قوله (وَكَفَاهُ بِعْتُ، وَتَزَوَّجْتُ، وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ) أي: وكفى المدعي أن يقول: بعت، واشتريت، وتزوجت من غير احتياج إلى بيان شروط الصحة ولا يُسأل عن ذلك، ويحمل على الصحة؛ لأنها الأصل في بياعات المسلمين وأنكحتهم 5. قوله: (وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الحْاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) الذي نص عليه الأشياخ أن الذي يُسأل1234
الجزء: 5 - الصفحة: 76
عن السبب هو المدعى عليه؛ بقوله 6 (وإلا) يحتمل أنه يريد وإن لم ينتبه المدعى عليه لذلك فإن الحاكم يقوم مقامه في ذلك فيسأله من أي وجه يستحقه عليه، فإن بين وجهه أوقف 7 المطلوب عليه، ولزمه الإقرار أو الإنكار.
قوله: (ثُمَّ مُدَّعى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قوله بِمَعْهُودٍ، أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ) أي: فإذا فرغ المدعي من كلامه، وما يطلب منه، أمر الحاكم 8 المدعى عليه، وهو الذي ترجح قوله بأمر معهود، أو أصل بالجواب عن ما ذكره المدعي.
المازري: وظاهر الروايات أن القاضي هو الذي يسأل المدعى عليه، وإن لم يأمره المدعي بالسؤال 9.
قوله (إِنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ) ظاهره أن أمر 10 المدعى عليه بالجواب مشروط بأن يثبت المدعي الخلطة بينه، وبين المدعى عليه، والذي يذكره الأشياخ أن الخلطة شرط في توجيه اليمين عليه.
والأمر في ذلك قريب 11، ثم نبه على أن الخلطة 12 تارة تكون بدين، وهو المراد بكلامه هنا، وتارة تكون على الصناع والمنتصبين للتجارة في الأسواق والودائع ونحو ذلك 13، قال ابن القاسم: والخلطة أن يبايع إنسان إنسانًا بالدين مرة، أو يتسلف منه ولو مرة، أو يبايعه بالنقد مرارًا.
وقاله أصبغ، وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء.
ابن نافع: لا خلطة أصلا، وبه العمل 14.
قوله: (وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ، لَا بِبَيَّنَةٍ جُرِّحَتْ) يريد: أن الخلطة تثبت بشهادة امرأة واحدة، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى 15، وقاله ابن كنانة، والشاهد الواحد
الجزء: 5 - الصفحة: 77
من باب الأولى.
وقال محمد: لا تثبت إلا بشاهد ويمين 16. المازري: والمشهور أن البينة المجرحة كالعدم 17، فإذا أقام المدعي بينة فردها المدعى عليه لعداوة أو جرحة لا يتوجه عليه اليمين 18.
قوله: (إِلَّا الصَّانِعَ، والْمُتَّهَمَ، وَالضَّيْفَ وَفِي مُعَيَّنٍ، والْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، والْمُسَافِرْ عَلَى رِفْقَتِهِ، وَدَعْويَ مَرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ) يريد: أن الدعوى على الصانع ومن معه لا تحتاج إلى خلطة، أما الصناع؛ فلأنهم نصبوا أنفسهم للناس فلا تحتاج الدعوى عليهم إلى إثبات خلطة، نص عليه يحيى بن عمر 19. وأما الدعوى على المتهم بالسرقة، فنص أصبغ على أن الدعوى عليه لا تحتاج إلى إثبات خلطة 20، وكذلك قال بعض الأشياخ في الدعوى على الضيف، وكذا نص على ذلك ابن شاس في 21 الدعوى في سلعة معينة 22، وقاله غير واحد من القرويين، وقال بعض الأشياخ: لابد في ذلك من الخلطة.
وقال ابن يونس عن بعض مشايخه: لا بد في المعين من الخلطة إلا في مثل أن يعرض سلعته في السوق، وسيأتي.
وأما دعوى الودائع على من يستودع مثله، وهو مراده (بأَهْلِهَا) فقيده أصبغ وغيره بكون المودع غريبًا، وقيده اللخمي بثلاثة قيود:
الأول: أن يكون المدعي 23 يملك مثل ذلك.
والثاني: أن يكون هناك ما يوجب الإيداع، وأن يكون المودع ممن يودع مثل ذلك 24، وأما دعوى المسافر على بعض رفقته أنه دفع له مالًا ونحوه فلا يحتاج فيه إلى إثبات 25 خلطة؛ لأنه قد يعرض له ما يحوجه إلى الإيداع من خوف أو غيره.
