قوله: (وَوَجَبَ أخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ لَا إِنْ عَلِمَ 7 خِيَانَتَهُ هُوَ 8 فيحرُمُ، وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الأَحْسَن) يريد: أن الالتقاط على ثلاثة أقسام: قسم يجب وهو ما إذا كان الشيء الملتقط في موضع يخاف عليه الخونة لو ترك وكان أمينا 9؛ لأن الملتقط حينئذ قادر على حفظ123456
الجزء: 5 - الصفحة: 35
مال أخيه، فيتعين ذلك عليه، ولا خلاف فيه.
وقسم يحرم، وهو ما إذا علم الملتقط خيانة نفسه، بأنه أخذها أكلها على صاحبها فيحرم عليه 10؛ لاستلزامه إتلاف المال المعصوم، وقسم يكره وهو ما إذا لَمْ يخف عليها الخونة، ولا علم خيانة نفسه، وقد اختلف في هذا القسم على ثلاثة أقوال، وكلها روايات 11 لمالك: الكراهة، والإباحة مطلقًا 12، الاستحباب فيما له بال 13، وفي المقدمات: اختلف في أخذ اللقطة على ثلاثة أقوال، فقيل: الأفضل تركها من غير تفصيل، وقيل: الأفضل أخذها وتعريفها، وهو أحد قولي مالك، وقيل: إن كان مما له بال فأخذه أفضل، وإلا فتركه أولى، وأحسن، وهو أحد روايتي ابن القاسم عن مالك 14.
قوله: (وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَلَوْ كَدَلْوٍ) أي: وكذا يجب تعريف الشيء الملتقط مدة سنة، من حين التقاطه، ولو 15 كالدلو 16، والمخلاة، ونحوهما، واختلف في ذلك هل يعرف سنة كالكثير؟ أو أيامًا مدة 17 مظنة طالبها؟ والأول ظاهر رواية ابن القاسم في المدونة 18، والثاني رواية فيها.
قوله: (لَا تَافِهًا) أي فإنه لا يُعرَّف، والتافه: هو الذي لا بال له؛ بحيث يعلم أن صاحبه لا يطلبه لقلته، كالعصيّ، والسوط وشبههما، قال في المقدمات 19: وهولمن وجده إن شاء أكله، وإن شاء تصدق به 20؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام - في التمرة التي وجدها: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها"، وقال أشهب في مثل العصا، والسوط: يعرفه
الجزء: 5 - الصفحة: 36
فإن لَمْ يفعل، فأرجو أن يكون خفيفًا 21.
قوله: (بِمَظَانِّ طَلَبِهَا) يريد: أن التعريف إنما يكون في المواضع التي يظن بها أن أرباب اللقطة يطلبونها فيها، والباء متعلقة بتعريفه سنة.
قوله: (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) أي: باب مسجد، وجامع ونحوه، وقاله في المدونة وهو بدل مما قبله 22، وإنما قال بَابَ مَسْجدٍ؛ لأن التعريف في نفس 23 المسجد منهي عنه.
قوله: (في كُلِّ يَوْمَيْنَ، أَوْ ثَلَاثَةٍ) هو أيضًا متعلق بتعريفه، أي ويجب تعريف الشيء الملتقط في كلّ يومين، أو ثلاثة، أي مرّة 24 في كلّ يوم 25 وقاله مالك 26.
ابن عبد السلام: "وينبغي أن يكون أكثر من ذلك في أول تعريفه 27 "، وأشار بقوله: (بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَنْ يَثَقُ، أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إِنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ) إلى أن الملتقط مخير بين ثلاثة أمور، إما أن يعرفها بنفسه؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأنُكَ بها 28 ". وإما أن يدفعها إلى من يثق به يعرفها، وقد أجاز ابن القاسم ذلك في العتبية وإما أن يستأجر على تعريفها منها 29، وقاله ابن شعبان 30.
اللخمي: يريد إذا لَمْ يلتزم تعريفها أو كان مثله لا يعرف 31. وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يُعَرفْ مْثلُهُ) فإن كان مثله يلي ذلك بنفسه لَمْ يستأجر عليها إلَّا من مال نفسه؛ لأنه بالتقاطه كالملتزم لتعريفها.
قوله: (وَبِالْبَلَدَيْن إِنْ وُجدَتْ بَيْنَهُمَا) أي: فإن وجدت اللقطة بين بلدين عرَّفت
الجزء: 5 - الصفحة: 37
فيهما؛ لأنَّها لو عُرفت في أحدهما دون الآخر، فقد يكون صاحبها في التي لَمْ تعرف فيها أو يطلبها في التي لَمْ يعرفها فيها دون الأخرى.
