(اللُّقْطَة، هي بضم اللام وسكون القاف ما يُلتقط، ويفتح القاف 1 الرجل الملتقط.
قوله: (مَالٌ مَعْصُوَمٌ عَرَضَ لِلضَّيَاعِ) فمال، جنس يشمل المعصوم وغيره، كان معرضًا للضياع أم لا، فأخرج بقوله: (معصوم) ما ليس كذلك مثل مال العربي، وشبهه، وبقوله: (عرض للضياع) المال الذي بيد حافظ.
قوله: (وَإِنْ كَلْبًا، وَفَرَسًا، وَحِمَارًا) إذ التعريف 2 صادق على جميع ذلك، والمراد بالكلب هنا الكلب المأذون في اتخاذه، وأما غيره، ففي المدونة": لا شيء على قاتله، فكيف يلتقط؟ وفيها: فإن وجد الخيل، والبغال، والحمير فليعرفها، فإن جاء ربها أخذها، وإن لَمْ يأت تصدق بها" 3.
قوله: (وَرُدَّ بِمعْرِفَةِ مَشْدُوَدٍ فِيهِ، وَبِهِ، وَعَدَدِهِ 4 بِلَا يَمِينٍ) إنما ذكر هذا، وعدل عن عبارة غيره، وهي ورد 5 في معرفة العفاص، والوكاء، ونحوه في الحديث؛ للاختصار.
والعفاص: الخرقة المربوطة 6، والوكاء: الخيط الذي يربط به، قاله ابن القاسم 7. وقال أشهب: العفاص: الرباط 8،
الجزء: 5 - الصفحة: 31
والوكاء: ما فيه اللقطة 9. الباجي: والأول أصح 10. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن عفاص اللقطة: الخرقة المربوط فيها 11. والمراعى عند ابن القاسم، وأشهب فيما يصفه معرفة المشدود فيه، والمشدود 12 به، وهما العفاص، والوكاء، والعدد كما قال 13، وعند أصبغ، معرفة الأولين خاصة 14. ولا يلزمه 15 مع ذلك يمين في مشهور المذهب، وهو ظاهر قول 16 ابن القاسم، خلافًا لأشهب 17. أما إن قامت له بينة بذلك فلا إشكال، ولوضوحه لَمْ يتعرض له 18.
قوله: (وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي العَدَدِ، والْوَزن) يريد: أن من وصف اللقطة بالأمور الثلاثة فإنه يقضى له جها على من وصف العدد، والوزن، وأحرى إذا وصف أحدهما فقط، فإن وصف واحد العفاص والوكاء، وواحد العدد والسّكة، فقيل: من وصف العفاص والوكاء أولى.
وقيل: يقتسمانها 19. اللخمي 20: والأول أبين 21.
قوله: (وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ، وَلَمْ يَبِنْ بها حَلَفَا، وَقُسِمَت) أي: فإن وصف شخص اللقطة بما يأخذها به، ثم وصفها ثان بما وصفها به الأول، ولم يذهب الأول بها،
الجزء: 5 - الصفحة: 32
فإنهما يتحالفان، ويقسمانها 22، ومن نكل منهما قضى لصاحبه عليه، فإن ذهب بها الأول قبل وصف الثاني، فسيأتي 23.
قوله: (كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ يُؤَرِّخَا وَإِلَّا فلْلأَقْدَمِ) أي: وكذلك تقسم اللقطة بين شخصين إذا أقاما بينتين، ولم يؤرخا 24، يريد وتكافأتا.
قوله: (وإلا) أي: وإن أرّخا فهي للأقدم تأريخًا، وانظر هذا مع قول ابن القاسم وأشهب 25 فإن أشهب قال: إذا دفع الملتقط اللقطة لمن أقام بينة أنَّها له، ثم أقام آخر بينة أنَّها له فهي لأولهما ملكًا بالتاريخ، فإن لَمْ يكن تأريخ فهي لأعدلهما 26، فإن تكافآتا كانت لمن هي في يده، وهو الأول بعد يمينه أنَّها له، ولم يعلم 27 لصاحبه فيها حقًّا 28، فإن نكل حلف الثاني وأخذها، فإن نكل فهي للأول بلا يمين 29. ابن يونس: ويحتمل على قول 30 ابن القاسم، أنَّها تقسم بينهما عند تكافؤ البينتين، وإن حازها الأول؛ لأنه مال قد عرف أصله.
ولعل الشيخ اختار طرفًا من قول كلّ واحد منهما.
قوله: (وَلَا ضَمانَ عَلَى دَافَعٍ بَوَصْفٍ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ) يريد: أن الملتقط إذا دفع اللقطة لمن وصفها بما يسوغ له أخذها به، فلا ضمان عليه، وإن أقام غيره بينة أنَّها له؛
الجزء: 5 - الصفحة: 33
لأنه قد فعل ما أمر به في الحديث 31 وهو مذهب ابن القاسم، وأشهب، وسواء عندهما دفعها بوصف، أو ببينة، بل البينة أحرى 32؛ ولهذا سكت عن ذكرها اكتفاء بما ذكر، وكذلك اكتفى 33 بقوله: (وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيره) عما إذا وصفها الثاني بعد دفعها للأول؛ لأنه إذا لَمْ يضمن مع قيام البينة للثاني فلأن لا يضمن إذا وصفها الثاني 34 من باب أحري، وقال أشبهب: إذا أخذها الأول بوصفه، فأقام الثاني بينة أنَّها له أخذها من الأول.
وقال ابن الماجشون: يضمن الملتقط، إذا قال: دفعتها بالوصف 35 لمن لا أعرفه، ولم يشهد 36؛ لأنه فرط 37. واختلف هل هو خلاف؟ أم لا؟
قوله: (واسْتُؤْنِيَ فِي الوَاحِدَةِ، إِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا) أي: إذا وصف واحدة من صفات اللقطة، وجهل غيرها من الصفات، فإنه يستأنى بدفعها إليه، وقال أصبغ 38، فإن عرف وصفين، دفعت له ناجزًا، وقاله أشهب، وهو الأصح 39. وقال ابن عبد الحكم: لو عرف منها تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العُشر 40 لَمْ تدفع له، إلَّا في معنى 41 واحد أن يذكر عددًا فيوجد أقلّ منه 42؛ لاحتمال أن يكون قد احتيل 43 عليه.
الباجي: ولا يبعد أن يكون ابن عبد الحكم يوافق أصبغ؛ لأنه إنما منع من دفعها إليه إذا أخطأ بأن وصف شيئًا بغير صفته 44، أي فيكون ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 34
عبد الحكم (1) تكلم على ما إذا أخطأ، وأصبغ تكلم على ما إذا جهل، وقد حكى في المقدمات فيما إذا وصف البعض، وجهل البعض، أو غلط فيه ثلاثة أقوال، الأول: أنه لا شيء له، الثاني: أنه يستأنى (2)، فإن لَمْ يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت إليه، الثالث: إن ادّعى الجهل استؤنى به، وإن غلط لَمْ يكن له شيء، ابن رشد: وهو أعدل الأقاويل عندي (3). وإليه أشار بقوله: (لَا غَلِطَ عَلى الأَظْهَرِ) لكن ظاهره أن الغلط يضر في كلّ صورة، وابن رشد جعل غلطه في القدر بالزيادة (4) لا يضر، وفي غلطه بالنقصان قولان (5)، ونحوه لابن زرقون، فانظره.
قوله: (وَلَمْ يَضُرَّه (6) جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ) أي: بقدر الشيء الملتقط، وظاهره كان جهله بزيادة أو نقصان، يريد إذا عرَّف العفاص، والوكاء، كما تقدم.
(المتن)
وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ: لَا إِنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ، وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الأَحْسَنِ، وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَلَوْ كَدَلْوٍ، لَا تَافِهًا، بِمَظَانِّ طَلَبِهَا بِكَبَابِ مَسْجِدٍ، فِي كُلِّ يَوْمَينِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ، أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إِنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ وَبِالْبَلَدَيْنِ إِنْ وُجِدَثْ بَينَهُمَا، وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ، إِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ، وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا، أَوِ التَّصَدُّقُ، أَوِ التَّمَلُّكُ وَلَوْ بِمَكَّةَ ضَامِنًا فِيهِمَا، كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا وَرَدِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، إِلَّا بِقُرْبٍ: فَتَأوِيلَانِ.