قوله: (وَأُخْرِجَ السَّاكِنُ الْمَوقْوفُ عَلْيه الْسُكْنَى 1 إنْ لمْ يُصْلِح ليُكْرَى لَهُ) يريد، أن من أوقف دارًا للسكنى فاحتاجت إلى الإصلاح فإنه يخير الموقوف عليه 2، فإن شاء أصلح وسكن، وإلا أخرج لتكرى بما تصلح به، ثم يعود إلى سكناها، وقاله اللخمي 3.
قوله (وَأُنْفِقَ على فَرَسٍ لِكَغَزْوٍ مِنْ بيْتِ المَالِ فإن عدم بيع وعوض به سلاح 4) أي: إن كان الموقوف فرسًا لغزو أو رباط، وكان ثم بيت مال يوصل إليه 5 فإنه ينفق عليه من بيت المال، ولا يلزم المحبس، ولا المحبس عليهم من الجاهدين، وأهل الربط 6 إن كان ثم بيت مال يوصل إليه؛ ولهذا قال: (فَإنْ عُدِمَ بِيعَ وَعُوِّضَ بِهِ سِلَاحٌ) أي 7: فإن لم يكن بيت مال فإنه يباع ويعوض بثمنه سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة.
وإنما عوض به سلاح؛ لأنه أقرب إلى الخيل في المنفعة 8 من غيره، وهو أيضًا أقرب إلى غرض الواقف.
قوله (كَما لَوْ كَلِبْ) 9 أي هكذا يباع الفرس ويعوض بثمنه سلاح إذا حصل له
الجزء: 4 - الصفحة: 657
كلب حتى لا ينتفع به فيما حبس له، ورواه ابن وهب عن مالك في المدونة 10، وعن ابن الماجشون: أن بيعه لا يجوز ولو تحقق هلاكه 11. والكَلَبُ: شيء يعترى الخيل كالجنون.
قوله (وبَيع مَا لَا يُنْتَفَعُ بهِ من غَيْرِ عَقَارٍ في مِثْلِهِ، أَوْ شِقْصِهِ) يريد، أن ما سوى العقار إذا ذهبت منفعته التي وقف لها، كالثوب يخلق حتى لا ينتفع به في الوجه الذي وقف له، والفرس يمرض أو يهرم أو يكلب، والعبد يعجز عما وقف له ولا ينتفع به فيه 12 ونحوه، فإن ذلك جميعه يباع ويعوض بثمنه مثله، أي إن بلغ وإلا شورك به في مثله، وهو معنى قوله (أو شِقْصِهِ).
قوله (كَأَنْ أَتْلَفَ) أي: هكذا الحكم إذا تعدى على الموقوف شخص فأتلفه فيؤخذ منه ثمنه 13 فيشترى به مثله إن بلغ، وإلا شورك به في مثله.
قوله 14 (وَفَضْلُ الذُكُوَرِ وَما كَبَر مِنَ الإِنَاثِ في إنَاثٍ) أي وجعل فضل الذكور وما كبر من الإناث في إناث، وأشار به إلى ما رواه ابن القاسم عن مالك في بقرات محبسة يقسم ألبانها على المساكين فتوالدت، قال: ما ولدت من الإناث فهي كسبيلها 15، وما ولدت من الذكور فلضرابها، إلا أن تكثر فيباع من الذكور ما فضل عن نزوها، ويشترى بالثمن إناثًا يكن مقامها 16، وما كبر من الإناث حتى انقطع منها اللبن فتباع 17 كالذكور، ويرد ذلك في إناث يكن معها في علوفيتها 18. وعن ابن الماجشون في الإبل أو الغنم المحبسة تلد الذكور ويكثر ذلك منها: أنه لا يباع شيء منها، ولو صارت ضرورة لكثرة ما ينفق في رعايتها ومؤنتها، إذا كانت لا 19
الجزء: 4 - الصفحة: 658
تضر بغيرها من 20 الصدقة.
وهي كالرَّبْع الخرب 21.
قوله (لَا عَقَارٌ وَإنْ خَرِبَ) أي فإنه لا يباع، وقاله مالك في غير كتاب 22 وقال: وبقاء أحباس السلف داثرة دليل على منع ذلك 23. عياض: ورخص في موطأ ابن وهب في بيع ربع داثر، وبئر تعطل، وعوض به ربع ونحوه يكون حبسًا 24.
قوله (وَنُقِضَ وَلَوْ بِغَر خَرِبٍ) ابن شعبان: لا يباع نقض الوقف إذا خرب، ومن أصحابنا من أجاز بيعه ولا أقول به 25. ولا فرق 26 بين أن يعوض بثمنه شيئًا خربًا وغير خرب ولا يناقل بالربع الخرب ربعًا غير خرب.
ابن شعبان: ولا يناقل به 27 وإن خرب ما حواليه 28، وقد تعود العمارة بعد الخراب 29. وفي موطأ ابن وهب جواز ذلك 30. وقد نبه على القولين صاحب الرسالة بقوله: واختلف في المعاوضة بالربع الحزب بربع غير خرب 31.
قوله (إلا لَتَوْسِيعِ كَمَسْجِدٍ وَلَوْ جَبْرَا) يريد، أن العقار المحبس 32 لا يجوز بيعه إلا أن يحتاج إليه لتوسعة مسجد أو طريق ونحوه بجواره 33. قال مالك: وهو نفع عام للمسلمين، ونفع ذلك أعم من بيع الدار المحبسة، وقاله غير مالك ممن قبله 34.
الجزء: 4 - الصفحة: 659
وقال ابن زرب: لا يجوز ذلك 35 في الطريق، ويجوز في المساجد كانت من جوامع الأمصار أو غيرها 36. قال 37 ابن الماجشون: وذلك عندي في مثل جوامع الأمصار، فأما مساجد القبائل فلا 38. ووقع لأبي عمران في الجامع 39 يضيق وبجانبه حبس أنه لا يباع لتوسعته، وإن اشترى بثمنه مثله أو خيرا منه، ولكن يكرى 40 من مال الجامع 41. واختلف على الأول إذا أبوا البيع، هل يجبرون عليه، وهو قول الأكثر 42، أو يجبرون في مساجد الجوامع دون غيرها؟
قوله (وَأُمِرَ بِجَعلِ ثَمَنِهِ لِغَيِره) يعني، أن أرباب الدور المحبسة إذا بيعت لأجل توسعة المسجد أو الطريق فأخذوا الثمن، فإنهم يؤمرون بأن يجعلوه في حبس غيره، وقاله مالك وابن القاسم، ولا يقضى بذلك 43 عليهم 44، وقال ابن الماجشون: ويقضى بذلك عليهم 45.
قوله (وَمَنْ هَدَمَ وَقْفًا فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهُ) يريد أن من تعدى على وقف فهدمه فعليه إعادته على حالته التي كان عليها ولا يجوز أن تؤخذ منه 46 قيمته؛ لأن قيمته كبيعه.
وقيل تؤخذ وينظر، فإن كان حبسًا في السبيل، أو على الفقراء، والمساكين جعلت تلك القيمة في بناء تلك الدار.
وعلى قول أشهب: تصرف فيما هو أفضل 47.
الجزء: 4 - الصفحة: 660
قوله: (وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيةُ وَوَلَدِي 48 فُلَانٍ وَفُلَانةَ وأولادهم أَو الذُكُورُ والإِنَاثْ وَأْولادُهُمْ، الحَافِدَ) يريد أن لفظ الذرية يتناول الحافد 49 وهو ولد البنت، وكذلك لفظ ولدي فلان وفلانة وأولادهم أو الذكور والإناث ويكون حكم ولد البنات حكم ولد الذكور.
قال 50 ابن العطار: ولا خلاف أنه إذا قال: وقف على ذريتي، يدخل ولد البنات؛ لأن عيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 84، 85] وهو ولد بنته 51.
وفي المقدمات قول بعدم دخول ولد البنات 52 وهو يرد الاتفاق.
فإن قال وقف على أولادي فلان وفلانة وأولادهم، دخل في ذلك -أيضًا- ولد البنات.
قال في المقدمات: وهو مذهب 53 مالك وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين من شيوخنا الذين أدركناهم، إلا ما روى عن ابن زرب، وهو خطأ صراح لا وجه له، ولا يعد خلافًا 54. انظر بقية كلامه.
قال: وظاهر المذهب أن ولد البنات أيضًا يدخلون في قوله وقف على ولدي الذكور والإناث وأولادهم.
وفي الموازية فيمن قال لحبس على ولدي الذكر والأنثى، ثم قال: ومن مات منهم 55 فولده بمنزلته، أنه لا شيء لولد البنات.
قاله مالك 56، وأخذ منه بعضهم أن ولد البنات لا 57 يدخلون في شيء من ذلك.
قال ابن رشد: وهو أخذ ضعيف 58.
الجزء: 4 - الصفحة: 661
قوله (1) (لَا نَسْلى وَعَقِبى وَوَلَدي وَوَلَدِ وَلَدِي، وَأَوْلَادي، وَأَوْلادِ أَوْلَادي، وَبَنِيَّ وَبَني بَنِيَّ) أي: فإن ولد البنات لا (2) يدخلون في شيء من هذه الألفاظ الثمانية، والمذهب أنهم لا يدخلون في نسلي، وقيل: يدخلون.
ولم أر في عقبي خلافًا، والمعروف عدم دخولهم في قوله على أولادي، أو على ولدي خلافًا (3) لابن عبد البر، وغيره من المتأخرين (4).
والمنصوص أيضًا عدم دخولهم في ولدي وولد ولدي، وذكر ابن العطار: أن أهل قرطبة كانوا يفتون بدخولهم واختاره غير واحد (5). وأما قوله: على أولادي وأولاد أولادي فهو مثل ولدي وولد ولدي، فإن قال: علي بني وبني بني (6) فقال الباجي: الذي عليه جماعة أصحاب مالك أنهم لا يدخلون في ذلك.
وقيل: يدخلون (7).
قوله: (وَفِي وَلَدِي (8) وَوَلَدِهِمْ، قَوْلانِ) فقيل: يدخل ولد البنات وبه قضى ابن السليم (9) قال ابن العطار (10): وبه كان أهل قرطبة يفتون (11). وحكى ابن أبي زمنين عن مالك: عدم دخولهم (12).
(المتن)
وَالإِخْوَةُ الأُنْثَى، وَرِجَالُ إِخْوَتِي وَنِسَاؤُهُمُ الصَّغِيرَ، وَبَنِي أَبِي إِخْوَتَهُ الذُّكُورَ، وَأَوْلادَهُمْ، وَآلِي وَأَهْلِي الْعَصَبَةَ، وَمَنْ لَوْ رُجِّلَتْ عَصَّبَتْ وَأَقَارِبِي أَقَارِبَ جِهَتَيْهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ نَصْرَانيا، وَمَوَالِيهِ الْمُعْتَقَ، وَوَلَدَهُ وَمُعْتَقَ أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَقَوْمُهُ عَصَبَتَهُ فَقَطْ،596061626364656667686970
الجزء: 4 - الصفحة: 662
وَطِفْلٌ وَصَبِيٌّ، وَصَغِيرٌ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَشَابٌّ، وَحَدَثٌ لِلأَرْبَعَيْنِ، وَإِلَّا، فَكَهْلٌ لِلسِّتَّيْنَ، وَإِلَّا فَشَيْخٌ.
وَشَمِلَ الأنْثَى كَالأَرْمَلِ، وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ، لَا الْغَلَّةُ، فَلَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلَاحَهُ، وَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِزِيَادَةٍ، وَلَا يُقْسَمُ إِلَّا مَاضٍ زَمَنُهُ.