الجزء: 5 - الصفحة: 78
ونص عليه أصبغ 26، وأما دعوى المريض أن له عند غيره كذا وكذا 27 فقد نص عليه أصبغ 28 أيضًا، وأما الدعوى 29 على حاضر المزايدة فقال ابن يونس عن بعض الأشياخ: إن الرجل إذا عرض سلعته في السوق للبيع فأتى رجل فقال له: قد بعتها مني.
أنه يجب له عليه اليمين بغير خلطة؛ لأنه عرضها لما ادعي عليه فيه 30.
قوله: (فَإِنْ أَقَرَّ فَلَهُ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ، وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ) أي: فإن أقر المدعى عليه فللمدعي الإشهاد عليه؛ لئلا ينكر، وللحاكم أن ينبه المدعي على الإشهاد، وليس من تلقين الحجة لأحد الخصمين؛ لأن الإشهاد مع ما فيه من تحصين الحق فيه قطع النزاع، وتقليل الخصام، وهو من شأن الحكام 31.
قوله: (وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَخْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إِلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا، أَوْ مَعَ يَمِين لَمْ يَرَهُ الأَوَّلُ) أي: وإن أَنكر المدعى عليه، قال الحاكم للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، أمره بإحضارها، وسمعها وأعذر فيها لخصمه، فإن لم يأت بدافع حكم عليه، وإن ادعى مدفعًا أجله في إثباته، فإن لم يأت به قضي عليه، وترك هذا لوضوحه، وإن قال المدعي: لا بينة لي.
وهو المراد بقوله: (فإن نفاها) فإن الحاكم يقول له 32: ليس لك عليه إلا اليمين، فإن استحلفه فلا بينة له عليه 33 بعد ذلك، إن أتى بها، إلا أن يكون له عذر في عدم القيام بها من نسيان، أو عدم تقدم علم، أو ظن أنها ماتت 34 أو نحو ذلك، أو يكون أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين فحكم عليه، ثم وجد شاهدًا ثانيًا وقال لم أعلم به فليقضِ بهذا الآخر 35، ولا بد من
الجزء: 5 - الصفحة: 79
يمينه مع 36 نسيان البينة، ونحوها 37 قاله ابن الماجشون 38.
وقال 39 فيما إذا أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين فحكم عليه، ثم وجد شاهدًا 40 ثانيًا: إنما يكون له القيام بها 41 عند هذا 42 القاضي دون غيره، وهو قول محمد.
وقيل: لا يقبلها 43 مطلقًا لا عنده، ولا عند غيره 44 وما ذكر من أن بينته لا تسمع إذا لم يكن له عذر في القيام بها، هو الأشهر 45. وروى ابن نافع عن مالك، وبه قال أشهب: أنها تسمع وله القيام بها 46.
قوله: (وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلَّفْهُ أَوَّلًا قَالَ: وَكَذَا أَنَّهُ غير عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ) أي: وللمدعي عليه تحليف المدعي أنه لم يحلفه أولًا على ذلك، وأنه لا يعلم بفسق شهوده 47 ونبه بهذا على ما ذكره المازري من أنه اختلف، إذا قال له: احلف أنك 48 لم تستحلفني على هذه الدعوى فيما مضي 49.
الجزء: 5 - الصفحة: 80
قال: والذي مضي به القضاء (1) والفتيا عندنا لزوم اليمين للمدعي أنه ما استحلفه قبل ذلك أو يرد عليه (2) اليمين أنه قد استحلفه على هذه الدعوى ثم لا يحلف له مرة أخرى (3)، وكذا إذا أقام (4) عليه (5) عدولًا يشهدون بما ادعاه هل له تحليفه أنه لا يعلم فسقهم؟ أم لا (6)؟ ثم استظهر الوجوب وإليه أشار بقوله: (قال)؛ أي: المازري (7).
قوله: (وَأَعْذَرَ بِأَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ) يريد: أن القاضي لا يحكم على المدعى عليه حتى يعذر إليه بقوله أبقيت لك حجة، فإن قال: نعم، أنظره باجتهاده ثم يحكم عليه كقوله (8): لا حجة لي.
وسيذكره بعد هذا.
(المتن)
وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ إِلَّا الشَّاهِد بِمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَمُوَجّهَهُ، وَمُزَكِّيَ السِّرِّ، وَالْمُبَرِّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ، وَأَنْظَرَ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيِهَا، وَلْيُجِبْ عَنِ الْمُجَرِّحِ، وَيُعَجِّزُهُ، إِلَّا فِي دَمٍ، وَحُبُسٍ، وَعِتْقٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ، وَكَتَبَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ، وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ.
وَلِمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ، وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ؛ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ؛ وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا.
وَلَا تُرَدُّ، كَنِكَاحٍ.