قوله: (وَأَمَرَ بالصُّلْحِ ذَوِي الفَضْلِ وَالرَّحِمِ، كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُم الأَمْرِ) يريد: أن القاضي يأمر ذوي الفضل والرحم بالصلح إذا ترافعوا إليه فيما يقع بينهم؛ إذ هو أقرب لتأليف نفوسهم.
وأشار بقوله: (كَأَنْ خَشِي تَفَاقُمَ الأمْرِ) إلى أن القاضي 1 إذا ظهر له وجه الحكم لا يأمر بالصلح، إلا أن يرى لذلك وجهًا، مثل ما ذكره 2، مثل أن يرى أن الحكم يوقع فتنة وعداوة لا تنقطع 3، وهو مراده بتفاقم الأمر، أي: تعاظمه.
قوله: (وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى المُخْتَار) يريد: أن الحاكم لا يجوز له أن يحكم لمن لا تجوز شهادته له، كابنه، ويتيمه الذي يلي ماله، وزوجته ونحوهم، وإليه ذهب أشهب، ومطرف، ومحمد؛ نظرًا للتهمة، واختاره اللخمي، كما أشار إليه، قال: ولا فرق بين الحكم والشهادة 4. وأجاز ذلك أصبغ، إذا لم يكن من أهل التهمة.
وفرق ابن الماجشون فقال: يمتنع حكمه لزوجته ويتيمه، بخلاف غيرهم 5.
قوله: (وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ أو جَاهِلٍ لمْ يُشَاوِرْ) لا خفاء أن أحكام الجائر، وهو الظالم، في حكمه الخارج عن الحق تعمدًا 6 تُنبذ أحكامه 7 -أي: تُطْرح-.
واختلف في أحكام
الجزء: 5 - الصفحة: 87
الجاهل، فقيل: نتعقب 8، فما لم يكن منها 9 جورًا مضى دون غيره.
وحكى المازري رواية 10: أن أحكامه 11 كلها تنقض وترد 12، وإن كان ظاهرها الصواب؛ لأنه وقع منه من غير قصد.
وقيد بعضهم الأول بما إذا كان يشاور أهل العلم؛ وإلا فتنقض أحكامه جميعها؛ لأنه حكم حينئذ 13 بالحدس والتخمين.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح 14. وإليه أشار بقوله: (أَوْ جَاهِلٍ لَمْ يُشَاورْ).
قوله: (وَإِلَّا تُعَقِّبَ، وَمَضَى غَيْرَ الجَوْرِ) أي: وإن كان يشاور أهل العلم نظر في حكمه، فيمضي منه، ما لم يكن جورًا 15 دون غيره.
قوله: (وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ العَدْل العَالِمِ) أي: لا ينظر فيه المتولي بعده؛ لأن تعقب الأحكام: هو اختبارها 16؛ لينظر ما وافق الحق منها وما خالفه 17، وقد نص على أن أحكام العدل العالم لا تتعقب غير واحد 18.
قوله: (وَنَقَضَ -وبَيَّنَ السَّبَبَ مُطَلَقَا- مَا خَالَفَ قَاطِعَا، أَوْ جَليَّ قَياسٍ، كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ، وَشُفْعَةِ جَارٍ، وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ بِشَهَادَة كَافِرٍ، أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ، أَوْ مَوْلًى أسْفَلَ، أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ، أَوْ جَعْل بتةٍ وَاحِدةً، أَوْ أنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأ بِبَيِّنَةٍ) يريد: أن المتولي بعد العدل العالم لا 19 ينقض من أحكامه 20 ما خالف قطعيا من نص كتاب،
الجزء: 5 - الصفحة: 88
أو سُنَّة، أو جلي قياس، قال القرافي 21: أو إجماع 22.
قال ابن الماجشون 23: ويرد ما اختلف الناس فيه مما 24 في كتاب، أو سنة، 25؛ كاستسعاء العبد المعتق بعضه، وشفعة الجار، أو بعد القسمة 26. واستبعد المازري نقض الحكم في ذلك؛ لأن مسلمًا وغيره رووا حديث الإستسعاء، وكذا ورد في الشفعة للجار أحاديث تقتضيها 27، ولا إشكال في نقض حكمه على عدوه 28، أو بشهادة يهودي، أو نصراني ونحوهما.
قال ابن الماجشون: لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وقال تعالى أيضًا: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] 29، ولا بد أن يقيد هذا بأن يكون المحكوم 30 عليه مثل الشاهد، وأن القاضي يعلم 31 بكفر الشاهد قبل الحكم، كما وقع في الرواية؛ وإلا فسيأتي ما إذا ظهر كفر الشاهدين، أو أحدهما بعد الحكم.
ابن حبيب عن ابن الماجشون: وينقض ما حكم به من الميراث للعمة والخالة، والمولى الأسفل 32.
واختلف إذا سبق له علم شيء بين الخصمين قبل ولايته، أو قبل أن يجلس مجلسه، ثم حكم بما عنده من العلم، هل ينقض كما أشار إليه هنا؟ قال ابن راشد 33: وهو = العدل العالم لا تتعقب، وإن وجده قد خالف قطعيًا).
الجزء: 5 - الصفحة: 89
الأصل 34.
قال التونسي: وينقضه هو وغيره 35. أو لا ينقض ذلك، كما نقله ابن القصار 36 عن بعض الأصحاب؟ ابن عبد السلام: وهو الظاهر.
فلو حكم بما أقر به الخصم في مجلسه، فلا نقض.
وقد قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وسحنون: يحكم القاضي بما سمع في مجلسه ابتداءً 37.
ابن الماجشون: وهو عمل أهل المدينة، ولا أعلم لمالك غيره 38. ابن راشد: ومذهب ابن القاسم خلافه، وأنه لا يجوز؛ ولذلك يلزمه إحضار العدول بمجلسه، وقد فهم هذا من قوله: (بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ) 39 وهو مفهوم من تقييده النقض بما سبق من ذلك قبل مجلسه 40.
وفي الموازية: لا ينقضه غيره، وينقضه هو ما دام قاضيًا 41.
وحكى ابن عبد الحكم عن مالك وابن القاسم 42: أنه إذا رفع إليه رجل امرأته، وكان قد طلقها ألبتة فجعلها له طلقة واحدة، ولم يمنعه من نكاحها؛ لكونه يرى ألبتة واحدة، وزوجها له قبل زوج، أن حكمه ينقض، ويفرق بينهما.
وقال ابن عبد الحكم:
الجزء: 5 - الصفحة: 90
لا ينقض إلا ما كان خطأ محضًا (1)، وحكى ابن محرز: أن القاضي إذا قصد الحكم (2) بشيء، وعلم ذلك منه ببينة حضرته، ثم عدل عنه على سبيل الخطأ، فإن حكمه ينقض (3). قوله: (أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بَعبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صبِيَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْن) أي: وكذا ينقض حكم القاضي، إذا كان مستندًا فيه إلى شهادة شاهدين بعد الفحص (4) عن حالهما، ثم ظهر أنهما عبدان، أو صبيان، أو كافران، ولا خلاف فيه؛ لبطلان الشهادة.
واختلف في نقضه بالفاسقين، وفي الشهادة (5) من المدونة، وهو أحد قولي مالك: أنه ينقض، وبه قال ابن القاسم.
وفي كتاب الحدود فيها: أنه لا ينقض، وبه قال أشهب، وسحنون (6)، وهو قول مالك -أيضًا-.
وخرج بعضهم هذا القول في العبد، ورد المازري: بأن الفسق مظنون، فلا يؤمن فيه الغلط، والرق مقطوع به، كَنَصٍّ (7) ظهر بعد الإجتهاد (8). قوله: (كَأَحَدِهِمَا إلَا بِمَالٍ فَلا يُرَدُّ، إنْ حَلَفَ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْه إِنْ حَلَفَ) أي: وكذلك ينقض الحكم إذا ظهر أن أحد الشاهدين عبدٌ، أو نحوه؛ إلا أن يكون المحكوم (9) به مالًا؛ فإنه يصير موقوفًا، فإن حلف الطالب أخذه، وإن نكل أخذ منه إن حلف المطلوب .. ونحوه في باب الرجم في المدونة، وعلى هذا ففاعل حلف الأول ضمير يعود على الطالب، والثاني على المطلوب.
(المتن)
وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ خَمْسِينَ مَعَ عَاصِبِهِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ، وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا؛ وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وَفِي الْقَطْعِ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ.
وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ434445464748495051
الجزء: 5 - الصفحة: 91
إِنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ، أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ، أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ، وَرَفَعَ الْخِلَافَ، لَا أَحَلَّ حَرَامًا، وَنَقْلُ مِلْكٍ، وَفَسْخُ عَقْدٍ، وَتَقَرُّرُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ حُكْمٌ، لَا، لَا أُجِيزُهُ، أَوْ أَفْتَى، وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلٍ، بَلْ إِنْ تَجَدَّدَ؛ فَالاجْتِهَادُ كَفَسْخٍ بِرَضْعِ كَبِيرٍ، وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ، وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ، إِنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ، وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ؛ إِلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ، أَوْ إِقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إِقْرَارَهُ بَعْدَهُ لَمْ يُفِدْهُ، وَإِنْ شَهِدَا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ أَمْضَاهُ، وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ إِنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلايَتِهِ، وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا.
وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ.