(أهْلُ الْقَضَاء، عَدْلٌ، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ، إِنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) يريد: أن المستحق للقضاء، والمتأهل له من اجتمع فيه أربعة أوصاف:
الأول: العدالة فيخرج الصبي، والمجنون، والفاسق، والكافر، والعبد القِن 1، ومن فيه شائبة من شوائب الرِّق، وعلى هذا فقوله: (عدل) وصف مركب من خمسة شروط وهي، الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وعدم الفسق.
الوصف الثاني: (ذكر)، فلا تولى امرأة؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وحكي عن ابن القاسم، إجازة ذلك 2.
ابن زرقون 3: وأظنه يريد الإطلاق.
قال المازري: والإجماع على أنَّها لا تولى الإمامة الكبرى 4.
الجزء: 5 - الصفحة: 53
الثالث: الفطنة، فلا يولى المغفل 5، وهو واضح.
الرابع: الاجتهاد إن أمكن وجوده، وإلا فمقلد، وقاله المازري 6.
قوله: (وَزِيدَ لِلإِمَامِ الأَعْظَمِ قُرَشِيٌّ) يريد: أنه يزا د في حق الإمام الأعظم كونه قرشيًّا، وقد تقدم في باب الأضحية، أن الإمام هو العباسي، أو من يقيمه 7.
قوله: (فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ) أي: فإذا لَمْ يوجد مجتهد، وولي مقلد، فإنه يحكم بقول إمامه الذي قلده في مذهبه، وهو ظاهر؛ لأنه لو حكم بغيره أدى ذلك إلى الطعن فيه بالحيف، والحكم بالتشهى.
وقال الطرطوشي: لا يلزمه المصير إلى ذلك، قال 8: ولا يلزم أحدًا 9 من المسلمين أن يقلد في النازلة والحكم من يعتزي 10 إلى مذهبه، فمن كان مالكيًا لَمْ يلزمه المصير في أحكامه إلى قول مالك، ونحو ذلك؛ بل أين 11 ما أداه إليه اجتهاده من الإحكام صار إليه، قال: فإن شرط عليه 12 أن يحكم بمذهب معين لا بغيره، فالعقد 13 صحيح، والشرط باطل، كان موافقًا لمذهب المشترط، أو مخالفًا له 14.
قوله: (وَنَفَذَ حُكْمُ أعْمَى، وَأَبْكَمَ، وَأَصَمَّ، وَوَجَبَ عَزْلُهُ) يعني: أن هذه الأوصاف = وقياسًا على الإمامة الكبرى".
الجزء: 5 - الصفحة: 54
الثلاثة التي هي العمى، والبكم والصم توجب العزل إذا وجدت، سواء تقدمت، أو طرأت وليس عدمها من شروط الصحة، بل عدم وجودها 15 من باب الاستحباب، ولهذا ينفذ حكم هؤلاء إلى حين العزل، وإن لَمْ يكن حين الحكم كذلك، وظاهر ما في وثائق ابن القاسم 16، أن العمى 17، وما معه، من شروط الصحة.
والمذهب خلافه، وذكر عياض، أن المازري حكى عن مالك: جواز كون الأعمى حاكمًا، ورد بأنه لَمْ يصح عنه ذلك 18.
قوله: (وَلَزِمَ المُتَعَيِّنَ، أَوْ الخَائِفَ فِتْنَةً إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ ضَيَاعَ الحَقِّ، القَبُولُ، والطَّلَبُ، وَأُجْبِرَ وَإِنْ بِضرْبٍ) المراد بالمتعين من انفرد بشرائط القضاء، وذكر أن قبول الولاية وطلبها يلزمه في ثلاثة أحوال، الأول: أن يكون متعينًا، فلا يجوز له الامتناع من ذلك 19 قيل أيجبر بالضرب والسجن، قال: نعم.
ونحوه لابن شعبان 20. الثاني: أن يخاف على نفسه إن لَمْ يقبل حصول فتنة.
الثالث: أن يعلم أنه إن لَمْ يقبل يضيع حقوق الناس بتولية غيره.
قوله: (وَإِلَّا فَلَهُ الهَرَبُ، وَإِنْ عُيِّن) أي: وإن لَمْ يتعين بل كان غيره صالحًا للولاية - أيضًا - ولم يخف حصول الفتنة، ولا ضياع الحقوق فإنه لا يلزمه ذلك، ويجوز له الهرب، والاستخفاء 21، وإن عينه الإمام.
قوله: (وَحَرِمَ لِجاهِلٍ، وَطَالِبِ دُنْيَا) أي؛ لأن الجاهل ربما أَدَّاه جهله إلى مخالفة ما هو متفق عليه، والوقوع في الأمور المعضلة 22، وطالب الدنيا ربما أداه ذلك إلى الحيف؛ ليحصل غرضه 23 الفاسد.
الجزء: 5 - الصفحة: 55
(المتن)
وَنُدِبَ لِيُشَهِّرَ عِلْمَهُ كَوَرعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزْهٍ، نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ: بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ، وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ، وَبِطَانَةِ سُوءٍ، وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ لَهُ، وَتَخْفِيفُ الأَعْوَانِ، وَاتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَشُهُودِهِ، وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيهِ، إِلَّا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهَ فِي أَمْرِي، فَلْيَرْفُقْ بِه، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إِلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ، مَنْ عَلِمَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيهِ، وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ، لَا هُوَ بِمَوْتِ الأَمِيرِ، وَلَوِ الْخَلِيفَةُ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ لأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا.