قوله: (وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلِ نُبِذَ كِفَايَةً) يريد: إن التقاط المنبوذ من الأطفال واجب على الكفاية؛ لأن صون النفس واجب، وكان على الكفاية؛ لأن بالواحد 1 يحصل الغرض من ذلك.
قوله: (وَحَضَانَتُهُ) أي: وكذلك تجب حضانه المنبوذ على من أخذه؛ لأنه التزم ذلك بأخذه.
قوله: (وَنَفقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنَ الْفَيءِ) أي: وكذا تجب نفقته على من أخذه إن لَمْ يعط من الفيءِ الموقوف لمصالح المسلمين 2، فإن أعطي شيء من ذلك لَمْ يجب عليه في ماله.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ) أي: وكذا 3 تسقط نفقته 4 عنه إن ملكه أحد شيئًا بهبة، أو صدقة، أو حبس عليه حبسًا، أو وجد معه شيئًا ملفوفا في ثيابه، وإليه أشار بقوله: (أَوْ يُوَجَدْ مَعَهُ).
قال ابن شاس: وأما المدفون في الأرض تحته فليس هو معه 5، إلَّا أن توجد معه رقعة مكتوبة أنه له 6، هال هذا أشار بقوله: (أوْ مَدْفُونٌ تَحتهُ إِنْ كَانتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ) فإن لَمْ توجد معه رقعة فهو لقطة؛ ولهذا قال ابن شعبان: إنما وجد قريبًا منه من مال، أو دابة، أي وليس ثم ما يدلُّ على أنه ترك له، فهو لقطة 7.
قوله: (وَرُجُوعُهُ عَلَى أبِيهِ إِنْ طَرَحَهُ 8 عَمْدًا) أي: ووجب رجوع الملتقط على أبى
الجزء: 5 - الصفحة: 44
الطفل، إذا ثبت أنه طرحه عمدًا، وقاله في تضمين الصناع من المدونة 9، وزاد إذا كان الأب مليًا، قال: وإن لَمْ يطرحه، فلا شيء عليه.
وقال أشهب: لا شيء على الأب بحال 10.
قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ 11 حِسْبَةً) أي: فإن قال: إنما أنفقت لأرجع، وقال الأب: إنما أنفقت حسبة، أي تبرعًا 12، ولم يقم دليل لواحد منهما، فإن المنفق مصدق، وقاله ابن شاس 13.
قوله: (وَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهْ لِلْمُسْلِمِينَ) أي: هو كقول مالك في الموطأ: الأمر 14 عندنا في المنبوذ أنه حر، وولاؤه لجماعة المسلمين 15، يرثونه ويعقلون عنه 16 لا أنه ولاء عتاقة ولا يكون للملتقط اتفاقا 17.
قوله: (وَحُكمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى المْسْلِمِينَ) يريد: أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين فإنه يحكم بإسلامه، ولا خلاف فيه؛ لأن الغالب في بلاد الإسلام أنه ابن مسلم؛ ولقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "كل مولود يولد على الفطرة"، الحديث.
قوله: (كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا بَيْتَانِ، إِن الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ) أي: وكذلك يحكم بإسلام اللقيط إذا وجد في بلد ليس فيها إلَّا بيتان من المسلمين، إن التقطه مسلم، أي: وإن التقطه كافر فهو كذلك عند ابن القاسم 18، ولا يحكم بإسلامه.
وقال أشهب: يحكم
الجزء: 5 - الصفحة: 45
بإسلامه مطلقًا، التقطه مسلم أو مشرك 19.
قوله: (وَفي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) أي: فإن وجد في قرى المشركين فهو مشرك، سواء وجده مسلم أو مشرك، وهو مذهب ابن القاسم 20. وقال أشهب، بشرط أن يلتقطه مشرك، فإن التقطه مسلم فهو مسلم 21، تغليبًا 22 لحكم الإسلام؛ 23.
قوله: (وَلم يُلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ، وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) أي: إن استلحقه مسلم فإن كان هو الملتقط لحق به بالبينة بلا خلاف، وبغير بينة عند أشهب، خلافًا لابن القاسم 24. وإن كان غير الملتقط، فقال أشهب: يلحقه؛ لأنه مجهول النسب 25. وقيل: لا يلحقه إلَّا ببينة؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلمين.
وقيل: لا يلحقه إلَّا أن يكون لا يعيش له أولاد، ويقول: طرحته لذلك، ويعلم ذلك من قوله، وإل هذا الأخير أشار بقوله: (أو بِوَجْهِ) وإن استلحقه ذمي فلا يلحقه إلَّا ببينة 26. قال 27 ابن شاس: ويكون على دينه إلَّا أن يسلم على 28 ذلك، ويعقل الإسلام فيكون مسلمًا 29. وإِن استلحقته امرأة فلا يلحقها عند ابن القاسم، وإن أتت بما يشبه من العذر 30. وقال أشهب: تصدق مطلقًا 31. وقال محمد: إن قالت من زنا صدقت، وحُدَّت لبعد التهمة، وأما ذات الزوج فلا حتى
الجزء: 5 - الصفحة: 46
يدعيه هو فيلحق به 32.
قوله: (وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخذِهِ، إِلَّا أَنْ يَأخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) إنما لَمْ يكن له أن يرده بعد أخذه؛ لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه، والذي ذكره في صدر 33 المسألة هو قول مالك في الموازية، وقال أشهب: إلَّا أن يكون أخذه ليرفعه للحاكم، ولم يقصد تربيته، ولا التزمها 34، فلم يقبله 35. الباجي: يعني 36 إذا كان موضعا مطروقًا، ويوقن أن غيره يأخذه.
يريد؛ لأنه إذا لَمْ يكن مطروقًا فقد عرَّضه للتلف، وظاهره أن قول أشهب، وتقييد الباجي وفاق للمذهب، ولا بُعد فيه 37، والواو من قوله: (والموضع مطروق) واو الحال.
قوله: (وَقُدِّمَ الأَسْبَقُ، ثُمَّ الأَوْلَى، وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ) يريد: إذا ازدحم اثنان أو أكثر، كلّ منهم يريد أن يأخذ اللقيط عنده، فإن من سبق إليه وأخذه يكون أحق به، ولو كان غيره أولى فإن لَمْ يسبق إليه أحدهم جعل عند الأكفأ منهم، والأقوى على كفالته، فإن عدم ذلك كله أقرع بينهم فأيهم خرج له أخذه، وقال أشهب: إذا تساويا أو تقاربا فالأول أحق، فإن خيف ضياعه عنده، فالثاني أحق به 38، إلَّا أن يكون طال مكثه عند الأول، وليس الصبي في ضرر، فالأول أحق 39.
قوله: (وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ) يعني: أنه ينبغي لمن التقط لقيطًا أن يشهد عليه عند التقاطه أنه التقطه خوف الاسترقاق، وظاهر هذا التعليل وجوب الإشهاد، والأكثر في (ينبغي) حملها على الاستحباب.
قوله: (وَلَيسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرٍ إِذْنِ السَّيِّدِ) يريد: بنحو المكاتب القِن،
الجزء: 5 - الصفحة: 47
ومن فيه شائبة رق (1)، وإن لم يكن له ذلك؛ لأنه يشتغل به عن سيده، وذلك يؤدي إلى تعطيل حق سيده، أما إذا أذن السيد في ذلك فلا كلام.
(المتن)
وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيرِهِ، وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلإِمَامِ.
وَوقِفَ سَنَةً، ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ، وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ، وَمَضَى بَيعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ.
وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ.