(مَوَاتُ الأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الاخْتِصَاص 1) الموات بفتح الميم هي 2: الأرض التي لا مالك لها 3، ولا ينتفع بها 4، قاله الجوهري 5. وعرفه اصطلاحًا بما ذكر.
قال 6 بعض الأشياخ: وهو أحسن ما قيل في هذا الباب.
وهو للغزالي، إلا أنه قال: عن الاختصاصات.
فجمع 7 إشعارًا منه بتعدد وجوه الاختصاص، لكن لما كانت الألف واللام يفيد الاسم معها 8 العموم، استغنى عن الجمع.
والاختصاص على وجوه، أشار إلى الأول 9 بقوله (بِعِمَارَةٍ ولَوِ انْدَرَستْ) أي: والاختصاص يكون بعمارة 10 وهو واضح؛ إلا أن العمارة تارة تكون ناشئة عن ملك ببيع أو هبة أو صدقة أو نحو ذلك.
ولا خلاف أن الاختصاص يثبت بذلك، ولو اندرست تلك العمارة، مثل أن يشترى
الجزء: 4 - الصفحة: 624
عرصة أو توهب له أو نحوه 11، يبنيها 12 ثم ينهدم ذلك البنيان وتعود عرصة كما كانت ولا يزول ملكه عنها 13 إلا على 14 ما خرجه في البيان في مسألة الصيد 15 إذا ندَّ من ربه، وقد حصَّل في المسألة 16 خمسة أقوال 17. وإن كانت العمارة ناشئة عن إحياء: وهي أن يأتي الرجل إلى موات من 18 الأرض فيعمره، ثم ينهدم ويعود كما كان، فاختلف هل يزول اختصاصه بزوال البناء المذكور، ويخرج عن ملك الباني 19، وهو قول ابن القاسم 20. وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لإِحْيَاءٍ).
أو لا يخرج عن ملك 21 الأول بذلك، ولا يجوز لغيره أن يحييها إلا برضاه، وهو قول سحنون، وعنه أيضًا: أنه فرق بين الأرض القريبة من العمران أنها تكون له، ولو عمرها غيره، وبين البعيدة تكون لمن عمرها ثانيًا 22. قال ابن رشد: وهو صحيح عندي على معنى ما في المدونة: أن ما قرب لا يحيا إلا بقطيعة من الإمام، فكأنه صار ملكًا 23.
قوله: (وَبِحَرِيمِهَا كَمُحْتَطَبٍ، وَمَرْعَىً يُلْحَقُ غُدُوّا وَرَوَاحًا، لِبَلَدٍ) أي: ويثبت الاختصاص 24 بحريم العمارة وغيرها مما ذكره، فليس لأحد أن ينشئ فيها ما يضر بأهلها من بناء أو غيرها 25، فحريم البلد: المواضع التي يؤخذ منها الحطب لنفع أهله،
الجزء: 4 - الصفحة: 625
والتي ترعى فيها مواشيها مما تدركه غدوًا ورواحًا.
سحنون: وما كان من العمارة على يوم ولا تدركه المواشي في غدوها ورواحها، فأراه بعيدًا.
وعنه: يجتهد ويشاور أهل الرأي 26.
قوله: (وَمَا لا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ، وَلا يَضُرُّ بماء لِبئْرٍ 27) هذا 28 إشارة إلى حريم البئر، وليس له حد مخصوص، إلا ما لا 29 يضر بمائها، ولا يضيق على دواب وارديها وقاله في المدونة، وغيرها 30. ابن غلاب 31 عن سحنون: حريم البئر، والأرض، والدار، والوادي في أرض غير مملوكة عشرون ذراعًا.
وقيل: ستون 32. وقال ابن نافع: حريم البئر العادية 33 خمسون 34، والتي ابتدئ عملها خمسة وعشرون 35. وعكس ذلك أبو مصعب 36، وزاد: وحريم بئر الزرع خمسمائة ذراع، وحريم النهر ما لا يضر أيضًا بمن يرده 37.
الجزء: 4 - الصفحة: 626
قوله: (وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ للِنَخْلَة 38) يعني، وحريم النخلة ما فيه مصلحة لها، وقد سأل ابن غانم مالكًا عن حريمها فقال: قدر ما يرى أن فيه مصلحتها.
قال: وقد سئل عن ذلك أهل العلم به فقالوا: من اثني عشر ذراعًا من نوأحيها كلها إلى عشرة أذرع قال وذلك حسن 39 وسئل عن الكرم أيضًا وعن كل شجرة أهل العلم بها فقالوا 40 لكل شجرة قدر مصلحتها 41.
قوله: (ومَطْرَحِ ترابٍ، ومَصَبٍّ مِيزَابٍ لِدَارٍ) أي: وأما حريم الدار: فهو ما يرتفق به أهلها من مطرح تراب، ومصب ميزاب ونحو ذلك، وهذا في الدار المحفوفة بالموات.
وأما الدار 42 المحفوفة بالأملاك فقد أشار إليها بقوله: (وَلَا تَخْتَصُّ مَحْفُوفَةُ بأَمْلاكٍ، ولكُل الاِنْتِفَاعُ مَا لَمْ يَضُرَّ) ومراده بذلك أن الدار إذا كانت مكتنفة بالأَملاك لا اختصاص 43 لمالكها بشيء عن غيره، ولكن لكل واحد أن ينتفع بملكه وحريمه، ما لم يضر بالآخر.
قوله (وَبِإِقْطَاعٍ) هو معطوف على قوله (وبِحَرِيمِهَا) ومراده أن الاختصاص أيضًا يثبت بإقطاع 44 الإمام الأرض له، وهو تمليك، فله أن يبيع، ويهب، ويتصدق ويورث عنه وليس من الإحياء 45، وإنما هو تمليك مجرد، رواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم 46. اللخمي: وهو ظاهر المذهب.
قوله: (وَلَا يَقْطِعُ مَعْمُورَ 47 الْعَنْوَةِ ملْكًا) أي: ولكن يقطعه انتفاعًا 48، يريد وله أن
الجزء: 4 - الصفحة: 627
يقطع البور والمعمور من غير أرض العنوة.
قال في البيان: وهو ظاهر ما في كتاب الداودي، ومثله عن مالك من رواية ابن القاسم، قال: لا أرى للإمام أن يقطع أحدًا من أرض العنوة 49.
قوله: (وبِحِمَى إِمَامٍ مُحْتَاجًا 50 إِليْهِ 51 قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ) أي: وكذلك يثبت الاختصاص لحمى الإمام بشرط: أن يكون الحمى مما يحتاج إليه وأن يكون قليلًا في بلد العفاء، التي لا عمارة فيها بغرس ولا بناء مما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمراعي، وأن يكون للجهاد ونحوه.
قوله: (وَافْتَقَرَ لإذْنٍ وَإنْ مُسلمًا إنْ قَرُبَ، وإلَّا فَلِلإمَامِ إمْضَاؤُهْ أوْ جَعْلهِ مُتعدِّيًا) أي: وافتقر الإحياء إلأ إذن الإمام فيما قرب من العمارة، وإن كان المحيي مسلمًا، وهذا هو المشهور، وقال أشهب: لا يحتاج إلى إذنه 52. فلو فرعنا على المشهور فأحيا ولم يأذن له، فقال مالك، وابن القاسم: للإمام إمضاء فعله أو جعله متعديًا 53، فيعطيه قيمة بنائه منقوضًا، ولا يبعد أن يعطى قيمته قائمًا لأجل الشبهة، كما قال أشهب.
وقيل: أن الإمام يخير في أربعة أوجه، إن رأى أن يقره له، أو للمسلمين ويعطيه قيمته منقوضًا 54 أو يأمره بقلعه، أو يقطعه 55 لغيره ويكون 56 للأول قيمته منقوضًا.
قوله (بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) أي: فإنه لا يفتقر إلى إذن.
ابن رشد: وهو المشهور 57. ونسبه
الجزء: 4 - الصفحة: 628
في النوادر لما لك، وابن القاسم، ومطرف، وعبد الملك (1)، وأصبغ، وسحنون (2) وعن ابن نافع (3): لا بد فيه من إذن الإمام (4). قوله (وَلَوْ ذِمِّيَا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَب) أي: فيجوز للذمي أن يحيي ما بعد بغير إذن الإمام في غير جزيرة العرب قال ابن القاسم: ويملكه كالمسلم لعموم الخبر (5)، إلا أن يحيي بجزيرة العرب فله قيمة ما عمّر ويخرج عنه (6). وعن ابن القصار: ليس للذمي إحياء في دار (7) المسلمين (8). وقيل: إن عمّر فيما بعد فهو له، وفيما قرب ولو بعد إذن الإمام فيعطى قيمته.
(المتن)
وَالإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبِإِخْرَاجِهِ وَبِنَاءٍ، وَبِغَرْسٍ وَبِحَرْثٍ وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ، وَبِقَطْعِ شَجَرٍ، وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا، لَا بِتَحْوِيطٍ وَرَعْي كَلإٍ، وَحَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ.
وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ، وَعَقْدُ نِكَاحٍ، وَقَضَاءُ دَيْنٍ، وَقَتْلُ عَقْرَبٍ، وَنَوْمٌ بِقَائِلَةٍ، وَتَضْيِيفٌ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ، وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إِنْ خَافَ سَبْعًا، كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ، وَمُنِعَ عَكْسُهُ، كَإِخْرَاجِ رِيحٍ، وَمُكْثٍ بِنَجِسٍ، وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وَيحَكَّهُ وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ، وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ، وَسَلُّ سَيْفٍ، وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ، وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ، وَرَفْعُ صَوْتٍ كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ، وَوَقِيدُ نَارٍ، وَدُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ، وَفَرْشٌ، أَوْ مُتَّكَأٌ، وَلِذِي مَأْجَلٍ، وَبِئْرٍ، وَمِرْسَالِ مَطَرٍ، كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ، إِلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ.
وَالأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ،