قوله: (والْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ) يعني: أن القريب الغيبة كالحاضر.
ابن رشد: والوجه 1 في ذلك أن القاضي إذا ثبت عنده قرب غيبته مع الأمن وهو من أهل عمله فإنه يكتب إلى قاضي البلد الذي هو فيه، أو إلى عدلين من عدول ذلك البلد ويعلمه بمن قام عليه، وما ثبت عنده، وتسمية الشهود، والذي قبلهم، وتسمية المعدلين 2 لهم، فإذا ثبت عنده إقراره بأن 3 لا مدفع له، أو ادعى مدفعًا، وعجز عنه قضى عليه 4 في الربع 5، وغيره بلا خلاف 6، ولا يحكم عليه بشيء قبل الإعذار إليه، انتهى.
وقال ابن الماجشون: العمل عندنا أن تسمع البينة، حضر الخصم، أو غاب، ثم يعلم بهم 7، فإن كان 8 له مدفع، وإلا قضى عليه 9، ولم يرها سحنون إلا في الغيبة البعيدة جدًّا، أو يتوارى المطلوب، أو يتعذر فيقضى عليه 10. وقيل: يقضى على الغائب قربت غيبته، أو بعدت إلا أن تقرب جدًّا.
الجزء: 5 - الصفحة: 104
قوله: (والْبَعيدُ جدًّا كَإِفْرِيقيّة يُقْضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) أي: وإن كانت الغيبة بعيدة جدًّا كإفريقية، أي من المدينة، أو مكة، أو كالأندلس من خراسان، قضى عليه في كل شيء من الديون، والحيوان، والعروض، والعقار، والأصول، وقاله ابن رشد 11، وغيره 12.
قوله: (بيمين القضاء) أي: بيمين الطالب يمين القضاء 13 فيحلف على عدم الإبراء، والإستيفاء، والاعتياض، والاحتيال والتوكيل على الاقتضاء فيه وفي بعضه.
وقيل: إنه عليه 14 إلى الآن.
واختلف هل هذه اليمين واجبة، أو استظهار على قولين حكاهما المازري 15، وظاهر ما هنا 16 الوجوب.
قوله: (وَسَمَّي الشُّهُودَ) يريد: أنه لا بد من تسمية الشهود في الحكم على الغائب، لعل أن يجد سبيلًا إلى رد القضية بتجريح الشهود، على القول بأن الحجة ترجى له، وهو المشهور.
ابن رشد: وإن لم يسم 17، فالقضية مردودة تفسخ ويستأنف الحكم فيها، وقاله أصبغ 18، وإليه أشار بقوله: (وإلا نقض)، وعن سحنون عدم لزوم ذلك، إلا أنه قال: وهو أحسن.
وهو يأتي على قول عبد الملك: إن الغائب لا ترجى له حجة 19.
قوله: (وَالْعَشَرَةُ أَوِ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) ابن رشد 20: ويحكم عليه فيما عدا الأصول 21، وفيها قولان، وقال في باب القسم من
الجزء: 5 - الصفحة: 105
المدونة، سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضى على الغائب في الدور، وهو رأيي إلا في الغيبة البعيدة مثل الأندلس، وطنجة وما بَعُدَ، فليقض عليه 22، وما علمت في هذا خلافًا، وقاله مالك 23.
وأنكره ابن الماجشون، قال: إنما ذلك رأي أهل العراق، وعلماء المدينة على خلافه، وبه قال سحنون، وحيث قضي عليه 24 فلا يعذر، وترجى له الحجة، ومثله عن سحنون وروي عنه -أيضًا- أنها لا ترجى له الحجة 25، وهذه هي الغيبة المتوسطة.
قوله: (وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بَالصَّفَةِ، كَدَيْنٍ) يريد: أن المحكوم به إذا كان مما يتميز بالصفة في غيبته؛ كالعبد، والدابة ونحوهما؛ فإنه لا يطلب حضوره؛ بل تميزه البينة بالصفة، ويصير حكمه حكم الدين، وهو المشهور.
ولابن كنانة خلافه، قال: إن كان العبد لا يدعي الحرية، ولا يدعيه أحد، حكم فيه بالصفة؛ وإلا فلا يحكم فيه بذلك 26. وإن كان الشيء لا يتميز، فلا يطلب 27 حضوره؛ بل تقول البينة غصب منه كذا، قيمته كذا 28.
قوله: (وَجَلَبَ الخَصْمَ بِخَاتَمٍ، أَوْ رَسُولٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ العَدوَى، ولَا أَكثر كَسِتِّينَ مِيلًا، وَإِلا بشَاهِدٍ) أي: وجلب الخصم مع الطالب إما بخاتم القاضي، أو برسوله، أو بورقته 29 ونحو ذلك، إن كان الخصم على مسافة العدوى.
وقاله ابن عبد الحكم، ولم يحدد 30.
وقال غيره: القرب 31 أن يأتي ويرجع فيبيت في منزله.
وقال الباجي: ثلاثة أميال،
الجزء: 5 - الصفحة: 106
فإن زادت على مسافة العدوى كستين ميلًا، لم يجلبه 32. وقاله سحنون، إلا أن يشهد شاهد بذلك، فيكتب إما أن يحضر، أو يرضى خصمه، وقاله 33 ابن عبد الحكم 34.
وفي 35 وثائق ابن هشام: لا يشخص من البعد 36 خصما، ولا شاهدًا.
قوله: (وَلَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَت في وِلَاتَيهِ) يريد: أن القاضي لا يجوز له أن يزوج امرأة خارجة عن ولايته، وقاله ابن شاس 37؛ لأنه إذا خرج عن محل ولايته، صار معزولًا عن الحكم في ذلك الموضع، فكذلك إذا خرج المحكوم عليه عن ولايته 38.
قوله: (وَهَلْ يراعى 39 حَيْثُ المُدَّعَى عَلَيْهِ؟ وَبِهِ عُمِلَ، أَوِ المُدَّعَى؟ وَأُقِيمَ منْهَا) يريد: أنه اختلف إذا كانت الدعوى في بلد، والمدعى عليه في غيرها، هل يراعى 40 حيث يكون المدعى عليه؟ وبه قال مطرف، قال: وبه جرى العمل 41 بالمدينة، وبه حكم ابن بشير 42 بالأندلس.
وقاله أصبغ، وسحنون، أو إنما تكون الدعوى حيث يكون المدَّعَى فيه 43، وقاله عبد الملك، وأقامه فضل من المدونة 44.
قوله: (وَفي تَمكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ، بِلَا وَكالَةٍ تَرَدُّدٌ) 45؛ والمنع من ذلك لابن عبد
الجزء: 5 - الصفحة: 107
الحكم، فقال: إن كان للغائب ببلد الحكم مال، أو حميل، أو وكيل، سمعت الدعوى؛ لغائب بلا وكالة 46 وإلا نقلت الشهادة 47. ابن عبد السلام: ولا يظهر 48 لاشتراط حضور الوكيل فائدة؛ المدعى عليه إن كان له مالٌ عند الوكيل فالمال وحده كافٍ، وإن لم يكن له عنده مال فلا معنى لنزاعه معه، اللهم إلا أن يكون الوكيل مفوضًا يلزم الموكل 49 إقراره، فحينئذ يظهر لذلك فائدة 50.
-
-
- = والقريب جدًّا.
سحنون، وابن الماجشون، وأصبغ: يوكل القاضي من ينوب عنه، ولا يجوز بغيرها، ويمكن من إقامة البينة إلا بخصومة.
وقال أشهب: يمكن مما يخاف فواته؛ كالعبد، والدابة، وما ينقل؛ كالثوب دون غيره؛ إلا كالأب فمطلق.
وقاله ابن حبيب، ومطرف.
وثالثها: لابد من وكالة الغائب، ولا تقيد وكالة القاضي، وعلى الجواز لا يخرج الملك من يد حائزه، ولا يجوز العيب بجواز إقرار الغائب بذلك إذا قدم، وأنه قد علم به، وهل يجوز في قريب الغيبة وبعيدها أو في بعيدها فقط؟ روايتان وقولان لسحنون وابن الماجشون.
فرع: وهل يحكم على الغائب أم لا).
- = والقريب جدًّا.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 108