قوله: (الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ) هذا قريب من قول اللخمي: هي نقل الملك بغير عوض 1.
قوله: (وَلثَوَابِ الآخِرَةِ صَدَقَةٌ) أي: فإن قصد بها ثواب الله في الدار الآخرة فهي صدقة.
قال بعض الأشياخ: وأحكام الهبة والصدقة سواء.
وفي المقدمات: لا تفترق الهبة من الصدقة؛ إلا أن الهبة تعتصر، ويصح الرجوع فيها بالبيع، والصدقة بخلاف ذلك 2.
قوله: (وَصَحَّتْ في كُلِّ مَمْلُوكٍ يُنْقَلُ) احترز بالمملوك مما لا يملك كالحر، ومثله ملك الغير.
وقال: (يُنْقَلُ) احترازًا من أم الولد 3، ومن الاستمتاع بالزوجة.
قال ابن شعبان: ومن وهب ما لا يحل بيعه بطلت هبته؛ كانت لثواب أو غيره 4، وظاهره بطلان هبة جلد الأضحية، وكلب الصيد، والمذهب الصحة.
قوله: (مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا) احترز بذلك من المحجور عليه؛ فإنه لا تصح منه الهبة؛ وإنما قال: (بِهَا) لينبه على صحة هبة المريض من ثلثه؛ لأنها إذا كانت خارجة من الثلث فهي صحيحة؛ لأنه أهل للتبرع بها، ومثله الزوجة تهب من ثلثها.
قوله: (وَإِنْ مَجْهُوَلًا وَكَلْبًا وَدَيْنًا) المعروف من المذهب: جواز هبة المجهول كما قال،
الجزء: 5 - الصفحة: 3
وهو ظاهر المدونة وغيرها 5. ونقل المتيطي عن جماعة من الموثقين: أنه لا بد من معرفة المتصدَّق به وقدره 6، ونحوه للخمي 7. وأما هبة الكلب؛ فإن كان مما يجوز اتخاذه ككلب الصيد والماشية، فقال ابن عبد السلام: لا خلاف في جوازها 8.
قلت: وعلى ما تقدم لابن شعبان لا يجوز، وأما غير المأذون في اتخاذه فالظاهر عدم جوازه.
وأما هبة الدين فهي على ضربين: إن وهب لمن هو عليه فهو إبراء له، وإليه أشار بقوله: (وَهُوَ إِبْراءٌ إنْ وُهِبَ كنْ هُوَ عَليْهِ) وإن وهب لغيره فتصح إذا شهد له بذلك، وجمع بينه وبين غريمه، وقاله في المدونة 9، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَكالرَّهْن) أي: في قبضه، ويدفع له ذكر الحق إن كان معه أو عنده 10.
قوله: (وَرَهْنًا لَمْ يُقْبَضْ وَأَيْسَرَ رَاهِنُهُ) هو معطوف على قوله: (وَإِنْ مَجْهُولًا) والمعنى: أن هبة ما يقبل 11 الملك يصح، ولو كان مرهونًا؛ إلا أن الهبة إن صدرت منه قبل قبض المرتهن، فقال ابن المواز: هو أحق به من المرتهن إن كان الواهب 12 موسرًا كما ذكر هنا، قال محمد: ولا يعجل للمرتهن 13 حقه؛ لأنه فرط 14 في حيازته، وإن كان معسرًا فالمرتهن أولى؛ إلا أن يكون وهبه للثواب 15.
قوله: (أَوْ رَضِيَ مُرْتَهنُهُ) أي: رضي بدفع الرهن للموهوب له، يريد: بعد قبض المرتهن له، أو قبل قبضه، والواهب معسر.
الجزء: 5 - الصفحة: 4
قوله: (وإلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ إنْ كَانَ الدَيْن يُعَجَّلْ) أي: وإن كان المرتهن قد قبض الرهن؛ فإن الراهن يقضى عليه بفكه إن كان دينه مما يعجل؛ كالدنانير والدراهم أو العروض التي قد حلت، وأما العروض المؤجلة فلا يقضى عليه 16 بفكها، وتبقى رهنًا إلى انقضاء الأجل، وإليه أشار بقوله: (وَإلَّا بَقِيَ لِبَعْدِ الأَجَلِ) والمسألة وقعت هكذا مقيدة 17 عند بعض القرويين كما قال الشيخ هنا، ووقعت في المدونة غير مقيدة.
قوله: (بِصِيغَةٍ أَوْ مُفْهِمِهَا) يريد: أن الهبة تصح بصيغة، أي: كوهبتك، أو هي هبة مني لك، أو أنا واهب لك هذا ونحوه، ومفهمها 18، أي: كنحلتك، أو بذلت لك، وأعطيتك.
قوله: (وَإِنْ بِفِعْلٍ) يريد: كدفعه ذلك له مع قرينه تدل على هذا، ونحوه.
قوله: (كَتَحْليَةِ 19 وَلَدِهِ هو إشارة لقوله: (أو مفهمها).
وإنما قال لولده 20؛ ليرتب عليه قوله: (لَا بِابْنِ مَعَ قَوْلِهِ دَارهُ) أي: لا بقول الأب لولده: ابن هذه العرصة دارًا.
يريد: ولو فعل مع قوله داره؛ فإن لألك لا يفيد الولد؛ ولو صحب فعله قول الأب: هذه دار ولدي.
قال ابن مُزَيْن 21: وإذ قال الأب لولده: ابن هذا الموضع دارًا.
ففعل في حياة الأب، والأب يقول مع ذلك: هي دار ابني.
فإن الابن لا يستحق من ذلك إلا قيمة عمله منقوضًا، قال: وقوله في شيء يعرف له: هذا كرم ولدي، أو دابة ولدي.
ليست بشيء، ولا يستحق الابن منه شيئًا إلا بالإشهاد بهبة، أو صدقة، أو بيع، صغيرًا كان الابن أو كبيرًا 22.
قوله: (وَحيزَ وَإنْ بلَا إذْنٍ، وَأُجْبِرَ عَلَيْه) يريد: أن الشيء الموهوب يحاز؛ وإن لم يأذن
الجزء: 5 - الصفحة: 5
واهبه في حوزه، ويجبر على ذلك إن امتنع، وهذا جار على أن الهبة تلزم بالقول، وهذا هو المشهور (1). وعن مالك: أنها (2) لا تلزم بالقول (3). وعليه فلا يجبر على التحويز؛ إذ له الرجوع فيها.
(المتن)
وَبَطَلَتْ إِنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ، أَوْ وَهَبَ لِثَانٍ وَحَازَ، أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوِ اسْتَوْلَدَ، وَلَا قِيمَةَ أَوِ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً، أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ، أَوِ الْمُعَيَّنَةُ لَهُ، إِنْ لَمْ يُشْهِدْ: كَأَنْ دَفَعْتَ لِمَنْ يتَصَدَّقُ عَنْكَ بِمَالٍ وَلَمْ تُشْهِدْ، أَوْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْم الْمَوْهُوبِ، وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطِي "رُوِيتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا" أَوْ جُنَّ، أَوْ مَرِضَ، وَاتَّصَلَا بِمَوْتِهِ، أَوْ وَهَبَ لِمُودَعٍ، وَلَمْ يَقْبَلْ لِمَوْتِهِ، وَصَحَّ، إِنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى، أَوْ جَدَّ فِيهِ أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ وَهَبَ إِذَا أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ، أَوْ لَمْ يعْلَمْ بِهَا إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَحَوْزُ مُخْدَمٍ وَمُسْتَعِيرٍ مُطْلَقًا،