(صح 1 وَنُدِبَ إِعَارَةُ مَالِكِ 2 مَنْفَعَةٍ بِلا حَجْرٍ وإن مستعيرا 3) يريد: أن العارية تصح من كل مالك لا حجر عليه، وهي مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كل معروف صدقة"، وقد استعار عليه الصلاة والسلام هو والصحابة وأعاروا، ونبه بقوله: (مَالِكِ مَنْفَعَةٍ) على أن المعير ليس من شرطه أن يكون مالكا للرقبة، بل يكفي في ذلك ملك المنفعة بإجارة أو عارية من غيره، ولا إشكال في إعارة المستأجر الرقبة التي استأجرها، وأما إعارة المستعير فالصحيح الجواز 4 أيضا، وعن ابن شعبان ما ظاهره منع ذلك، وأشار إلى أن المعير يشترط فيه شرطان: أحدهما ما تقدم والآخر ألا يكون عليه حجر؛ لأن العارية من باب المعروف، والمحجور عليه ليس من أهل التبرع.
قوله: (لا مَالِكِ 5 انْتِفَاعٍ) أي: فلا يصح منه إعارة ذلك، والمراد بتمليك الانتفاع كسكنى المدارس والزوايا والربط والجلوس في المسجد والأسواق، فليس لمن ملك 6
الجزء: 4 - الصفحة: 366
ذلك سوى الانتفاع بنفسه، وليس له المعاوضة به والنكاح من هذا، لكن يستثنى 7 من ذلك ما جرت العادة به كإنزال الضيف لأهل المدارس والربط المدة اليسيرة، ولا يجوز إسكانه بيت المدرسة دائما، ولا إيجاره 8 ولا الخزن فيه، وكذا لا يجوز 9 بيع ماء الصهاريج ولا هبته ولا استعماله فيما لم تجرِ به العادة إلا الشيء اليسير.
قوله: (مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ) يريد: أنه يشترط في المستعير أن يكون أهلا للتبرع عليه أي فلا تصح إعارة المسلم لذمي كما سيأتي بعد هذا.
قوله: (عَيْنًا لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ) يريد: أنه يشترط في الشيء المستعار أن يكون عينا 10 ليستوفي منها المستعير المنفعة التي تبرع المعير بها عليه، ولا بد من كون المنفعة مباحة فلا تعار الأمة للاستمتاع ونحوه.
واللام في قوله: (لمنفعة) للتعليل، و (عينا) معمول 11 لما قبله، والمعنى: وصح إعارة مالك 12 منفعة عينا لأخذ منفعة تلك العين.
قوله: (لا كَذِمِّيٍّ مُسْلِمًا) هو مخرج من قوله: (مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ) أي: فلذلك لا يعار المسلم للذمي لما في ذلك من إذلال المسلم، وهو ممنوع، ومثله إعارة المصحف له 13 ونحوه 14.
قوله: (وَجَارِيةٍ لِوَطْئٍ) لما ذكر أن المنفعة يشترط فيها أن تكون مباحة أخرج منه هذا، أي: ولأجل ذلك لا تعار الجواري للوطء، يريد: والاستمتاع 15 لما فيه من إعارة الفروج وهي ممنوعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 367
قوله: (أَوْ خدْمَةٍ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ) يريد: أن إعارتها لغير محرم يؤدي إلى الوقوع في الاستمتاع بها غالبا، وقد نصَّ اللخمي في باب الإجارة على أن إعارة 16 المرأة للرجل الأعزب لا تجوز كان مأمونا أم لا وإن كان له أهل وهو مأمون جاز وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن يكون شيخا فانيا أو هي 17 متجالّة 18، ونص أيضا في باب العارية على صحة هبة خدمة الجارية لغير المحرم إذا كان مأمونا وله أهل، فإن كان غير مأمون أو مأمونا وليس له أهل لم يجز 19، واحترز بقوله: (لغير المحرم) من إعارتها للمحرم، فإنه يجوز، وكذلك الصبي والمرأة ومن لا يحل له الاستمتاع منها من أقاربه 20 كالأمة يطؤها ثم يعيرها لولده أو ولد ولده 21 أو أبيه أو جده للأمن من الاستمتاع 22؛ لأنها تصير من ذوات المحارم، ونحوه للخمي 23.
قوله: (أو لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) أي: وهكذا لا يجوز إعارة خدمة الجارية لمن تعتق عليه كالأب يعار لولده أو العكس؛ لأن 24 الاستخدام من توا بع الملك، فمن لا يجوز له الملك لا يجوز له الاستخدام، وليس هذا خاصّا بالأمة بل العبد كذلك.
قوله: (وَهِيَ لهَا) أي: وتكون تلك المنفعة المعارة للأمة دون المعار 25.
قوله: (وَالأَطْعِمَةُ وَالنُّقُودُ قَرْضٌ) أي لما كان المقصود من العارية الانتفاع بالمعار مع رد عينه لربه 26، نبه على أن الانتفاع متى استلزم ذهاب 27 العين كما في الأطعمة
الجزء: 4 - الصفحة: 368
والنقود لم يكن ذلك عارية بل قرضا.
قوله: (بِما يَدُلُّ) يريد: أن العارية تصح بكل لفظ أو فعل يدل عليها، وهو واضح 28.
قوله: (وَجَازَ أَعِنِّي بِغُلامِكَ لأُعِينَكَ بغلامي 29 إِجَارَةً) يصح أن يكون (إجارة) خبر كان المحذوفة؛ أي: وجاز قول الرجل للآخر: أعني بغلامك اليوم لأعينك بغلامي 30 غدا 31، وتكون تلك إجارة، ويصح أن تكون حالا، والأول أظهر، وقاله في الجواهر، وأجاز هذا ابن القاسم، ورآه 32 من الرفق 33، ولا بد أن يكون ما يقع به التعاون معلوما من خياطة أو بناء أو حراثة أو دراس ونحوه، وأن يقرب العقد من زمن العمل، فلا يجوز: أعني بغلامك اليوم على أن أعينك بغلامي بعد شهر؛ لأنه نقد في منافع 34 يتأخر قبضها.
قوله: (وَضَمِنَ المَغِيبَ عَلَيْهِ، إِلا لِبَيِّنَةٍ المغيب 35) أي: الشيء الذي يغاب عليه كالثياب والعروض ونحوها، وقد أشار بهذا الكلام والذي بعده إلى ما ذكره أهل المذهب من التفرقة بين ما يغاب عليه وغيره، وأنه يضمن ما يغاب عليه إلا أن تقوم له بينة بأنه تلف من غير سببه، وقال أشهب: هو ضامن ولو قامت له بينة 36، قال في المقدمات: وحكى ابن شعبان قولا بنفي الضمان، وعابه 37 إلا أن يشترط عليه الضمان، وظاهره كان مما يغاب عليه أم 38، وحكى اللخمي عن ابن شعبان عن مالك
الجزء: 4 - الصفحة: 369
عدم تصديقه في ذهاب الحيوان والعبيد والداوب، اللخمي: وقيل: لا 39 يصدق فيما صغر؛ لأنه لا 40 يخفى إذا غاب 41 عليه 42.
قوله: (وَهَل وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ؟ تَرَدُّدٌ) أي: وهل يضمن ما يغاب عليه وإن شرط نفي ضمانه فيه 43، تردد، فحكى اللخمي والمازري في شرح التلقين وغيرهما 44 أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على إعمال الشرط؛ لأن العارية باب معروف، وإسقاط الضمان من المعروف بخلاف الرهن 45، وفي المقدمات: أن الشرط باطل، وعليه الضمان، قال: 46 وقاله ابن القاسم في بعض روايات 47 المدونة، وهو أيضا لأشهب وابن القاسم من رواية أصبغ عنهما في بعض الروايات من كتاب العارية 48، وحكى المازري في كلامه على المدونة في ذلك قولين.
قوله: (لا غَيْرُهُ) أي: لا غير المغيب عليه، فإنه لا يضمنه كالدور والأرضين ونحوها 49 إلا أن يظهر كذب المستعير كما سيذكره.
قوله: (وَلَوْ بِشَرْطٍ) أي: لا ضمان على المستعير في غير المغيب عليه، ولو بشرط، أي: ولو شرط عليه ضمانه، وهو قول مالك وجميع أصحابه إلا مطرف، فإنه قال: إن شرط ذلك لأمر خافه من طريق أو نهر أو لصوص وشبه ذلك، فالشرط لازم إن عطب في الأمر الذي خافه وإلا لم يضمن 50.
الجزء: 4 - الصفحة: 370
قوله: (وَحَلَفَ فِيما عُلِمَ أنّه بلا سَبَبِهِ (1)، كَسُوسٍ أنّه مَا فَرَّطَ) ابن شاس: ولا ضمان عليه فيما علم أنه من غير سببه كالسوس في الثوب، وصدقه في كتاب محمد مع يمينه أنه ما أضاعه، ولا أراد فسادا (2)، التونسي: وكذلك الفأر على هذا يقرض الثوب (3)، وسوى اللخمي بين الفأر والسوس والحرق بالنار في الضمان؛ لأن الغالب أن النار لا تبلغه (4) إلا بفعله، إلا أن يعلم أنه من غير فعله، والسوس إنما يحدث من ترك لبسه (5)، ولو لبسه لم يسوس وقرض الفأر إنما يحدث لأمر كان من اللباس من رائحة طعام ونحوه (6).
(المتن)
وَبَرِئَ فِي كَسْرِ كَسَيْفٍ، إِنْ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ، أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَ مِثْلِهِ، وَفَعَلَ الْمَأْذُونَ، وَمِثْلَهُ وَدُونَهُ، لَا أَضَرَّ.
وَإِنْ زَادَ مَا تَعْطِبَ بِهِ مثلها، فَلَهُ قِيمَتُهَا، أَوْ كِرَاؤهُ، كَرَدِيفٍ، وَاتُّبِعَ إِنْ أَعْدَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالإِعَارَةِ، وَإِلَّا فَكِرَاؤُهُ، وَلَزِمَتِ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لانْقَضَائِهِ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ.
وَلَهُ الإِخْرَاجُ فِي كَبِنَاءٍ، إِنْ دَفَعِ مَا أَنْفَقَ، وَفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ، وَهَلْ خِلَافٌ؟ أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ؟ أَوْ إِنْ طَالَ؟ أوْ إِنِ اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ.