قوله: (وَبُدِئَ 8 بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ ثُمَّ ضَالٍ) يعني: أن القاضي ينبغي له أول ولايته 9 أن يبدأ بالمحبوسين، فيطلق من يستحق الإطلاق دون1234567
الجزء: 5 - الصفحة: 64
غيره، ثم ينظر في الأوصياء، ومال الأطفال؛ إذ لا رافع لوقائعها إليه، ثم في المقامين 10 على الأيتام 11؛ لأن من يكون له عليهم مطالبة قد لا يعرب 12 عن نفسه، ثم في اللقطة، والضوال، ثم بين الخصوم، وهكذا قال المازري عاطفًا على ذلك بحرف الترتيب، كما فعل 13 الشيخ إلا في: (وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ) فإنه هنا بالواو، وعند المازري بثم كما تقدم 14. قوله: (وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ، وَرَفْعِ أَمْرِهِمِا إِلَيْهِ) هذا كقول أصبغ: إن القاضي 15 ينبغي له إذا قعد أن يأمر بالنداء في الناس أن كل يتيم لم يبلغ، ولا وصي له ولا وكيل 16، وكل سفيه مستوجب للولاية فقد منعت الناس متاجرته، و 17 مداينته، ومن علم مكان واحد من هؤلاء فليرفعه إلينا؛ لنولي عليه فمن داينه بعد، أو باعه، أو ابتاع منه فهو مردود 18. وقد تقدم معنى قوله: (ثم في الخصوم) ومعنى العطف بـ (الواو) وبـ (ثم) 19. ثم قال (وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شرطًا 20) يريد: أنه يرتب له من يكتب عنه 21 من العدول؛ ليضبط ما يقع في مجلسه وما يحكم فيه 22 قال في المدونة: ولا يستكتب أهل الذمة في شيء من أمور الإسلام 23، ولا يتخذ من المسلمين إلا العدول المرضيين، وقد قال مطرف وعبد الملك، وأصبغ: لا يكون كاتبه إلا من أهل
الجزء: 5 - الصفحة: 65
العدالة والرضا 24. وقد أشار إلى هذا بقوله: (شَرْطًا) أي إن العدالة شرط في كاتب القاضي، وظاهر ما نقله المتيطي عن محمد: أنها مستحبة 25. المازري: وينبغي أن ينظر القاضي فيما كتبه كاتبه 26، لاحتمال أن يزيد، وينقص غلطًا، أو سهوًا، أو تعمدًا للرشوة 27، وإن كان غير ثقة فلا بد من اطلاع القاضي فيما يكتبه 28 ويجلس قريبًا منه، بحيث يشاهد ما يكتبه عنه 29.
قوله: (كَمُزَّكٍ) يحتمل أن يكون مراده أن كونه عدلًا شرط، أو أنه يكون عدلًا، والمراد بالمزكي، أن يكون عينًا للقاضي 30، قال أشهب: ينبغي له 31 أن يتخذ رجلًا صالحًا مأمونًا منتبهًا، أو رجلين بهذه الصفة، يسألان له عن الشهود في السر، في مساكنهم، وأعمالهم 32، وليسأل ثلاثة، أو أربعة فأكثر، لا واحدًا أو اثنين 33.
قوله: (وَاخْتَارَهُمَا) أي: الكاتب والمزكي، باعتبار كونهما أعدل الموجودين.
قوله: (وَالْمُتَرْجِمْ مُخْبِرٌ، كَالمُحَلِّفِ) أي: فيقبل كل منهما على انفراده؛ لأنه من باب الخبر، لا الشهادة، وقيل: هو من باب الشهادة، فلا يقبل فيه الواحد.
وقال سحنون: لا
الجزء: 5 - الصفحة: 66
يقبل ترجمة النساء، ولا الرجل الواحد، ولا من لا تجوز شهادته 34. وقال ابن شاس يشترط فيه العدد 35. وقال أبو إسحاق: إن ترجم عنه واحد أجزأ.
وقال مالك يترجم له واحد مسلم ثقة، والاثنان أحب إلي، ولا يقبل كافرًا، ولا عبدًا، ولا مسخوطًا، ويقبل ترجمة المرأة إذا كانت عدلة 36. وقيد في البيان: عدم ترجمة الكافر ومن معه بوجود العدول، وأما لو اضطر إليهم لعمل على قولهم 37.
قوله (وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ أَوْ شَاوَرَهُمْ) ظاهره أن إحضارهم من باب الوجوب، والذي نص عليه أشهب، ومحمد أنه مستحب، فقالا: ولا يجب أن يقضي إلا بمحضرهم ومشاورتهم.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا ينبغي له أن يحضر الفقهاء عنده، ولكن يستشيرهم إذا قام من مجلسه 38 وقيده اللخمي: بما إذا لم يكن مقلدًا وأما المقلد فلا يسعه أن يقضي إلا بحضرتهم 39.
قوله (وَشُهُودًا) هو معطوف على قوله معمول 40 (وأحضر العلماء) وإنما جرده عن الألف، واللام خشية أن يتوهم كونه معطوفًا على الضمير في شاورهم، والمعنى أنه لا يحكم إلا بمحضر الشهود؛ ليحفظوا إقرار الخصوم خشية الإنكار.
قوله (وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) هذا هو المشهور؛ لأن إفتاءه في مسائل الخصومات مما
الجزء: 5 - الصفحة: 67
يعين الخصوم على الفجور، لأنهم إذا عرفوا مذهب القاضي تحيلوا في التوصل إلى مذهبه، أو إلى الانتقال عنه، ولا يمنع من الإفتاء في الصلاة، والطهارة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من العبادات، ولا يجيب من يسأله في الخصومات إلا أن يكون من المتفقهين.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يجيب ويفتي في كل ما يسأل عنه مما عنده فيه علم 41.
قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) أي: وليس له أن يشتري في مجلس قضائه لما فيه من شغل باله 42 -وأيضًا- فإن البائع ربما هضم له 43 من ثمن سلعته شيئًا حياءً من القاضي، ومن جلسائه وقد حكى الأشياخ عدم الجواز عن أصحاب مالك.
وفهم من قوله: (بمَجْلِسِ قَضَائِهِ) أن له ذلك في غيره 44، وقد نقل المازري ذلك عن أصحاب مالك 45، وفي كلام ابن شاس: أنه لا يجوز مطلقا.
ونحوه لابن عبد الحكم 46.
قوله (كَسَلَفٍ، وَقِرَاضٍ، وَإِبْضَاعٍ) أي: وكذلك ليس للقاضي أن يتسلف من أحد، أو يسلفه، أو يقارض، أو يبضع مع أحد بضاعة خوف المحاباة فيما يقع بينه وبينه من ذلك، أو يستحيي منه فيما لا محاباة فيه كالعارية ونحوها، وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: لا بأس أن يتسلف من إخوانه، وأن يستعين بهم في حوائجه 47.
قوله: (وَحُضُورِ وَلِيَمَةٍ، إِلَّا النِّكَاحْ) أي: ولا يحضر من الولائم إلا وليمة النكاح خاصة، ثم إن شاء أكل، أو ترك من غير كراهة.
ابن شاس: وإن كانت الوليمة لغير النكاح، فأجيز له الحضور، وكره إلا ما كان من جهة ولده، أو والده ونحو ذلك 48.
الجزء: 5 - الصفحة: 68
وفي النوادر عن أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة وليمة، أو صنيعًا لفرح 49، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح، فلا يجيب، وكأنه دعي خاصةً؛ إذ لعله إنما 50 صنع ذلك لأجل القاضي 51.
قوله (وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ، وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا) أي: وكذلك ليس له قبول هدية ولو كافأ عليها أضعافها.
وحمل الأشياخ قول ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية، وهو مذهب مالك، وأهل السنة على المنع، وسواء كان المهدي ممن له عند القاضي خصومة أم لا 52، وقاله مطرف وابن الماجشون 53. وقال ابن عبد الحكم: له أن يقبل ممن لا خصومة له عنده.
وقال أشهب: لا 54 يقبلها من غير من يخاصم 55 عنده إلا أن يكافئه عليها 56.
قوله (إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ) أي: كولده، ووالده، وأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه، وخاله وخالته وعمته، وأخته وجدته 57 وبنيهنَّ 58، وكل من لا يدخل عليه به مظنة لشدة 59 الخلة، والميل 60 بينهما، وكذلك ذكر محمد بن سحنون 61 عن أبيه، ونحوه في الموازية 62.
الجزء: 5 - الصفحة: 69
قوله (وَفِي هَدِّيةِ مِنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ أَوْ مُتَّكِئًا، وَإِلْزَامُ يَهُودِيِّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجرٍ، وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ) يريد: أن في كل فرع من هذه الفروع الستة قولين، الأول: في جواز قبول القاضي الهدية ممن كانت عادته ذلك قبل الولاية، وعدم جوازه 63 والجواز لابن عبد الحكم.
وقال مطرف وعبد الملك 64: لا ينبغي له ذلك وهو محتمل للمنع والكراهة 65. الثاني: في كراهة حكمه في مشيه، وجوازه قولان 66، والأول: لسحنون ومطرف وابن الماجشون وهو أحد القولين عن أشهب وله -أيضًا- قول بالجواز 67.
الثالث: اختلف هل له أن يحكم وهو متكئ؟ أم لا؟ والأول لأشهب وسحنون، وقاله في الموازية 68، وقال اللخمي: لا يفعل؛ لأن فيه استخفافًا بجلسائه 69.
الرابع: هل للمسلم مخاصمة اليهودي في يوم سبته؟ أو لا يمكن من ذلك؟ نقله المازري 70.
الخامس: هل يجوز له أن يتحدث في مجلس قضائه لضجرٍ نزل به؟ أم لا؟
والأول لأشهب؟ وابن عبد الحكم 71، ومنعه مطرف وابن الماجشون، ابن حبيب 72، وهو ظاهر 73 قوله في المدونة: وإذا دخله همٌّ، أو ضجر فليقم 74. وقال اللخمي: الأول أحسن، وهو أحب إلينا من قيامه 75. السادس: اختلف هل يشترط في
الجزء: 5 - الصفحة: 70
لزوم الحكم للخصمين في التحكيم دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم؟ أم لا؟ فذهب سحنون إلى أن كل واحد منهما له أن يرجع قبل النفوذ.
وقال ابن الماجشون: ليس لهما رجوع، وإن لم يحكم.
وقال أصبغ: يشترط دوام الرضا إلى أن ينشبا في (1) الخصومة، فإذا شرع ونشبا (2) فليس (3) لهما ذلك (4).
قوله: (وَلَا يَحْكُمْ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنِ الْفِكْرِ) أي: كالغضب، والجوع، (5)، وكل ما يشوش على الخاطر ويشغل الفكر (6)، وقد قال عليه السلام: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان"، وقد تقدم قوله في المدونة: وإذا دخله همٌّ، أو ضَجَرٌ فليقم (7).
قوله: (وَمَضَي) أي: فإن حكم مع ما يدهش عن الفكر مضى حكمه، وفرق ابن حبيب بين القليل، والكثير (8).
(المتن)
وعزر شَاهِدَا بزُورٍ فِي الْمَلإِ بِنِدَاءٍ، وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، أَوْ لِحْيَتَهُ، أَوْ يُسَخِّمُهُ، ثُمَّ فِي قَبُولِهِ تَرَدُّدٌ.
وَإِنْ أَدَّبَ التَّائِبَ فَأَهْلٌ.
وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ، أَوْ مُفْتٍ أَوْ شَاهِدٍ، لَا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ، كَلِخَصْمِهِ كَذَبْتَ، وَلِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ مُسْلِمًا وَكَافِرًا وذميًّا.
وَقُدِّمَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُمَّ أُقْرِعَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ، كَالْمُفْتِي، وَالْمُدَرِّسِ.
وَأُمِرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ؛ وَإِلَّا فَالْجَالِبُ، وَإِلَّا أُقْرِعَ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا وله شَيْءٌ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ، كَأَظُنُّ.