَرِيبٍ) كذا قال ابن القاسم واختاره جماعة لما علم من ميلهم في العادة إلى القريب ومجانبة العدو والبغض له، ونقل ابن يونس جوازها عن ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 139
المواز، وقال عبد الملك: تمنع بالقرابة فقط 26.
قوله: (ولا خِلافَ بَيْنَهُمْ) ظاهره كانا 27 اثنين فأكثر، ولا إشكال فيما إذا كانا اثنين لعدم كمال النصاب، وأما إذا كانوا جماعة فلا بد من تقييد الخلاف بما تبطل به 28 شهادة الكبار، كأن شهد اثنان 29 منهم أن فلانًا شجه فلان، قال آخرون 30: بل فلان لغيره، والبطلان فيه لمالك 31، انظر: الكبير.
قوله: (وفُرْقَة إِلا أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا) أي: وكذا يشترط في جواز شهادتهم عدم تفرقهم لأن ذلك مظنة تخبيبهم وتعليمهم 32 إلا أن يشهد عليهم العدول قبل الفرقة، فإن ذلك لا يضر.
قوله: (ولَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ) أي: رجل أو امرأة، وعن سحنون في أحد قوليه عدم بطلانها 33 فإن كان الكبير كافرًا أو عبدًا أو فاسقًا فقولان حكاهما ابن حبيب 34.
قوله: (أَوْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ 35) أي: وكذا يشترط في شهادة الصبي أن لا يشهد لكبير ولا عليه فلو شهد لصغير على كبير أو لكبير على صغير بقتل أو جرح لم تقبل خلافًا لمطرف وابن الماجشون 36، وقال ابن المواز تقبل على صغير أنه قتل كبيرًا بخلاف العكس 37.
الجزء: 5 - الصفحة: 140
قوله: (وَلا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ، ولا تَجْرِيحُهُمْ) أي: سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، لأن الظاهر أن الذي شهدوا به (1) أولا هو الواقع دون الثاني، نعم لو بلغوا وعدلوا (2) ثم رجعوا قبل الحكم فيها (3)، فإن رجوعهم يقبل، قاله في الموازية (4).
(المتن)
وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ بِوَقْتٍ وَرُؤيا اتَّحَدَا.
وَفُرِّقُوا فَقَطْ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا، وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ، وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أُخِذَتْ؟ وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ -كَعِتْقٍ، وَرِجْعَةٍ، وَكِتَابَةٍ- عَدْلَانِ، وَإِلَّا فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ كَأَجَلٍ، وَخِيَارٍ، وَشُفْعَةٍ، وَإِجَارَةٍ، وَجَرْحِ خَطَإٍ أَوْ مَالٍ، وَأَدَاءِ كِتَابَةٍ وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ، أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ، وَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًاء، وَقِصَاصٍ فِي جَرْحٍ.