قوله: (وَلَا يذكُرُ جِنْسَهَا عَلَى المُخْتَار) قال 32 اللخمي: اختلف عن مالك هل يسمي جنس اللقطة إذا عرفها أم لا 33؛ وأن لا تسمى 34 أحسن، وتلفق 35 مع غيرها 36.
قوله: (وَدُفِعَتْ لحَبْرٍ إِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) يريد أن اللقطة إذا وجدت في قرية من قرى أهل الذِّمة فإنها تدفع إلى حبر من أحبارهم، وقاله ابن القاسم 37.
قوله: (وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا) أي: وللملتقط حبس اللقطة بعد السنة، ويبقيها أمانة لربها.
قوله: (أَو التَّصَدُّقُ، أَو التَّمَلُّكُ) أي: وكذا يجوز له بعد السنة أن يحبسها أو 38 يتصدق باللقطة، أو يتملكها، وظاهره أنه مخير فيها، وبه صرح ابن الجلاب 39.
ابن عبد السلام: ونصوص المذهب على مرجوحية 40 التمليك، وربما وقع النهي عن ذلك؛ لأن المراد من التمليك أن يتصرف فيها 41. قيل: والكرا هة على ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: لا آمره بأكلها كثرت أو قلت 42. ابن عبد البر: وتحصيل المذهب جواز أكلها بعد السنة 43 للغني والفقير 44،
الجزء: 5 - الصفحة: 38
وقال ابن القصار 45: يكره له أكلها غنيا كان أو فقيرا 46. وحكى اللخمي عن ابن شعبان الجواز وإن كان غنيًا بمثلها 47. وعن ابن وهب: إن كان فقيرًا وهي قليلة جاز له أكلها 48.
قوله: (وَلَوْ بِمَكَّةَ) يريد أنه يجوز له التملك، أو التصدق، ولو كانت اللقطة بمكة المشرفة، وحكاه ابن القصار عن مالك، وعن بعض الأشياخ: أن لقطتها لا تستباح بعد التعريف سنة، وعليه أن يعرفها أبدًا؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "لا تحل ساقطتها إلَّا لمنشد 49 " 50.
قوله: (ضَامِنًا 51 فِيهِمَا) أي: في التصدق والتملك.
قوله: (كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) يعني ان الملتقط إذا نوى قبل السنة أكل اللقطة فإنه يضمنها، يريد إذا ضاعت عنده، وظاهره أنه يضمن بمجرد النية، وفيه نظر؛ فإن أبا الحسن الصغير قال: المشهور أن النية بمجردها لا توجب شيئًا، إلَّا أن يقارنها فعل.
قوله: (وَرَدَّهَا بَعْدَ أخْذِهَا لِلحِفْظِ، إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيَلَانِ) أي: وكذلك يضمن إذا رد اللقطة بعد أن أخذها وحازها بنية الحفظ إلَّا أن يردها بالقرب ففي ضمانه وعدمه تأويلان لأشياخ المدونة قال فيها: ومن التقط نقطة فبعد أن حازها وبان بها ردها بموضعها أو بغيره ضمنها، فأما إن ردها في موضعها مكانه من ساعته فلا شيء عليه 52. واختلف الأشياخ في ذلك، فقال ابن رشد: لا يضمن في الثانية 53 بخلاف الأولى، وأنه ضمنه في الأولى؛ لأنه أخذها بنية التعريف 54 فلزمه حفظها، وفي الثانية لَمْ
الجزء: 5 - الصفحة: 39
يأخذها بنية التعريف، والقرب والبعد في ذلك سواء (1). وقال غيره: إنما ضمنه في الأول لأنه لَمْ يردها بالقرب؛ وإنما ردها (2) بعد أن حازها وبان بها، ولم يضمنه في الثانية؛ لأنه ردها بالقرب، وإليه نحا اللخمي.
انظر الكبير (3).
(المتن)
وَذُو الرِّق كَذَلِكَ، وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ.
وَلَهُ كلُ مَا يَفْسُدُ ولا ضمان وَلَوْ بِقَرْيَةٍ، وَشَاةٍ بِفَيْفَاءَ، كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ، وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ.
وَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ، ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا، وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا، وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا، وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَينَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إِسْلَامِهَا، وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إِلَّا الثَّمَنُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ، أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا.
وَللْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيهِ إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا؛ إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّق بِهَا عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا.