قوله: (وَمُودَعٍ إنْ عَلِمَ) أي: إن علم صاحبها قد وهبها 6؛ ليكون حائزًا للموهوب، وقد نص عليه غير واحد من أصحابنا.
قوله: (لَا غَاصِبٍ) أي: فإنه لا يكون حائزًا للموهوب له، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة، قال فيها 7: وليس حوز الغاصب حوزًا12345
الجزء: 5 - الصفحة: 12
للموهوب له 8. ولو 9 قلت: وَلِمَ 10 والهبة ليست في يد الواهب 11؟ قالوا: لأن الغاصب لَمْ يقبض الموهوب له 12، ولا أمره الواهب بذلك 13، وبذلك 14 قال أصبغ، وقال أشهب ومحمد: هو حوز 15. قوله: (وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ، إلَّا أَنْ يَهِبَ الإجَارَةَ) أي: وهكذا لا يكون حوز المرتهن والمستأجر 16 حوزًا للموهوب له؛ لا أن يوهب 17 أيضًا الإجارة مع الرقبة، وحكاه محمد عن ابن القاسم، وحكى عن أشهب أن ذلك حوز له إذا أشهد 18. قوله: (وَلَا إِنْ رَجَعَتْ إِليهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، بِأْنَ 19 آجَرَهَا، أَوْ أرْفَقَه 20 بِهَا) يريد: أن الرقبة الموهوبة إذا حازها الموهوب له 21 مدة قريبة ثم رجعت إليه 22 بعد حوز الموهوب له، 23 بأن آجرها له، أو أرفقه بها، فإن تلك 24 الحيازة كلا حيازة 25،
الجزء: 5 - الصفحة: 13
ويبطل حقه منها.
الباجي: ولا خلاف فيه 26.
قوله: (بِخِلَافِ سَنَةٍ) أي: فإن رجوعها إليه بعدها لا يضر في إبطال الحيازة، وحكاه محمد عن مالك وأصحابه، وقال مطرف وابن الماجشون: يبطل، ورجح قياسًا على الرهن 27.
قوله: (أوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا، أَوْ ضَيْفًا فماتَ) أي: وكذلك لا يضر في إبطال الحيازة 28 رجوع الواهب إلى ما 29 وهبه 30 خُفية 31 من الموهوب له أو ضيفًا فمات فيه، ولا خلاف فيه سواء رجع إليه عن قرب أو بعد؛ بل قال 32 عبد الملك: ولو رجع بعد يوم واحد 33.
قوله: (وَهِبَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلَآخِرَ 34 مَتَاعًا) هذا معطوف على مرفوع (صح)، أي: وكذلك تصح هبة أحد الزوجين للآخر متاعًا 35، والذي رواه ابن القاسم في العتبية والموازية: أن هبة أحدهما للآخر خادمًا عندهما حيازة 36 لازمة.
وروى أشهب أن ذلك ضعيف.
وروى محمد عن ابن القاسم وابن وهب 37 وابن عبد الحكم: أن متاع البيت كالخادم قال: وبه أقول 38. انظر الكبير.
الجزء: 5 - الصفحة: 14
قوله: (وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجهَا، لَا العَكْسُ) أي: وكذلك تصح هبة الزوجة لزوجها دارًا هما ساكنان فيها وتتم الهبة 39، بخلاف ما إذا وهبها الزوج ذلك، وهو مراده بالعكس، والفرق بينه: أن السكنى على 40 للزوج، واليد له 41 في ذلك، فسكناها تابعة لسكناه، وهذا الذي ذكره رواية ابن القاسم عن مالك 42، وروى عنه أشهب: أنَّها لا تصح هبة واحد منهما للآخر 43؛ لضعف الحوز 44. ولم يحفظ هذا 45 ابن القاسم 46.
قوله: (وَلَا إِنْ بَقِيت عِنْدهُ إلَّا لمِحْجُورَهِ) هذا معطوف على قوله: (لَا العَكْسُ) أي: بخلاف هبة الزوج لزوجته دار سكناهما؛ فإنها لا تصح؛ لبطلان الحوز.
وكذلك إذا بقيت الهبة عند الواهب حتى مات؛ إلَّا أن تكون لمحجوره؛ فإنها تتم ولو بقيت تحت يده؛ لأنه يحوز له، وهذا إذا كانت الهبة مما تعرف بعينها؛ وإلا فإن الحوز لا يتم ولو ختم عليها بحضرة الشهود؛ إلا ان يجعل على يد غيره، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا مَا لَا يُعْرَفَ بِعينِه 47 وَلَوْ خُتِمْ) وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وبه أخذ المصريون، وغيرهم.
وذهب المدنيون: إلى أن الحوز يتم فيها بوضعها على يديه إذا حضرها 48 الشهود وختم عليها بخاتمه، قالوا: وتصح أيضًا وإن لَمْ يختمها الشهود، ولو ختموا عليها كان خيرًا وأحسن 49. وروي - أيضًا - 50 عن مالك: أنه يجوز إذا أبرزه، وإن لَمْ
الجزء: 5 - الصفحة: 15
يخرجه من يده، قيل: وبالأول جرى العمل 51. وهو مذهب الرسالة؛ لقوله فيها: وإنما يجوز له ما يعرف بعينه 52.
قوله: (وَدَارُ سُكْنَاهُ، إِلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرِىَ لَهُ الأَكْثَرَ، وَإنْ سَكَنَ النِّصْفُ بَطُلَ فَقَطْ، وَالأَكَثَرَ بَطَلَ الجَمِيعُ) يريد: أن الولي إذا وهب لمحجوره دار سكناه، فإن حكمها في اشتراط إخراجها عن يده حكم ما إذا وهبه ما لا يعرف بعينه، فلا بد من معاينة الشهود لها خالية من شواغل الولي، فإن لَمْ يخرج حتى مات فيها بطلت؛ لعدم الحوز، وإن أخرجها لمن حازها للمحجور ثم رجع إليها فسكنها أو بعضها حتى مات 53، فإن سكن الأقل وأكرى له الأكثر لَمْ يضر ذلك المحجور؛ لأن الأقل تبع للأكثر، وإن سكن النصف وأكرى له النصف الآخر، أُعْطِي كلّ نصف منها 54 حكم نفسه، فيبطل ما سكن دون ما أكري، وإن سكن الأكثر بطل الجميع.
مالك: وإذا كانت الدار ذات منازل فسكن بعضها حاز كلها.
يريد: إذا كان ما سكن قليلًا 55.
ابن القاسم: ولو كانت دورًا فسكن واحدة ليست جلها؛ بل هي تبع، حاز ما سكن وما لَمْ يسكن؛ سواء كان الولد صغيرًا، أو كبيرًا حائزًا لنفسه، وعن مطرف وعبد الملك: إذا تصدق على صغار ولده أو كبارهم بدار، أو دور، فسكن البعض، وحاز للصغار ما بقي، أو حاز الكبار ما بقي؛ فإنه يبطل ما سكن، ويصح ما لَمْ يسكن، كان ما سكن قليلًا أو كثيرًا، من دار أو دور.
قال ابن القاسم: إن سكن يسيرًا حاز 56 ما سكن 57 وما لَمْ يسكن، وإن سكن كثيرًا بطل الجميع، وأما على الكبار فإن سكن كثيرًا بطل ما سكن فقط، وحاز 58 ما حيز قل
الجزء: 5 - الصفحة: 16
أو كثر، وإن سكن يسيرًا حاز 59 الجميع.
قال أصبغ: وأنا أقول إن كانت دورًا في سكن منها من دار صغُرَتْ أو كبرت فأشغلها أو جلها فهي باطلة، ويصح غيرها قل أو كثر مما حازه للصغار، أو حازه الكبار 60، وأما دار واحدة فإن سكن منها يسيرًا حازت 61 كلها، وإن سكن أكثرها بطل ما سكن وأشغل، وحاز 62 باقيها إذا حازه أو حيز عنه 63.
قوله: (وَجَازَتِ الْعُمْرى) أي: (في الدور وغيرها، وقد روى ابن القاسم عن مالك جوازها في الرقيق والحيوان، قال 64: ولم أسمع من مالك 65 في الثياب شيئًا، وهي عندي 66 على ما شرط، ونص على أن الحلي عنده كذلك 67.
قوله: (كَأَعْمَرْتُكَ، أَوْ وَارِثَكَ) قال ابن عبد البر: وسواء عند مالك وأصحابه 68 ذكر ذلك بلفظ العمرى، أي كقوله: أعمرتك داري، أو الإعمار، أو السكني، أو الاغتلال 69، أو الإقفار، أو الإحفال 70، ونحو ذلك من ألفاظ العطايا، وأكثر أهل العلم على أن الإعمار والعمرى مخالف للإسكان والسكنى 71. الباجي وهي: هبة
الجزء: 5 - الصفحة: 17
منافع الملك، مدة حياة الموهوب له، أو مدة عمره، أو عمر عقبه، لا هبة الرقبة (1).
قوله: (وَرَجَعَتْ لِلْمُعَمِّر، أَوْ وَارِثِهِ) يعني: أن المدة إذا انقضت رجعت (2) الرقبة للمعمر وهو الواهب إن كان حيًا، أو لوارثه إن مات (3)، وقاله في المدونة (4).
قوله: (كَحُبُسٍ عَلَيْكُمَا، وَهُوَ لآِخِرِكُمَا مِلْكٌ) التشبيه بين هذه والتي قبلها في الجواز.
قال ابن القاسم: وإذا قال لرجلين: عبدي حبس عليكما، وهو لآخِركما ملك.
قال مالك: فذلك جائز، وهو للآخِر ملك.
وقاله أشهب (5).
قوله: (لَا الرُّقْبَى) أي: فإنها غير جائزة، نص عليه في المدونة (6) وغيرها، والرُقْبى - بضم الراء، وسكون القاف -: مقصور من المراقبة (7)، وقد نبَّه على حقيقتها بقوله: (كَذَوَيْ دَارين قَالَا: إِنْ مُتَّ قَبْلِي فُهَما لِي، وَإِلَّا فَلَكَ) أي: كصاحبي دارين قال كلّ واحد منها للآخر: إن مت قبلي فالداران معًا لي، وإن مت قبلك فهما معًا لك.
وإنما منع مالك وأصحابه هذا؛ لأنه غرر ومخاطرة.
(المتن)
كَهِبَةِ نَخْلٍ واسْتثْنَى ثَمَرَتِهَا سِنِينَ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو عليها سِنِينَ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ، وَلَا يَبِيعُهُ لِبَعْدِ الأَجَلِ.
وَلِلأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، كَأُمٍّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، وَإِنِ مَجْنُونًا، وَلَوْ يَتِيمًا عَلَى الْمُخْتَارِ؛ إِلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الآخِرَةُ، كَصَدَقَةٍ بلَا شَرْطٍ إِنْ لَمْ تَفُتْ، بِحَوَالَةِ سُوقٍ، بَلْ زَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلَمْ يُنْكَحْ، أَوْ يُدَايَنْ لَهَا، أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا، أَوْ يَمْرَضْ، كَوَاهِب إِلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الأحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ72737475767778
الجزء: 5 - الصفحة: 18
بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَلَا يَرْكَبُهَا، أَوْ يَأْكُلُ غَلَّتِهَا، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الاِبْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ؟ تَأوِيلَانِ.