قوله: (صِحَّة الجُعلِ بالتِزامِ أهل الإِجارةِ) يريد: أن من شرط 1 صحته أن يكون الملتزم له ممن تصح منه الإجارة، كان جاعلًا، أو مجعولًا له، إلا أنه لم ينص على شروط عاقد الإجارة، وإنما شبهه بعاقد البيع، فقال: صحة الإجارة بعاقد وأجر كالبيع، وعلى هذا كان الأليق أن يقول: صحة الجعل بعاقد كالبيع؛ إذ التشبيه بالأصل أولى منه بالفرع، ولعلَّه إنما شبهه 2 بالإجارة؛ تنبيها منه على أنها أصل للجعالة.
قوله: (جُعلًا) معمول لقوله (بالتزام).
قوله: (عُلِمَ) أي: يشترط في الجعل أن يكون معلومًا، فلا يصح بالمجهول؛ لأن الجعالة كالإجارة، والجعل كالأجرة 3.
قوله: (يستَحِقُّه السَّامِعُ 4 أي: سواء كان من شأنه طلب الأُبَّاق، أم لا، وهو قول ابن القاسم في العتبية، فإذا قال: من يأتيني بعبدي الآبق فله كذا، فجاء به من لم يسمعه لم يكن له شيء، إلا أن يكون شأنه طلب الأباق.
وقال عبد الملك وأصبغ وغيرهما: يستحقه سواء سمعه أم لا، ورواه ابن حبيب عن مالك 5.
قوله (بالتَّمامِ) أي: يستحقه 6 بتمام العمل، ولعله 7 فيما لا يحصل للجاعل فيه نفع
الجزء: 4 - الصفحة: 616
إلا بتمام العمل، وإلا فمتى حصل له ذلك ولو لم يتم العمل، فينبغي أن يكون له مقدار ما 8 انتفع به، كما سيذكره بقوله 9: (كَكِرَاء السُّفُنِ، إلا أن يَستأجِرَ على التَمامِ فبِنِسبَةِ الثَّاني) هو مثال لما يكون حكمه حكم الجعالة، أي: وكذلك ما أشبهه، كمشارطة الطبيب على البرء والمعلم لحفظ القرآن والحافر على استخراج الماء بتعريف شدة الأرض وبعد الماء والمغارسة كلها مترددة بين الجعل والإجارة 10، وقوله: (إلا أن يستأجر على التمام) 11، هو مستثنى مما فهم من قوله أنه: يستحقه 12 بالتمام، أي: فإن ترك العمل قبل تمامه فلا شيء له، إلا أن يستأجر ربه من يتم له ذلك العمل، يريد: أو يجاعل من يتم له العمل 13؛ إذ لا فرق في هذا بين الجعل والإجارة، فيكون للأول نسبة ما أخذ الثاني، وقاله مالك في العتبية فإذا جاعله على إتيان خشبة 14 بعشرة، فجاء بها إلى نصف الطريق ثم ترك، فجاعل 15 غيره ثانيًا بعشرين؛ فإن الأول يكون له عشرون نسبة جعل الثاني 16، وقال ابن يونس 17: ينبغي أن يعطى نصف جعله الأول وهو خمسة؛ لأن المغابنة جائزة في الجعل وغيره، ونحوه للتونسي 18، ولابن القاسم قول: أن للأول قيمة عمله يوم عمل، ولابن كنانة يوم عمل الثاني كانت القيمة مثل الجعل أو أقل أو أكثر 19. قوله: (وَإن استُحِقَّ ولو بِحُرِّيةٍ) يريد: أن المجعول له يستحق الجعل على الجاعل إذا
الجزء: 4 - الصفحة: 617
أتى بالعبد ولو استحق بحرية إذا لم يقبضه الجاعل؛ لأنه هو الذي أدخله في العمل، ولا إشكال في لزوم ذلك إذا استحق برق، ولا شيء على المستحق عند ابن القاسم، وقال محمد: يرجع عليه الجاعل بالأقل من ذلك، أو من جعل مثله 20. ابن رشد: وهذا إذا أخذ المستحق العبد، وأما إن أجاز البيع وأخذ الثمن؛ فالجعل 21 على الجاعل اتفاقًا 22.
واختلف إن استحق 23 بحرية، فقال ابن القاسم: له الجعل أيضًا على الجاعل، وقال أصبغ لا شيء له على الجاعل 24.
قوله: (بِخِلافِ مَوتِهِ) أي: فإن المجعول له لا يستحق على الجاعل شيئًا، يريد: إذا لم يوصله لربه؛ لأن العمل لم يتم له، كما لو هرب منه، وأما إن قبضه منه ثم مات، فإن له عليه جعله كاملًا.
قوله: (بِلا تقدِيرِ زَمَنٍ 25، إلا بشرطِ تركٍ متى 26 شَاءَ) أي: فلا يجوز ضرب الأجل في الجعالة؛ لأن ذلك مما يزيد في غرر الجعل، وليس كالإجارة؛ إذ قد 27 ينقضي الأجل قبل تمام العمل، فيذهب عمله باطلًا، أو 28 يأخذ ما لا يستحقه 29، إلا أن يشترط عليه أنه يترك عمله 30 متى شاء، قال في المدونة: ومن قال لرجل بع هذا الثوب في هذا اليوم ولك درهم، لم يصح 31، إلا أن يشترط أنه يترك متى شاء 32، قال: لأنه إن مضى اليوم
الجزء: 4 - الصفحة: 618
ولم يبع ذهب عمله باطلًا، وإن باعه 33 في نصفه أخذ الجعل كاملًا وسقط عنه بقية عمل 34 اليوم، فهذا خطر، والجعل لا يكون مؤجلًا، إلا أن يكون متى شاء أن يردَّه ردَّه 35، يريد: لخفة الغرر.
قوله: (وَلا نَقدٍ مُشتَرطٍ) هو معطوف على قوله: بلا تقدير زمن 36، واحترز بهذا مما إذا نقد من غير شرط، فإن ذلك جائز؛ إذ لا محذور فيه، بخلاف المشترط، إذ قد لا يتم العمل لعدم وجدان الآبق، أو هروبه بعد أن وجده وقبل وصوله، فيكون تارة جعلًا، وتارة سلفًا.
قوله: (في كُلِّ مَا جَازَت فِيهِ الإِجارةُ، بِلا عَكسٍ) هذا متعلق بقوله: صحة الجعل، والمعنى: أن الجعل يجوز في كل ما جازت فيه الإجارة، ولا ينعكس، أي: ليس كل ما جاز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، وقاله في المدونة 37. وجعل في المقدمات الأعمال 38 ثلاثة أقسام: قسم يصح فيه الجعل والإجارة، وقسم لا يصحان فيه -وقد ذكرنا أمثلتهما في الكبير-، ثم قال 39: وقسم تصح فيه الإجارة دون الجعل، كخياطة الثوب، وخدمة الشهر، وبيع السلع الكثيرة، والسلعة الواحدة التي تباع من جاعل ويعلم أن الثمن فيها 40 موجود، أو على أن تباع ببلد آخر، وما أشبه ذلك مما يبقى للجاعل فيه منفعة وإن لم يتم المجعول له العمل 41. فانظر هذا القسم مع الكلية التي ذكرها الشيخ.
قوله: (وَلَو في الكثِيرِ) يريد: أنه ليس من شرط الجعل أن يكون في القليل.
ابن رشد: وإن كان عبد الوهاب وغيره قد قاله فليس بصحيح، والصحيح أنه جائز في
الجزء: 4 - الصفحة: 619
القليل والكثير مما لا يحصل للجاعل (1) فيه منفعة إلا بتمام العمل (2).
وقد أجاز في المدونة الجعل على شراء القليل والكثير من السلع وغيرها، ومنع ذلك في بيع ما كثر دون ما قلّ (3)، وتأولها ابن يونس، وعياض، وجماعة من القرويين وغيرهم على أن عرف الجعل عندهم في البيع أنه لا يأخذ شيئًا حتى يبيع جميع (4) السلع (5)، وإليه أشار بقوله: (إِلا كبيعِ سِلعٍ لا يأخُذُ شيئًا إلا بالجميعِ).
ابن يونس، وغيره: ولو كان على أن ما باع فله بحسابه، فإنه جائز، وتأولوا أيضًا إطلَاقه في الشراء، على معنى أن عرفهم فيه أنه مهما اشترى شيئًا أخذ بحسابه، ولو كان لا يأخذ شيئًا إلا بعد شراء الجميع لما جاز، فاختلاف الحكم إنما هو لاختلاف الغرض (6)، ولو اتَّحد الغرض (7) لاتَّحد الحكم.
قوله: (وَفي شرطِ مَنفَعَةِ الجاعِلِ (8): قولانِ) هو كقوله في المقدمات (9): واختلف هل من شروط صحته أن يكون للجاعل فيه منفعة، أو لا (10)؟ على قولين (11).
(المتن)
وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَع جُعْلُ مِثْلِهِ إِنِ اعْتَادَة، كَحَلِفِهِمَا بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا، وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ، وإِلَّا فَالنَّفَقَةُ، وَإِنْ أفْلَتَ فَجَاءَ بِهِ آخَرُ فَلِكُلٍّ نِسْبَتُة، وَإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ وَذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ.
وَلَزِمَتِ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ، وَفِي الْفَاسِدِ جُعْلُ الْمِثْلِ، إِلَّا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا فَأُجْرَتُهُ.