ثم أشار إلى الوجه الثاني وهو الحرص على أداء الشهادة بقوله: (أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي محض حَقِّ الآدَمِيِّ، وفي محض حَقِّ اللهِ تعالى تَجِبُ الْمُبادَرَةُ بالإِمْكَانِ، إِنِ اسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَعِتْقٍ وطَلاقٍ ورِضَاعٍ ووَقْفِ وإِلا خُير كَالزِّنَا) وحاصل مَا ذكره في هذا الوجه أن الحقوق ثلاثة أنواع: الأول: أن يتمحض الحق للآدمي، كشهادته عليه بدين ونحوه، فلا يؤديها قبل، السؤال، فإن فعل كان ذلك قادحًا فيما قاله 2 سحنون: لا يكون ذلك جرحة إلا في حق الله تعالى، وقيل هو 3 جرحة في الشهادة نفسها لا يصلح له أداؤها،1
الجزء: 5 - الصفحة: 124
قاله في الإكمال 4.
الثاني: أن يكون الحق لله وهو 5 مما يستدام فيه التحريم فتقبل فيه الشهادة مع المبادرة إلى الأداء 6؛ إذ تجب المبادرة 7 بها، وتأخير القيام بها من غير عذر جرحة كمن شهد على غيره بعتق عبده أو أمته أو بطلاقه أو مخالعته لزوجته أو أنه رضع معها أو وقف وقفًا.
قال ابن شاس: معناه 8 على غير معينين 9، وكذا شهادته بالعفو عن القصاص وشبه ذلك، ووقع لأشهب أن الشهادة لا تبطل بعدم المبادرة كان الحق مما يستدام فيه التحريم أم لا 10.
وأشار بقوله: (وإِلا خُيِّرَ كَالزِّنَا) إلى النوع الثالث، وهو أن يكون الحق أيضًا لله تعالى إلا أنه لا يستدام فيه التحريم؛ لكون المعصية قد انقضت كالزنى وشرب الخمر، ولا يجب الرفع بها، يريد: إلا أن يكون المشهود عليه مشهورًا بالفسق مجاهرًا به، فالرفع أولى.
قوله: (بِخِلافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، كَالْمُخْتَفِي) أشار بهذا إلى 11 الوجه الثالث، وهو الحرص على تحمل الشهادة، وأما الحرص على التحمل فإنه لا يضر ولا يقدح 12، مثل: أن يجلس مختفيًا في زاوية أو نحوها قصدًا لتحمل الشهادة على المقر من غير أن
الجزء: 5 - الصفحة: 125
يشهده 13 على نفسه ب في أقر به، والمشهور أن ذلك غير قادح به، وبه قال أشهب وعيسى بن دينار، وعامة أصحاب مالك، وعن مالك أيضًا أنه لا يشهد حتى يقول المشهود عليه: اشهد علي 14. قوله: (ولا إِنِ اسْتُبْعِدَ كَبَدَوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ) هذا هو المانع السادس وهو الاستبعاد لتطرق التهمة من جهة الشهود في الشهادة، ومخالفة العادة كشهادة البدوي على القروي، وهكذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقبل شهادة البدوي على القروي"، وفي رواية: "على صاحب القرية"، اللخمي والمازري: والحديث مقيد ومقتصر 15 على موضع تحقق فيه 16 التهمة، قالا 17: وذلك إذا كتب خطه في الوثيقة أو الصداق 18 وهما في الحضر وعدولهما عن شهادة 19 الشهود الحاضرين المبرزين للشهادة في مثل ذلك 20 إلى شهادة 21 غيرهم ريبة، قالا 22: فأما لو قال: مرا بي فسمعتهما يتقارران أو كانوا في سفر 23 فلا تهمة تقتضي الرد 24. وإلى هذا أشار بقوله 25: (إِنْ سَمِعَهُ، أَوْ مَرَّ بِهِ) ابن وهب: اختلف في شهادة
الجزء: 5 - الصفحة: 126
الحضري على البدوي 26، فرأى 27 قوم أنها لا تجوز، وأنا أرى أنها جائزة إلا أن يدخلها ما دخل شهادة البدوي على الحضري 28 من التهمة والظنة 29.
قوله: (ولا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ) لما كانت هذه المسألة مناسبة لما قبلها ذيلها 30 بها، لأنَّ المانع فيها أيضًا الاستبعاد؛ لأن العادة لم تجر في الغالب بإشهاد هؤلاء وترك الأغنياء المشهورين 31، ونحوه للمازري 32.
واحترز بالكثير من اليسير فإنها تقبل فيه وقاله في المدونة 33، وأشار اللخمي إلى أنه ينبغي أن يتقيد 34 بما إذا قصد الإشهاد، وأما لو قال: مررت بهما يتنازعان 35 فأقر له بكذا، فإنها تقبل كالفرع الأول.
قوله: (بِخِلافِ مَنْ لَمْ يَسْألْ) أي: فإن شهادته مقبولة، بعض القرويين: وكذلك من لم يسأل، لكنه إن أُعطي؛ قَبِل، أو كَان سائلًا للإمام، يريد: أو كان يسأل الأعيان أو الأغنياء فقط أو الرجل 36 الشريف، ولهذا قال: (بخلاف من لم يسأل أو يسأل الأعيان)، ولا فرق هنا بين القليل والكثير، وهو الصحيح، وقال ابن كنانة: لا يقبل في الكثير 37 كالخمسمائة دينار 38.
قوله: (ولا إِنْ جَرَّ بِهَا نَفْعًا كَعَلَى مُوَرِّثهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا، أوْ قَتْلِ الْعَمْدِ) هذا هو المانع
الجزء: 5 - الصفحة: 127
السابع من موانع قبول الشهادة، وهو أن يجر بشهادته نفع نفسه كشهادته على موروثه المحصن أنه زنى أو أنه قتل رجلا عمدًا، لأنه يتهم أن يريد 39 بذلك قتله ليأخذ ميراثه فلا تقبل شهادته، واحترز بالمحصن من البكر وبالعمد من الخطأ، فإنه لا يتهم في ذلك.
قوله: (إِلا الْفَقِيرَ) أي: إلا أن يكون الموروث فقيرًا فلا ترد 40 شهادته عليه لانتفاء التهمة، وقاله أشهب في الولد يشهد على أبيه الفقير بالزنى وهو محصن، ويرجم الأب، وحمله ابن رشد على أنه ممن يعذر بجهل في شهادته عليه بذلك، وأما إن لم يجهل ولم يعذر 41 فلا تقبل شهادته عليه 42، لأنه عاق، وعن ابن اللباد 43 عدم قبول الشهادة، وإن كان الأب فقيرًا لأنه يتهم بإسقاط نفقته الواجبة عليه وهو إنما يكون في الأب والأم فقط، ولا يتهم إلا إذا كان الأب عاجزًا عن الكسب، وقال ابن لبابة: شهادته بما يقتضي قتله جائزة وإن كان مليًّا، قال: ولا يتهم العدو بأخذ الميراث ولا بطرح النفقة 44، ابن رشد: وله 45 وجه في المبرز 46.
قوله: (أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلائه) مثل أن يشهد أن أباه أعتق فلانًا، وهو ممن يتهم بكونه يريد بذلك أن يجر ولاءه لنفسه، وقيد ذلك في المدونة بأن يكون العبد ممن يرغب في ولائه، وأن يكون في الورئة من لا حق له في الولاء كالبنت والزوجة 47، وأن تكون التهمة حاصلة الآن بكونه لو مات الآن ورثه.
قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدينِهِ) أي: لأن رب الدين إذا شهد لمديانه بدين أو بمال فإنه 48
الجزء: 5 - الصفحة: 128
يتهم أن يقصد بذلك قبضه منه 49، فلا تقبل شهادته له 50، فإن شهد له بغير مال؛ جاز، قاله غير واحد من الأشياخ، وأجاز أشهب شهادته له مطلقًا، ولو كان المديان معدمًا، وأشار بعضهم إلى التفرقة فقال 51: إن كان المديان معدمًا فلا تقبل وإلا قبلت 52.
قوله: (بخِلافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ) أي: فإن شهادته لمن هو في نفقته جائزة، وقاله ابن حبيب 53 خلافًا لبعض القروين إذا كان من أقاربه 54 كالأخ ونحوه 55 فإن شهد من هو في نفقة شخص للمنفق عليه 56 ففي المدونة لا يجوز ذلك 57؛ لأنه يتهم أنه متى لم يشهد له ترك نفقته.
قوله: (وشَهَادَةِ كُلٍّ لِلآخَرِ وإن 58 بِالْمَجْلِسِ) أي: وبخلاف شهادة كل واحد من الشاهدين لصاحبه وإن في مجلس واحد فإنها جائزة 59، يريد: سواء كان المشهود عليه بالحق واحدًا أم لا؟ وهو المشهور، وقاله بعضهم 60، وقيل: لا تجوز، وإليه رجع سحنون 61، وقال مطرف وابن الماجشون: إن شهد بعضهم لبعض في مجلس واحد
الجزء: 5 - الصفحة: 129
على رجل واحد 62؛ لم يجز، وإن كان شيئًا بعد شيء، وإن 63 تقارب ما بين الشهادتين؛ جازت، وكذلك إن كان على رجلين؛ جاز أيضًا، وسواء كان في مجلس أو مجلسين 64، ورأى اللخمي أنها ترد كانت في مجلس أو مجلسين على رجل أو رجلين بلفظ أو كتابة للتهمة على اشهدْ لي وأشهدُ لك، قال: إلا أن يطول ما بينهما 65. قوله: (والْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ لا المجلوبون 66 إِلا كَعِشْرِينَ) هكذا قال في كتاب الحرابة من المدونة وأن 67 المحارب تجوز عليه شهادة من حاربه، وزاد إن كانوا عدولًا، قال: إذ لا سبيل إلى غير ذلك سواء 68 شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وإنما يشهد بعضهم لبعض كما أشار إليه الشيخ 69. وأما المجلوبون 70 فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يكونوا عشرين فأكثر، وأباه سحنون في العشرين، ابن سهل: الفرق بين مسألة المحاربين وهذه، أن هؤلاء 71 تدركهم حمية البلد، فلذلك ردت شهادتهم 72. قوله: (ولا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ ولِغَيْرهِ بِوَصِيَّةٍ) الباء في قوله: (بِوَصِيَّةٍ) للظرفية، والمعنى: أن شهادة من شهد لنفسه ولغيره في وصية لا تجوز بشرط أن يكون ما شهد به
الجزء: 5 - الصفحة: 130
لنفسه كثيرًا، إلا أنه يتهم وترد له ولغيره على المشهور، وفي الجلاب رواية بالجواز لغيره فقط 73.
قوله: (وإِلا قُبِلَ لَهُمَا) أي: وإن كان الذي شهد به لنفسه يسيرًا فإن شهادته تقبل لهما معًا، وهو قول ابن القاسم، ورواه مطرف عن مالك، وروى ابن وهب عنهم عدم القبول له ولغيره، وعنه أيضًا وبه قال عبد الملك أنها تقبل لغيره دونه، وفي المقدمات رابع أنها تقبل له ولغيره إن في ن معه شاهد غيره 74، انظر الكبير.
قوله: (ولا إِنْ دَفَعَ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ) هذا هو المانع الثامن؛ وهو أن يدفع بشهادته ضررًا عن نفسه، كما إذا شهد رجلان أن فلانًا قتل فلانًا خطأ، فشهد عدلان من العاقلة التي وجبت عليها الدية بشهادة الأولين 75 بفسق شاهدي القتل، فلا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يتهمان أن يردا 76 بشهادتهما ما ترتب عليهما من الدية، وظاهره أنهما لا تجوز شهادتهما 77، ولو كان مقدار ما ينوبهما من الدية يسيرًا، أو كانا فقيرين بحيث 78 لا يلزمهما شيء.
قوله: (أو الْمُدَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ) المدان بضم الميم وتخفيف الدال من عليه الدين، فلا تقبل شهادته لرب الدين، وقيده الباجي بما إذا حل الدين أو قرب حلوله، وأما لو بعد فإنها تجوز على مذهب سحنون، لا على مذهب ابن وهب، واحترز بالمعسر من الموسر الذي لا يعسر بدفع الدين 79، فإن شهادته له تقبل، قاله ابن القاسم ومطرف وأشهب وعبد الملك 80.
الجزء: 5 - الصفحة: 131
(المتن)
وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ، وَإِلَّا رَفَعَ.
وَلَا إِنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَقَالَ: أَنَا بِعْتُهُ لَهُ، وَلَا إِنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الأَدَاءِ، بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ، وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ.
وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَا إِنْ أَخَذَ منَ الْعُمَّالِ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ وَلَا إِنْ تَعَصَّبَ، كَالرِّشْوَةِ، وَتَلْقِينِ خَصْمٍ، وَلَعِبِ بِنَيْرُوزٍ، وَمَطْلٍ، وَحَلِفٍ بِطَلَاق، وَعِتْقٍ، وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلاثًا بِلا عُذْرٍ، وَتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ، وَبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ، وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ، وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَّاةِ، وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعَدَمِ إِحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ، وَبَيعِ نَرْدٍ، وَطُنْبُورٍ، وَاسْتِحْلافِ أَبِيهِ وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ، وَفِي الْمُبَرَّزِ بِعَدَاوَةٍ وَقَرَابَةٍ وَإِنْ بِدُونِهِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ.