قوله: (عكس تلف الزرع لكثرة دودها، أو فأرها، أو عطش، أو بقي القليل) المراد بالعكس هنا المقابلة، وهو أن الكراء جميعه يجب فيما تقدم، وهو هنا يسقط جميعه، ومعنى كلامه: أن تلف الزرع إذا كان من جهة الأرض، إما لكثرة دودها، أو لكثرة فأرها، أو عطشها؛ فإن الكراء يسقط عن المكتري وكذلك إذا تلف الزرع ولم يبق منه إلا القليل الذي لا بال له، كالخمسة أفدنة 5 والستة من المائة، أو مقدار الزريعة مرة أو مرتين.1234
الجزء: 4 - الصفحة: 605
قوله: (ولم يجبر آجر على إصلاح مطلقًا) يريد: أن مالك الدار المكتراة لا يجبر على إصلاحها للمكتري، سواء كان ما يحتاج إلى الإصلاح مما يضر بالساكن، أم لا، أمكن معه السكنى، أم لا، ويخير المكتري بين أن يسكن بجميع الكراء، أو يفسخ ذلك عن نفسه، وهو قول ابن القاسم وقال غيره في المدونة: يجبر.
ابن عبد السلام: والعمل عليه في زماننا 6. وقيل: إن كانت الدار لا تصلح للسكنى إلا بإزالة ذلك الضرر أجبر، وإلا فلا.
قوله: (بخلاف ساكن أصلح له بقية المدة قبل خروجه) يعني: فإن أصلح رب الدار ذلك المنهدم للمكتري قبل خروجه من الدار، لزمه الكراء بقية المدة، وليس له خروج.
قال في المقدمات: ولو بنى بعد أن خرج، لم يكن له 7 الرجوع إليها، إلا أن يشاء 8. وقوله:
(أصلح له بقية المدة)، أي: بقية مدة الكراء قبل انقضائها وقبل خروجه منها.
قوله: (وإن اكتريا حانوتًا، فأراد كل مقدمه؛ قسم إن أمكن، وإلا أكرى عليهما) فرضها في المدونة في قصار وحداد اكتريا حانوتًا، فأراد أحدهما مقدم الحانوت يجلس فيه، قال فيها: ولم يقع 9 كراؤهما على أن لأحدهما مقدم 10 الحانوت من مؤخره؛ فالكراء لهما لازم، ويقسم الحانوت بينهما إن انقسم، وإلا أكري عليهما؛ لأنه ضرر، والبيت مثله 11.
قوله: (وإن غارت عين مكرى سنين بعد زرعه، أُنْفِقَتْ 12 حصة سنة فقط) يريد: أن من اكترى أرضًا ليزرعها سنين، فغارت عينها بعد أن زرع.
قال في المدونة: أو انهدم بئرها، وأبى رب الأرض أن ينفق عليها 13، فللمكتري أن ينفق فيها
الجزء: 4 - الصفحة: 606
حصة تلك السنة خاصة من الكراء، ويلزم ذلك ربها، وإن زاد على حصة سنة فهو متطوع 14. أبو إسحاق: وإنما كان للمكتري أن ينفق حصة السنة للضرورة 15؛ لأنه متى ترك ذلك فسد زرعه، ولا وكلا لرب الأرض؛ إذ لو بطل زرع هذه السنة لم يكن له كراء، فلا يمنع من أمر ينتفع به غيره، ولا ضرر عليه فيه.
أي: وأما إذا حصل ذلك قبل الزرع، فإنه لا ينفق شيئًا عليها إن أبى رب الأرض؛ إذ لم يتقدم له فيها عمل، بخلاف من زرع، وإنفاقه حصة سنة هو المذهب، وقال عبد الملك: له أن ينفق كراء السنين التي وقع العقد عليها؛ لأنها صفقة واحدة 16.
قوله: (وإن تزوج ذات بيت وإن بكراء، فلا كراء، إلا أن تبيَّن) يريد: أن من تزوج امرأة صاحبة بيت، أو مالكة لمنفعته بكراء من غيرها، فلا كراء لها عليه إذا سكن معها فيه إلا أن تبيَّن له ذلك، فتقول له: إنى ساكنة بالكراء، فإما أن تؤدى ذلك، وإلا خرجت.
وقاله ابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: عليه الأقل من كراء المثل، أو ما 17 اكترت به 18.
قوله: (والقول للأجير أنه وصَّل كتابا) يريد: أن من آجر رجلا على أن يبلغ له كتابا إلى موضع كذا، فقال: قد بلغته إلى المكان المشترط، وقال الآخر: لم توصله؛ فإن القول قول الأجير، قال في المدونة: يصدق 19 في أمد يبلغ في مثله؛ لأنه ائتمنه عليه، وعليه دفع 20 كرائه إليه، وقال غيره فيها: على المكتري 21 البينة أنه أوفاه حقه وبلغه غايته 22.
قوله: (وأنه استصنع، وقال: ربه 23 وديعة) أي: وكذا يكون القول قول الأجير أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 607
استعمله فيما بيده، وهو مراده بالاستصناع، وقال رب المتاع: بل هو وديعة، وقاله في المدونة، وقال غيره: بل الصانع مدع 24.
قوله: (أو خولف في الصفة 25) أي: كما لو خاطه قميصا، فقال: إنما أمرتك بخياطة جبة، أو صبغه أحمر، فقال: إنما أمرتك أن تصبغه أسود، أو نحو ذلك.
قوله: (وفي الأجرة، إن أشبه، وحاز 26) أي: وهكذا يكون القول للأجير إذا ادعى من الأجر ما يشبه، وخالفه في ذلك رب المتاع وقال: بل عملته بلا أجر، وقاله في المدونة، وزاد: وإن لم يشبه، رد إلى أجر مثله 27. قال عبد الحق: ويحلف رب المتاع، ليسقط عنه ما زاد من التسمية على أجرة المثل، وقال غير ابن القاسم في المدونة: يحلف الصانع ويأخذ الأقل مما ادعى، أو من أجرة مثله 28، وعلى هذا فيحلفان جميعا، يحلف الصانع أنه لم يعمله بغير أجر، ويحلف الآخر أنه استعمله 29 بتلك التسمية، ثم يأخذ أجرة المثل.
ابن يونس: وهذا إذا كان بينهما ما يشبه أن يعمله له باطلا، فإن لم يكن أخذ المسمى إن كان الأقل بغير يمين، وإن كانت الأجرة أقل حلف صاحبه فقط ودفع أجرة المثل، فإن نكل حلف الصانع وأخذ المسمى.
قال بعض الأشياخ: وهذا إذا اختلفا بعد أن أسلمه، فإن لم يسلمه حلف الصانع وحده على التسمية فيأخذها قولا واحدا إذا أشبه.
فقيد قول الأجير بأن يشبه، وأن يكون حائزا للمتاع لم يسلمه لربه، وعلي هذا فيكون قوله: (وحاز)، بالحاء الهملة والزاي، ويجوز أن يقرأ بالجيم والزاي من الجواز، ويكون احترز به مما إذا ادعى الأجير ما لا يجوز، فإنه لا يصدق، والأول أظهر.
قوله: (لا كبناء) أي: فلا يصدق الصانع؛ لعدم حوزه للبناء المذكور.
ابن شاس 30:
الجزء: 4 - الصفحة: 608
والقول قول ربه مع يمينه؛ لأنه حائز لذلك، إلا أن يدعى ما لا يشبه (1).
قوله: (ولا في رده) هو كقوله في المدونة: وإذا أقر الصانع بقبض متاع، وقال: عملته ورددته، ضمن، إلا أن يقيم بينة برده (2).
قوله: (فلربه) أي: فالقول في ذلك لربه.
قوله: (وإن بلا بينة) يريد: لأنه مقر بالقبض، فلا يصدق في الرد إلا ببينة، وقال ابن الماجشون: لا يضمن الصانع (3)، إلا إذا قبضه ببينة (4).
(المتن)
وإِنِ ادَّعَاهُ، وَقَالَ: سُرِقَ مِنِّي، وَأَرَادَ أَخْذَهُ دَفَعَ قِيمَةَ الصِّبْغِ بِيَمِينٍ، إِنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا، وإِنِ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ، فَإِنْ دَفَعَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ فَلا يَمِينَ، وإِلَّا حَلَفَا وَاشْتَرَكَا، لا إِنْ تَخَالَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ وَأَبَى مِنْ دَفْعِ مَاه اللَّات فَمِثْلُ سَوِيقِهِ.
وَلَهُ وَلِلْجَمَّالِ بِيَمِين فِي عَدَمِ قَبْضِ الأُجْرَةِ وإِنْ بَلَغَا الْغَايَةَ، إِلَّا لِطُولٍ فَلِمُكْتَرِيهِ بِيَمِينٍ، وإِنْ قَالَ: بِمِائَةٍ لِبَرْقَةَ، وَقَالَ: بَلْ لإفْرِيقِيَةَ حَلَفَا.
وَفُسِخَ إِنْ عُدِمَ السَّيْرُ، أَوْ قَلَّ وإِنْ نَقَدَ، وإِلَّا فَكَفَوْتِ الْمَبِيعِ،