قوله: (كَهِبَةِ نَخْلِ، واسْتِثْنَى 1 ثَمَرَتِهَا سِنيِنَ، والسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوِبِ لَهُ) أي: وكذلك لا يجوز أن يهب نخلًا لرجل ويستثني ثمرتها سنين بشرط أن يكون السقي على الموهوب له، وقاله في المدونة، يريد: لأنه يصير كمن باع 2 نخلًا بسقيها سنين، والبائع يستغل الثمرة، ولا يدري المشتري ما يصير النخل 3 إليه بعد المدة، فهو غرر، ونحوه في المدونة.
والواو من قوله: (والسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوِبِ له) واو الحال، فلو كان السقي على الواهب لجاز، وقاله فِي الموازية والمدونة 4.
قوله: (أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو عليها 5 سِنِينَ وَيُنْفِقُ عَلَيهِ الْمَدْفُوعُ وَلَا يَبِيعُهُ، لِبَعْدِ 6 الأَجَلِ) هكذا ساق هذه المسألة في المدونة بعد الأولى، قال ابن القاسم فيها بعد أن ذكر الأولى 7: ولقد قال لي 8 مالك فيمن دفع إلى رجل فرسه يغزو عليه سنتين، أو ثلاثًا وينفق عليه المدفوع إليه الفرس من عنده، ثم هو للمدفوع إليه بعد الأجل، واشترط عليه 9 أن لا يبيعه قبل الأجل، أنه لا خير فيه.
قال: وبلغني عنه 10 أنه قال: أرأيت إن
الجزء: 5 - الصفحة: 19
مات الفرس قبل الأجل أتذهب نفقته باطلًا 11، فهذا يدلك 12 على مسألتك في النخل 13.
قوله: (وَلِلأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ الصغير 14 الضمير في (اعتصارها) راجع إلى الهبة، ولا إشكال في اعتصار ما وهبه لولده؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلَّا الوالد"، وعنه - عَلَيْهِ السَّلَام - أنه قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة، ثم يرجع فيها؛ إلَّا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء، ثم يعود في قيئه".
قوله: (كَأُمِّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ) يعني: وكذلك الأم تعتصر ما وهبت لولدها إذا كان له أب حي 15، وهذا كقوله في المدونة: وللأم أن تعتصر ما وهبت لولدها الصغير في حياة أبيه.
وزاد فيها: ما لَمْ يحدثوا دينًا، أو ينكحوا، أو يحدثوا فيها حدثًا 16.، فإن لَمْ يكن لهم أب فليس لها أن تعتصر؛ لأنه يتيم، ولا يعتصر من يتيم 17، ويعد ذلك كالصدقة عليه 18.
ولا فرق في اعتصارها من ولدها بين أن يكون الولد والأب 19 غنيين، أو معدمين، أو أحدهما غنيًّا دون الآخر.
قال اللخمي: ويختلف إذا كانا فقيرين قياسًا على اعتصار الأب من ولده الفقير 20. ونبَّه بقوله: (فقط) على أن غير الأم من جد أو جدة، ونحوه، ونحوهما 21 ليس لهما اعتصار، وهو المشهور، وبه قال ابن القاسم وابن وهب.
وروى
الجزء: 5 - الصفحة: 20
أشهب عن مالك 22 ومثله 23 في الموازية: أن الجد والجدة يعتصران كالأبوين، وقاله ابن عبد الحكم 24.
قوله: (وَإِنَ مَجْنُونًا) يعني: أن الأم تعتصر ما وهبته لولدها في حياة أبيه، ولو كان الأب مجنونًا، قال في المدونة: وإن وهبتهم، والأب مجنون جنونًا مطبقًا، فهو كالصحيح في وجوب 25 الاعتصار لها 26.
قوله: (وَلَوْ يَتِيمًا عَلَى الْمُخْتَارِ) هكذا استحسن اللخمي 27، وقال ابن المواز: إذا وهبته في حياة أبيه ثم مات الأب قبل بلوغ الولد، لَمْ يكن لها أن تعتصر؛ لأن بموت الأب قبل البلوغ انقطع الاعتصار، فلا يعود بعد ذلك 28.
قوله: (إِلَّا فِيما أُرِيدَ بِهِ الآَخِرَةُ) لأنه إذا أراد بذلك وجه الله صارت صدقة على ما تقدم، والصدقة لا تعتصر، وسواء كان الواهب أبًا أو أمًّا.
وقاله ابن الماجشون 29، وقال مطرف وابن وهب: ومن وهب 30 هبة لوجه 31 الله له الاعتصار فيها.
ابن رشد: وبالأول جرى العمل 32.
قوله: (كصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ) يريد: إذا تصدق بصدقة ولم يشترط 33 فيها الرجوع فليس له الاعتصار.
واختلف إذا شرط الرجوع فيها، هل له ذلك؟ أم لا؟
الجزء: 5 - الصفحة: 21
والذي حكاه الباجي وابن الهندي: أن له ذلك 34.
قوله: (إِنْ لَمْ تَفُتْ بحَوَالَةِ سُوقٍ) ظاهره أن الهبة يفوت اعتصارها بحوالة الأسواق 35، والذي حكاه الباجي عن مطرف، وعيد الملك، وأصبغ: أن ذلك غير مفيت 36. ابن راشد 37: ولا يختلف فيه 38.
قوله: (بل زيدٍ، أَوْ نَقْصٍ) أي: 39 وكذا يفوت اعتصارها 40 إذا دخل الشيء الموهوب زيادة ككبر الصغير، وسمن الهزيل، ونحو ذلك، أو نقصان كالهرم ونحوه من العيوب، وقاله أصبغ.
الباجي: وهو الظاهر من قول مالك وابن القاسم، وقال مطرف وابن الماجشون: لا تفوت 41. واختار اللخمي: عدم الفوات في النقص بخلاف الزيادة.
قوله: (وَلَمْ يُنكَحْ) يعني: أن من شرط صحة الاعتصار - أيضًا - أن لا يكون الولد قد تزوج؛ سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى.
قوله: (أَوْ يُدَايِنْ لَهَا) أي: وكذلك يمنع الاعتصالمر إذا تداين 42 الولد لأجل الهبة.
واحترز بقوله: (لها) مما إذا تداين لا 43 لأجل الهبة؛ فإن ذلك لا يمنع.
وفي البيان قول نسبه لعبد الملك: أن التداين مطلقًا يمنع الاعتصار، وإن لَمْ يكن لأجل الهبة 44.
الجزء: 5 - الصفحة: 22
قوله: (أَوْ يَطَأ ثَيِّبًا) يريد: أو بكرًا؛ وإنما خص الثيب بالذكر 45؛ لأن الحكم في البكر يؤخذ منها من باب أولى وأحرى 46؛ لأن افتضاض البكر نقص، وقد سبق حكمه؛ ولهذا أطلق في المدونة 47، وجعل وطء الأمة مفيتًا لاعتصارها.
وفي ابن يونس: إذا وطئ، - أي الولد - الأمة فات الاعتصار، وإن لَمْ تكن بكرًا، ولم 48 تحمل، وقاله مالك، وابن القاسم، وأشهب، وابن وهب.
وقال المخزومي: إن الوطء لا يفيت الاعتصار.
وقاله ابن الماجشون 49. ابن القاسم 50: ويصدق الابن 51 في دعواه الوطء.
قال 52 يحيى بن عمر: إذا غاب عليها الولد 53.
قوله: (أَوْ يَمْرَضَ كَوَاهِبٍ) أي: وكذا يمتنع الاعتصار إذا مرض الولد؛ لتعلق حق ورثته بالهبة، وكذا إذا مرض الواهب، وهو الأب أو الأم؛ لأن اعتصارهما حينئذٍ إنما هو للورثة لا لأنفسهما، وهذا هو المشهور في الفرعين.
وروى أشهب أن مرض الأب لا يمنع، بخلاف مرض الولد 54.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِه الأَحْوَالِ) هذا نحو قول اصبغ في العتبية: وإذا وهبه والابن متزوج، أو مديان، أو مريض، فله أن يعتصر في تلك الحال، وكذلك عنه في الواضحة.
وقال ابن الماجشون: ليس له أن يعتصر، كما لو تقدمت العطية على 55 هذه الحوادث 56. ابن عبد السلام: والأقرب صحة الاعتصار؛ لأن الموهوب له 57 لَمْ
الجزء: 5 - الصفحة: 23
يدخل أحدًا في عهدته 58 بسبب الهبة 59.
قوله: (أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ عَلَى المُخْتَار) اختلف إذا مرض الابن ثم زال مرضه، هل يعود الاعتصار لزوال مانعه؟ وهو قول ابن القاسم، وأشهب، والمغيرة، وابن دينار، وابن الماجشون.
وعن مالك في الواضحة: أن الاعتصار لا يعود 60. وذهب سحنون إلى أن الاعتصار يعود 61 بزوال مرض الأب دون الابن 62. واختار اللخمي الأول 63.
قوله: (وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) هذا لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام - لعُمر في الفرس الذي تصدق به 64: "لا تبتعه ولو بدرهم".
قال 65 اللخمي: ومشهور المذهب أن النهي محمول على الندب 66 وحمله الداودي على التحريم 67، وظاهر المدونة الكرا هة 68.
قوله: (وَلَا يَرْكَبُهَا، وَلَا يَأكُلُ غَلتِها) أي: ولا يركب المتصدق الدابة التي تصدق بها، ولا يأكل شيئًا من غلتها.
وقاله في المدونة 69. واختلف هل ذلك مطلقًا، وأن 70 الأب لا ينتفع بشيء مما تصدق به على ولده؟ أو هو مقيد بالولد الصغير؟ وأما إذا كان الولد كبيرًا، ورضي بذلك فلا يمتنع، وقاله محمد 71 وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ إِلَّا أَنْ
الجزء: 5 - الصفحة: 24
يَرْضَى الاِبْنُ الكَبِيرُ بِشُرْب اللَّبَنِ؟ تَأْوِيلَانِ).
وفي الرسالة: ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به (1). وظاهره خلاف المدونة (2). وفي المعونة (3): إلَّا أن يشرب يسيرًا، أو يركب فرسًا مما يقل خطره (4). وحمل بعضهم الرسالة على ما إذا كان اللبن لا ثمن له، وحملها غيره (5) على ما قال محمد: إذا رضي الولد الكبير.
(المتن)
وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا، وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ، وَيَسْتَقْضِي مِنْ نَفْسِهِ لولده، وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ، وَلَزِمَ بتَعْيِينِهِ، وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ وَإِنِ لِعُرْسٍ، وَهَلْ يَحْلِفُ، أَو إِنْ أَشْكَلَ؟ تَأْوِيلَانِ.
فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ، إِلَّا بشَرْطٍ، وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ، وَلِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِنِ فَقِيرًا لِغَنِيٍّ، وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ، وَإِنْ قَائِمَةً، وَلَزِمَ وَاهِبَهَا، لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ، إِلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيعٍ، وَإِنِ مَعِينًا، إِلَّا كَحَطَبٍ، فَلَا يَلزَمُ أَخْذُه،