فصل
1
(وَإِنْ زَرَعَ فَاسْتُحِقَّتْ فَإِنْ لَمْ يَنتفِعْ 2 بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلَا شَيْءٍ) يريد: أن الغاصب أو المتعدي إذا زرع الأرض فاستحقت قبل الانتفاع بالزرع، فإن رب الأرض يأخذ ذلك بلا شيء، سواء ظهر الزرع أم لا، وقاله ابن القاسم 3 وأشهب 4، ومثله ما 5 إذا حرث الأرض ولم يزرعها، فإن ربها يأخذها من غير شيء يلزمه بسبب الحرث.
قوله: (وَإِلا فَلَكَ 6 قَلْعُهُ، إِنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا ترادُ لَهُ 7) أي: وإن كان الزرع قد بلغ حد الانتفاع به، فللمستحق أن يأمر الزارع 8 بقلع زرعه إن لم يفت وقت الزرع المقصود من تلك الأرض، وهذا نحو قول عبد الحق: والمراد بإبان الزراعة إبان الشيء الذي يزرع فيها لا غيره 9،
الجزء: 4 - الصفحة: 411
قال: وهو مبين 10 لأصبغ في المستخرجة 11، وهو معنى ما في المدونة 12، وحفظته عن بعض شيوخنا القرويين 13.
قوله 14: (وَلَهُ أَخْذُهُ 15 بقِيمَتِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ) أي: ولرب الأرض أن يأخذ الزرع بقيمته ويبقيه في أرضه لنفسه، وقيل: لا يجوز له ذلك لأنه لم يبد صلاحه.
اللخمي: القول بأن ذلك يجوز أصوب، وإليه أشار بقوله على المختار.
قوله: (وَإِلَّا فكِرَاءُ السَّنَةِ) أي: وإن فات الوقت بالنسبة إلى ما يزرع فيها فليس للمستحق أن يأمره بقلع زرعه؛ إذ لا فائدة له في ذلك، بل في ذلك 16 إدخال الضرر على الزارع فقط، وإنما يكون له كراء تلك السنة وهو المعروف، وقيل: إن له أن يأمره بقلعه ويأخذ أرضه.
وروى أيضا عن مالك أن الزرع للمستحق وإن طاب وحصد 17.
اللخمي: واختاره غير واحد.
وقال في المدونة: في الزارع بوجه شبهة إذا قام عليه رب الأرض قبل فوات الإبان فإن له كراء تلك السنة 18، وليس له قلع الزرع 19 وقال عبد الملك: يكون للمشتري مقدار ما مضى من السنة 20، لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل مجيء هذا له قدر 21.
قال: وهذا ظاهر فيمن زرع بوجه شبهة، وأما الغاصب فلا حق له ويأخذ منه كراء السنة كلها.
ولما كان حكم من زرع بوجه شبهة في ذلك حكم الغاصب على مذهب
الجزء: 4 - الصفحة: 412
ابن القاسم 22، نبه على ذلك بقوله: (كَذِي شُبْهَةٍ أَوْ جُهِلَتْ حَالُهُ) وفيه نظر، لأنه في المدونة فرّق بينهما، قال فيها فيمن اكترى أرضًا فزرعها وهي لا تزرع في السنة إلا مرة واحدة: إن المستحق إذا قام عليه قبل فوات إبان الزراعة إن له كراء تلك السنة، وليس له قلع الزرع، لأن المكتري زرع فيها بوجه شبهة، قال: ولو كان الزارع غاصبًا كان لرب الأرض قلعه إن كان في إبان الزراعة، وإن كان استحقاقها بعد إبان الزراعة وقد زرعها مكتريها أو مشتريها فلا كراء للمستحق في تلك السنة، وكراؤها للذي أكراها إن لم يكن غاصبًا وكانت بيده بشراء أو ميراث 23.
قوله: (وَفَاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيما بَيْنَ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، وَللْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهَا، وَدَفْعُ كِرَاء الْحْرْثِ) يريد: أن من اكترى أرضًا من آخر وحرثها فإنها تفوت فيما بينهما، ويقر فيها بالمسمى، وليس للمستحق أخذها حتى يدفع له 24 كراء الحرث، وقاله ابن القاسم في المستخرجة، (قوله: فإن أبى قيل له: اعط كراء سنة وإلا أسلمها بلا شيء) 25، أي: فإن أبى المستحق أن يدفع له كراء الحرث أعطاه 26 الآخر 27 كراء سنة، فإن أبى أسلمها ولا شيء له.
اللخمي: وقيل: إن المستحق لا شيء عليه في الحرث 28.
قوله: (وَفي سِنِينَ يُفْسَخُ أَوْ يَمْضِي، إِنْ عَرَفَ النِّسْبَةَ وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي لِلْعُهْدَةِ 29، وَانْتَقَدَ إِنِ انْتَقَدَ الْأَوَّلُ، وَأَمِنَ هُو) أي: فإن كان المكتري قد اكترى 30 الأرض سنين وقد زرعت سنة فأكثر 31 فلا شيء للمستحق في الماضي ويخير فيما بقي بين أن يفسخ أو
الجزء: 4 - الصفحة: 413
يمضي إن عرف الباقي ونسبته من الكراء، وقد دفع هذا في المدونة، ولم يقيد بما (1) ذكر، ونصها: ومن اكترى دارًا سنة من غير غاصب فلم ينقد الكراء، واستحقت (2) الدار في نصف السنة فكراء ما مضى للأول وللمستحق فسخ ما بقي أو (3) الرضى به، فيكون له كراء بقية السنة، ثم قال: فإن أجاز (4) المستحق الكراء فليس للمكتري الفسخ فرارًا من عهدته، إذ لا ضرر عليه لأنه يسكن، فإن عطبت الدار أدى (5) بحساب ما سكن، ولو انتقد الأول كراء السنة كلها لدفع للمستحق حصة باقي المدة إن كان مأمونًا ولم يخف من دين أحاط به (6)، وإليه (7) أشار بقوله: (وَانْتَقَدَ) أي: المستحق إن انتقد الأول: أي: المكري (8)، ولما كان قوله: (وأمن (9) هو) مسند إلي غير من هو له أبرز الضمير، أي: وأمر المستحق.
(المتن)
وَالْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوِ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ، كَوَارِثٍ، وَمَوْهُوبٍ، وَمُشْتَرٍ مِنْهُ، إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بخِلافِ ذِي دَيْنٍ عَلَى وَارِثٍ، كَوَارِثٍ طَرَأَ عَلَى مِثْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ.
وَإِنْ غَرَسَ، أوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا، فَإِنْ أَبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الأَرْضِ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ، إِلَّا الْمُحَبَّسَةَ فَالنَّقْضُ، وَضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحَقَّةِ، وَوَلَدَهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وَالأَقَل إِنْ أَخَذَ دِيَةً، لا صَدَاقَ حُرَّةٍ أَوْ غَلَّتَهَا، وَإِنْ هَدَمَ مُكْتَرٍ تَعَدّيًا فَلِلْمُسْتَحِقِّ النُّقْضُ وَقِيمَةُ الْهَدْمِ.
وَإنْ أَبْرَأَهُ مُكْرِيهِ كَسَارِقِ عَبْدٍ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ،