قوله: (إما لغيبة شفيعه 1 فقاسم وكيله أو قاض عنه، أو ترك لكذب 2 في الثمن، أو استحق نصفها) هو جواب عن سؤال مقدر، وكأن قائلًا قال: كيف يتصور إحداث بناء في مشاع مع ثبوت الشفعة والحكم بقيمة البناء قائمًا، وذلك لأن الشريك إن كان حاضرًا فقد أسقط حقه من الشفعة، وإن كان غائبًا فالباني متعدٍّ فلا يكون له قيمة البناء قائمًا، فإن الحكم بوجوب الشفعة ينافي صحة 3 البناء قائمًا 4؟
وقد أجاب عن ذلك بثلاثة أوجه 5:
الأول: أن يحمل ذلك على أن الشفيع كان غائبًا، وكانت الدار لشركاء، فسلم الحاضرون وطلبوا القسمة، فقاسم وكيله 6 أو القاضي عنه في غيبته، فهدم المشتري وبنى في غيبة الشفيع؛ فالباني غير متعد، والشفيع 7 باق على شفعته؛ إذ ليس للقاضي ولا للوكيل إسقاط شفعة الغائب، إذ لم يوكل على ذلك.
والثاني: أن يكون ترك شفعته لما أخبر بكثرة الثمن، فقاسم المشتري وبنى، ثم تبين أن المخبر قد كذب عليه في الثمن، فأخذ ذلك 8 بشفعته.
الجزء: 4 - الصفحة: 465
والثالث: أن يكون المبتاع قد اشترى 9 جميع الدار فهدم وبنى، ثم استحق رجل نصفها مشاعًا 10، ثم أراد أن يأخذ النصف الآخر، وهذا الوجه الأول لابن المواز 11.
قوله: (وحط ما حط لعيب أو لهبة) يريد: أن المشتري إذا ابتاع الشقص، ثم اطلع فيه على عيب، فحط عنه البائع بعض الثمن لأجله، فإن الشفيع إذا أخذه بالشفعة؛ حط عنه من الثمن مقدار تلك الحطيطة، ولا خلاف في هذا، وإنما اختلف إذا حط البائع عن المشتري لا لأجل شيء، بل تبرع من عنده بذلك، أو وهبه له؛ فقال أشهب: يحط عن الشفيع.
وقال ابن القاسم: 12 إنما يحط إذا كان مثله يحط عادة وإليه أشار بقوله: (إن حط عادة)، وقاله في المدونة، وفيها أيضًا: يحط إن أشبه، وإلا فلا؛ ولهذا قال: (أو أشبه الثمن).
قوله: (بعده) أي: بعد ما حط، وهذا كقوله في المدونة: ومن اشترى شقصًا بألف درهم 13)، ثم وضع عنه البائع تسعمائة درهم بعد أخذ الشفيع أو قبله، نظر 14 فإن أشبه أن يكون ثمن الشقص عند الناس مائة درهم 15 إذا تغابنوا بينهم أو اشتروا بغير غبن وضع ذلك عن الشفيع 16، لأن ما أظهراه 17 من الثمن الأول إنما كان 18 لقطع الشفعة، وإن لم يشبه ثمنه أن يكون مائة لم يحط عن الشفيع شيئًا، وكانت الوضيعة هبة للمبتاع.
ابن يونس: يريد: مثل أن يكون ثمن الشقص ثلاثمائة أو أربعمائة.
قوله: (وإن استحق الثمن 19، أو رد بعيب بعدها؛ رجع البائع بقيمة شقصه) يريد:
الجزء: 4 - الصفحة: 466
أن من ابتاع شقصًا بعبد -مثلًا، أو بغيره من المقومات أو من المثليات، فأخذ الشفيع الشقص بقيمة المقوم أو بمثل المثلي، ثم استحق ذلك العبد 20 أو غيره، أو اطلع فيه البائع 21 على عيب فرده؛ فليس له على المبتاع إلا قيمة شقصه.
والضمير في قوله: (بعدها) راجع إلى الشفعة، وسيذكر ما 22 إذا كان الأخذ بالشفعة متأخرًا عن الاستحقاق، أو الاطلاع 23 على العيب.
وأشار بقوله: (ولو كان الثمن مثليًّا) إلأ أنه لا فرق بين أن يكون الثمن المستحق أو المردود بالعيب مقومًا أو مثليًا، وأن البائع يرجع على المبتاع بقيمة ما خرج من يده وهو الشقص، وإليه ذهب محمد وسحنون وغيرهما، وصوبه جماعة من 24 الأشياخ.
وفي كتاب محمد: أنه يرجع بمثل المستحق أو المعيب المثلي.
ولما كان قوله: (ولو كان الثمن مثليًّا) يوهم عموم ذلك في المثلي ولو كان نقدًا 25، نبه على أن النقد له حكم يخصه 26، وهو أن البائع لا يرجع إلا بمثله؛ لأن الدنانير والدراهم لا تتعين، وسواء كان هذا قبل الأخذ بالشفعة أو بعده؛ لوجوب 27 القضاء بالمثل 28، وإليه أشار بقوله (إلا النقد فمثله) 29.
قوله: (ولم ينتقض ما بين الشفيع والمشترى) أي: هذا يدل على أن ما بين المشتري والبائع ينتقض وهو صحيح 30، ولهذا رجع البائع في قيمة شقصه، إلا في النقود كما تقدم 31، وعدم الانتقاض بين الشفيع والمشتري هو قول ابن القاسم، وعليه فلا يكون
الجزء: 4 - الصفحة: 467
للمشتري إلا قيمة الثمن المستحق 32 أو المردود بعيب، وبه قال أشهب وأصبغ واختاره ابن المواز.
وقال ابن الماجشون وسحنون: ينتقض ما بين المشتري والشفيع، ويكون على الشفيع قيمة الشقص كما كان على المشتري، فيخير الشفيع بين أن يترك 33 أو يأخذ بقيمة الشقص، فإن كانت قيمته أكثر أخذها إن شاء، وإن كانت أقل رجع على المشتري بما بقي بعده 34.
قوله: (وإن وقع قبلها بطلت) أي: وإن وقع الاستحقاق أو العيب 35 قبل الأخذ بالشفعة 36 بطلت، لانتقاض البيع قبلها، وقاله في المدونة.
قوله: (وإن اختلفا في الثمن، فالقول للمشتري بيمين فيما يشبه) يريد: أن الشفيع إذا اختلف مع المبتاع في مقدار الثمن، فقال المبتاع: اشتريت 37 الشقص بكذا، و 38 قال الشفيع: بل بأقل من ذلك 39، فإن المشتري يصدق فيما يشبه مع يمينه، قاله 40 في المدونة 41، لأنه مدعى عليه، إلا أنه لم يذكر فيها يمينًا، وقال محمد: إن ادعى الشفيع أنه حضر المبايعة فعلم أن الثمن أقل مما ذكر المشتري حلف المشتري، وإن كان لا حقيقة عنده لم يلزم المشتري يمين 42، وصوبه ابن يونس.
وعلى هذا فينبغي أن يقيد قوله هنا: (بيمين)، بما إذا حقق الشفيع ذلك، وإلا فلا يمين عليه، ابن يونس عن ابن القاسم 43:
الجزء: 4 - الصفحة: 468
وهذا إذا أتى -أي: المشتري- بما يشبه 44.
قوله: (ككبير يرغب في مجاورته) هذا بيان للوجه الذي يكون فيه المشتري مدعيًا للأشبه، ومعنى ذلك: أن المشتري إذا ادعى ما لا يكون ثمنًا فلا يصدق، وقال في المدونة: إلا أن يكون 45 مثل هؤلاء الملوك يرغب أحدهم في الدار الملتصقة بداره فيثمنها 46، فالقول قوله إذا أتى بما يشبه 47 اللخمي: يريد: مما يمكن أن يزيده فيها 48.
وحكى ابن يونس وغيره عن أشهب: أن المشتري إذا أتى بما يشبه 49 أن يكون ثمنًا، فإنه يصدق 50 مع يمينه، إلا أن يكون ملك مجاورته أو سلطانًا 51، فيصدق فيما يشبه بلا يمين، كما إذا أتى بما يشبه 52. فقوله هنا: (ككبير)، أي: كملك 53 أو سلطان أو قاض ونحوهم، (يرغب في مجاورته)، أي: في الشقص المجاور له فيزيد في ثمنه لرغبته فيه.
قوله: (وإلا فللشفيع) أي: وإن لم يأت المشتري بما يشبه، فإن القول قول الشفيع، يريد: إذا أتى بما يشبه، ويدل على هذا قوله: (فإن لم يشبها، حلفا ورد إلى الوسط) أي: فإن لم يأت الشفيع ولا المشتري بما يشبه، فإنهما يتحالفان جميعًا، ويرد الشقص إلى الوسط بما يشبه، فيأخذه به إن شاء أو يتركه، وقاله اللخمي، وصاحب البيان.
قالا 54 وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فالشفعة بما حلف عليه الحالف منهما 55.
الجزء: 4 - الصفحة: 469
(المتن)
وَإِنْ نَكِلَ مُشْتَرٍ، فَفِي الأَخْذِ بِمَا ادَّعَى أَوْ أَدَّى قَوْلَانِ.
وَإِنِ ابْتَاعَ أَرْضًا بِزَرْعِهَا الأَخْضَرِ فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا فَقَطْ، وَاسْتَشْفَعَ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الزَّرْعِ لِبَقَائِهِ بِلَا أَرْضٍ، كَمُشْتَرِي قِطْعَةٍ مِنْ جِنَانٍ بِإِزَاءِ جِنَانِهِ لِيَتَوَصَّلَ لَهُ مِنْ جِنَانِ مُشْتَرِيهِ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ جِنَانُ البائعِ، وَرَدَّ الْبَائِعُ نِصْفَ الثَّمَنِ وَلَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ، وَخُيِّرَ الشَّفِيعُ أَوَّلًا بَيْنَ أَنْ يَشْفَعَ أوْ لَا فَيُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ فِي رَدِّ مَا بَقِيَ.