قوله: (القسمة 1) الأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8] الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ ... ﴾ [الصافات: 141] وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44].
وقد أقرع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الأعبد الستة، فأعتق اثنين وأرق أربعة"، وقال عليه السلام: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها 2 كمثل قوم استهموا سفينة" الحديث.
وقد نبه على أنها أنواع، وأشار إلى الأول منها بقوله: (تهاني 3 في زمن) أي: أن النوع الأول منها 4 يسمى تهاني 5؛ لأن كلا 6 منهما هنى صاحبه بما دفع له، وغالب عبارة 7 الأشياخ تسميتها مهانأة ومهايأة -بالنون والياء-، فالأول من هنى كما تقدم، والثاني
الجزء: 4 - الصفحة: 473
من هيأ الشيء، إذا جهزه لصاحبه.
وهذه قسمة المنافع، وأصلها الإجارة، فيجوز فيها ما يحوز في الإجارة، ويلزم ما يلزم فيها؛ ولهذا قال: (كالإجارة)، وذكر لها مثالين: الأول: أن يكون عبد بين رجلين يخدم هذا شهرًا وهذا شهرًا، قال في المقدمات: ولا خلاف أن ذلك لا يجوز في المدة الكثيرة، وأنه يجوز في المدة اليسيرة، إلا أنهم اختلفوا في حدها 8 -أي: اليسيرة- فقال ابن المواز: يجوز في مثل 9 الخمسة أيام فأقل 10، ولا يجوز في أكثر من ذلك 11.
وفي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك تجوز في الشهر قلت: وإلى هذا أشار بقوله: (كخدمة عبد شهر) وقال 12 ابن القاسم: وأكثر من ذلك قليلا.
ابن رشد: وأما التهايؤ في الدور والأرضين، فيجوز فيهما السنون 13 المعلومة والأجل البعيد 14 ككرائها 15، قاله 16 ابن القاسم 17 في المجموعة.
قلت: وهذا هو المثال الثاني من كلام الشيخ، وإليه أشار بقوله: (وسكنى 18 دار سنين 19)، واستغنى عن قوله: (معلومة) بتشبيهها بالإجارة؛ لأن ذلك شرط فيها، ولهذا قيل 20: وإذا كان ذلك في أرض الزراعة فلا يجوز، إلا إذا كانت مأمونة الري 21 مما يجوز فيه النقد.
الجزء: 4 - الصفحة: 474
ابن رشد: وأما التهاني 22 على الاغتلال، فلا يجوز في المدة الكثيرة باتفاق، واختلف في المدة اليسيرة كاليوم ونحوه 23، ففي كتاب محمد: لا يجوز ذلك في الدابة والعبد وإن كان ذلك يومًا واحدًا -وإليه أشار بقوله: (لا في غلة ولو يوما) 24، محمد 25: وقد سهل في ذلك اليوم الواحد.
ونبه بقوله: (في زمن) على أن التهاني تارة يكون في الأزمان، وتارة يكون في الأعيان، مثل: أن يكون بينهما عبدان أو داران، فيستخدم هذا عبدًا وهذا يستخدم 26 عبدًا، أو يسكن كل 27 منهما دارًا، أو يغتل ذلك، وقد أجرى ابن رشد 28 الكلام في الأعيان على ما تقدم في الأزمان ثم انتقل إلى النوع الثاني من أنواع القسمة فقال: (ومراضاة فكالبيع) وإنما سمى هذا النوع قسمة مراضاة؛ لأنها لا تكون إلا برضا الشريكين، وهي بيع إن كانت بغير تعديل ولا تقويم، واختلف إن كانت بتعديل وتقويم، هل حكمها حكم البيع، أو لا؟ ، وأطلق بعضهم الخلاف فيها، وليس من شرطها اتحاد الجنس؛ لما علمت أنها بيع، ولهذا لا يحكم بها عند التنازع.
واختلف في جوازها بالقرعة، والمشهور عدم الجواز، وقال اللخمي، وابن رشد: لا خلاف أنها بيع 29.
قوله: (وقرعة هذا هو النوع الثالث، وهو المعبر عنه بقسمة القرعة)، وهذا النوع هو المقصود في هذا الباب؛ وذلك 30 لأن النوع الأول كالإجارة، والثاني كالبيع.
قوله: (وهي 31 تمييز حق) عياض: والصحيح من مذهبنا أنها تمييز حق وإن كان
الجزء: 4 - الصفحة: 475
قد أطلق عليها أنها بيع، واضطرب فيها 32 قول ابن القاسم وسحنون.
وقال في المقدمات: نص مالك في المدونة على أنها بيع، وذهب سحنون إلي أنها تمييز حق، وقد اضطرب فيها قول ابن القاسم 33 على ما تقتضيه مسائله في المدونة وغيرها، وصوب اللخمي كونها بيعًا.
قوله: (وكفى قاسم) هذا هو الصحيح، والاثنان أولى، وذهب ابن شعبان: إلى أنه لا بد من اثنين، وغلب على ذلك 34 حكم الشهادة، وبالأول قال ابن حبيب.
قوله: (لا مقوم) أي: فإنه لا يكفى، ولا بد معه من آخر، وفي ذلك خلاف تقدم، وسيأتى الكلام عليه أيضا.
قوله: (وأجره بالعدد) أي: وأجر القاسم مأخوذ من عدد الشركاء، وهو مذهب المدونة 35. وقيل: عن الحصص 36، والقولان لابن القاسم.
وبالثانى قال أشهب، وابن الماجشون 37، وأصبغ، الباجي في وثائقه: وبه جرى العمل.
المتيطي: وقال 38 غير واحد من الموثقين القول الأول أظهر، وبه القضاء؛ لأن تعبه في تمييز النصيب اليسير كتعبه في الكبير 39.
قوله: (وكره) أي: وكره 40 أجر القاسم، وهكذا نص عليه في المدونة، والعتبية، وغيرهما.
قال في المدونة: وأكره لقسَّام القاضي أن يأخذوا على القسم أجرا 41؛ لأنهم إنما يعرض 42 لهم في أموال الأيتام، قال فيها: وكان ربيعة وخارجة يقسمان ولا يأخذان
الجزء: 4 - الصفحة: 476
جعلا.
ابن حبيب 43: وإنما كره لهم ذلك، لأنهم يأخذونه من مال الأيتام وغيرهم، وأما إن أجرى لهم شيء من بيت المال؛ فلا بأس به.
قوله: (وقسم العقار وغيره بالقيمة) ابن شاس: وهذا إذا كانت الدار 44 مختلفة البناء، والبستان مختلف الغراس، تختلف قيمة كل شئ منه من نخل وشجر وغيرهما، فإنه يعدل بالقيمة ويضرب عليها بالسهم 45. ولا بد من تقييد كلامه هنا بكون ذلك مختلفا، وإلا فمتى تساوى بنيان الدار 46 ومنافعها، وكذلك العقار؛ جاز قسمه بالمساحة.
قوله: (وأفرد كل نوع) أي: من أنواع المقسوم، أو 47 كل صنف من أصنافه، يريد: إذا كان متباعدا، كما سيتبين لك؛ لأنه مما يؤدى إلى الغرر.
وحكي ابن عبدوس: جواز 48 جميع 49 ذلك في القسمة برضاهم 50.
قوله: (وجمع دور أو أقرحة ولو بوصف، إن تساوت قيمة ورغبة، وتقاربت كالميل، إن دعا إليه أحدهم) أشار بهذا إلى قول مالك في المدونة: وإذا كان بين قوم دور، أو قرى، أو حوائط، أو أقرحة -وهي الفدادين-، فسأل 51 بعضهم جمع كل صنف من ذلك في القسم ليجتمع له حظه في موضع 52، وقال آخرون بل تقسم كل دار أو حائط أو 53 نحوه على حدة، فإن كانت الدور في النَّفاق والرغبة في مواضعها والتشاح فيها
الجزء: 4 - الصفحة: 477
سواء، و 54 كان بعضها قريبا من بعض، جمعت في القسم 55. فشرط في الجمع شرطين: التساوى في النفاق 56 والرغبة، والتقارب في المسافة.
وقال في موضع آخر: كالميل ونحوه 57، قال: وإن تباعد ما بين ذلك كاليوم ونحوه، لم يجمع في القسم.
ابن رشد: وقيل القرب الميلان، ونحوهما 58. وقال ابن عتاب، وغيره: القرب عشرون ميلا 59، ولابن حبيب في كتابه: الثلاثون ميلا قريب، ولم يشترط أشهب غير التقارب.
وقال سحنون بقول أشهب في الأرضين، وبالقول الأول في الدور.
قال في المدونة: ويجوز أن يقسما دارا غائبة على ما يوصف لهما من بيوتها وساحتها 60، ويميزا حصتيهما 61 بالصفة 62، كبيعها على الصفة 63، وإلى هذا أشار بقوله: (ولو بو صف).
قوله: (ولو بعلا وسيحا) يريد: أنه لا يشترط في قسمة الأرض 64 أن تكون متساوية من كل وجه، بل يجوز أن يجمع الأرضون في القسم ولو كانت إحداهما تسقى بالسيح من العين من غير نضح، والأخرى بعلا، الباجى: وهو المشهور، وقاله في الموطأ، لأنهما يزكيان بالعشر، بخلاف النضح الذي يزكى بنصف العشر، ولمالك من رواية ابن وهب في المجموعة نحوه 65.
الجزء: 4 - الصفحة: 478
واستقرأ اللخمي 66 مما له في المدونة: في القوم إذا ورثوا أراضى وأرادوا جمعها في القسم، أن كل أرض تقسم على حدة، إن اختلفت في الكرم 67 والعيون، أن ذات البعل لا تجمع مع ذات العين ولا ذات البئر، ولا ذات عين مع ذات بئر، ولا يخلو الأرضون من ستة أوجه: إما أن تكون كلها 68 بعلَّا، أو سقيهما معا بالعيون، أو سقيهما بالغرب أو إحداهما بعلًا والأخرى بالعين أو بالبئر، أو بالغرب، اللخمي: فعلى قول ابن القاسم لا يجمعان إلا إذا تساويا، وقال أشهب: يجمع البعل مع السقي 69، وهو مثل قول ابن القاسم، قال: وروى ابن وهب عن مالك: أنه يقسم 70 البعل مع العيون إذا كانا مشتبهين 71 في الفضل وهو خلاف قول ابن القاسم وأشهب 72، وقال ابن مسلمة: يقسم 73 البعل مع العيون 74، ولا يقسم البعل مع النضح إلا برضا أهله 75. وفي الواضحة: لا يجمع البعل مع السقى، ومثله في سماع أشهب 76. ابن زرقون: ولا يجمع النضح مع البعل ولا مع السيح بلا خلاف 77، إلا على رواية النخلة والزيتونة.
قوله: (إلا معروفة بالسكنى فالقول لمفردها) هذا مستثنى من قوله: (وجمع دور)، ويعنى به: أن من دعا إلى جمع الدور في القسمة فإن القول قوله، إلا أن تكون دارًا معروفة بسكنى من كانت له، فالقول قول من دعا إلى إفرادها، يريد: إن حملت القسم، وقد وقعت هذه المسألة في المدونة بألفاظ مضطربة، فعند الأكثر على ما في كتاب ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 479
حبيب: أن الرجل الشريف إذا هلك وترك دارًا كان يسكنها ولها 78 حرمة بسكناه وترك دارًا غيرها، فتشاح الورثة في تلك الدار فأراد كل واحد أخذ حظه 79 منها؛ فإن كانت الدار تقسم قسمت وحدها 80.
وحملها 81 ابن أبي زمنين على ما إذا لم يكن للميت دار غيرها، قال: ولو كان معها دار 82 غيرها لجمعت في القسم ولا كلام للوارث، بخلاف ما قاله ابن حبيب، وإليه ذهب أبو عمران 83، وإليه أشار بقوله: (وتؤولت أيضا بخلافه).
قوله: (وفي العلو والسفل تأويلان) قال مالك في المدونة: في الرجلين تكون بينهما الدار، يأخذ أحدهما العلو 84 والآخر السفل، إن ذلك جائز.
عياض: قال بعضهم إنما يجوز ذلك بالمراضاة لا بالقرعة، على ما فسره عبد الملك، وما في كتاب ابن شعبان، قال: وذهب الأكثر 85 إلى جواز ذلك على الوجهين بالسهم والمراضاة، ورجح ذلك 86 أبو عمران، وهذان التأويلان هما مراده هنا.
قوله: (وأفرد كل صنف كتفاح، إن احتمل) يريد: أن كل صنف من أصناف الفواكه، أي: والتمر 87 وغيره يقسم مفردًا إن احتمل القسم، يريد: وكل صنف منها في غير الحائط الذي فيه الآخر، وأما إن كان الجميع في حائط واحد، 88: فإن ذلك كله يقسم بالقيمة ويجمع في القسم، وإلى هذا أشار بقوله: (إلا كحائط فيه شجر مختلفة) ونحوه في المدونة.
الجزء: 4 - الصفحة: 480
وأشار بقوله: (أو أرض بشجر متفرقة (1)) إلى قوله في المدونة: وإذا ورث قوم أرضًا فيها شجر متفرقة (2) فليقتسموا الأرض والشجر جميعا، ولو أفردنا قسمة الأصول وقعت أصول الرجل في أرض غيره (3).
(المتن)
وَجَازَ صُوفٌ على ظَهْرٍ إِنْ جُزَّ، وَإِنْ لِكَنِصْفِ شَهْرٍ، وَأَخْذُ وَارِثٍ عَرْضًا، وَآخَرَ دَيْنًا، إِنْ جَازَ بَيْعُهُ، وَأَخْذُ أَحَدِهِمَا قِطْنِيةً، وَالآخَرِ قَمْحًا، وَخِيَارُ أَحَدِهِمَا كَالْبَيْعِ، وَغَرْسُ أُخْرَى، إِنْ انْقَلَعَتْ شَجَرَتُكَ مِنْ أَرْضِ غَيرِكِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ أَضَرَّ كَغَرْسِهِ بِجَانِبِ نَهْرِكَ الْجَارِي فِي أَرْضِهِ وَحُمِلْتَ فِي طَرْحِ كُنَاسَتِهِ على الْعُرْفِ، وَلَمْ تَطْرَحْ على حَافَتِهِ، إِنْ وَجَدَتْ سَعَةً.
وَجَازَ ارْتِزَاقُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لا شَهَادَتُهُ.
وَفِي قَفِيزٍ أَخَذَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَيْهِ، وَالآخَرُ ثُلُثَهُ، لا إِنْ زَادَ عَيْنًا، أَوْ كَيْلًا لِدَنَاءَةٍ، وَفِي كَثَلاثِينَ قَفِيزًا، وَثَلاثِينَ دِرْهَمًا أَخَذَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعِشْرِينَ قَفِيزًا إِنِ اتفَقَ الْقَمْحُ صِفَةً.