قوله: (وَبِقَوْلِهِ: تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلقَانِي بَعْدَ مَنْعِهِ دفعها 5) هو معطوف على قوله: (وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ) وما بعده من الأمور التي يضمن فيها الوديعة، ومعناه ما قال أصبغ في العتبية عن ابن القاسم فيمن له وديعة عند رجل فطلبه بها فاعتذر له 61234
الجزء: 4 - الصفحة: 359
بشغل فلم يقبل عذره فتشاحّا، فحلف ألا يعطيها له تلك الليلة، فلما كان من الغد قال: ذهبت قبل أن تلقاني فإنه يضمنها؛ لأنه أقر بها 7، يريد: لأنه لما لقيه، وقال له بعد أن طلبها: إني مشغول دل على أنها كانت موجودة عنده حين صدر ذلك منه 8، وإلا لو قال 9 له من أول وهلة ذهبت لم يضمن 10؛ إذ هو مصدق في ضياعها، ابن رشد 11: لا خلاف في ذلك.
قوله: (كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ بِلا عُذْرٍ) أي: وكذا يكون ضامنًا إذا قال له: تلفت بعد أن لقيتني، ولم يكن له عذر حين امتناعه من دفعها عند الطلب.
قوله: (لا إِنْ قَالَ: لا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ) أي: فإن كانت المسألة بحالها إلا أنه قال: لا أدري متى تلفت، هل قبل أن تلقاني أو بعد ذلك، فلا ضمان عليه، وقاله ابن القاسم، وزاد: ويكون القول قوله مع يمينه.
قوله: (وَبِمَنْعِها 12 حَتَّى يَأْتِيَ الحَاكِمَ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) يريد: أن رب الوديعة إذا طلبها فامتنع المودع من دفعها حتى يأتي الحاكم يدفعها بحضرته فضاعت بعده 13 فإنه يضمن 14؛ لأن إمساكها 15 ظلم لربها 16 فهو كالمتسبب في ضياعها، أما لو دفعها أولًا ببينة 17 فلا يضمنها المودع حينئذ؛ لأنه معذور، وهو قول ابن القاسم، وقال ابن عبد الحكم: لا ضمان عليه إن قبضها بغير بينة؛ لأنه يقول: خفت سفهه وأذاه.
ابن دحون:
الجزء: 4 - الصفحة: 360
هو ضامن، وإن قبضها بإشهاد؛ إذ هو متعد في منع أدائه 18 إلا بالسلطان، وكان له أن يشهد عليه بالرد كما أشهد هو عليه بالقبض، وحكئ هذه الأقوال الثلاثة صاحب البيان 19 والحاكم في كلامه هنا 20، يصح أن بفرأ 21 بفتح الميم وضمها.
قوله: (لا إِنْ قَالَ ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ، وَكُنْتُ أَرْجُوهَا، وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَالقِرَاضِ) هذا معنى قول صاحب الجواهر عن ابن القاسم فيمن طلبت منه الوديعة، فقال: ضاعت منذ سنين إلا أني كنت أرجوها أو أطلبها ولم 22 يذكر هذا، وصاحبها حاضر فهو مصدق ولا ضمان عليه، وكذلك القراض، ثم قال: وقال أصبغ: هو ضامن إذا لم يعرف منه طلبها 23، ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره، ولا سيما وحضور 24 ربها آكد، وكل هذا سواء إذا طال ذلك ولم يكن له ذكر، وقال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يقولون: إن سمع منه قبل ذلك الوقت الذي سألها 25 فيه قُبل قوله 26، وإن لم يسمع منه ذلك إلا في "ذلك الوقت لم يقبل 27، قال: وأنا 28 أرى أن يحلف، ولا شيء عليه 29.
قوله: (وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا) هو مبالغة في تصديقه، ولو كان صاحب الوديعة حاضرًا معه في البلد أو غيرها 30.
قوله: (وَلَيْسَ لَهُ الأَخْذُ مِنْهَا لَمِنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا) يريد: أن من جحد شخصًا وديعة له
الجزء: 4 - الصفحة: 361
عنده أو ظلمه فيها ثم إنه استودعه وديعة فليس له (1) أن يأخذ منها شيئًا، وقاله مالك، وذهب ابن عبد الحكم إلى الجواز، وإن كان عليه دين لقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (2) ولحديث هند الأتي، وعن مالك: لا آمره بذلك، وإنما آمره بطاعة الله تعالى، وقال (3): وإن أردت أن تفعل فأنت أعلم به، فظاهره كراهة ذلك، وعن مالك أيضا: أنه يأخذ إن لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين أخذ بقدر ما يجب له في المحاصة, وزاد ابن نافع عنه: أن يحلف (4) إن أمن أن يحلف كاذبًا، يريد: كما إذا قال (5) له: أتحلف (6) ما له عندك شيء (7)، وقال عبد الملك: أرى أن يستعمل الحيلة بكل ما يقدر عليه حتى يأخذ حقه (8)، وحكى عنه في المقدمات الاستحباب، قال: وأظهر الأقوال (9) إباحة الأخذ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أباح لهند لما شكت إليه أن زوجها أبا سفيان لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (10)، واختاره الباجي (11).
(المتن)
وَلَا أُجْرَةُ حِفْظِهَا، بِخِلَافِ مَحَلِّهَا، وَلِكُلٍّ تَرْكُهَا، وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا، أَوْ سَفِيهًا، أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ الْمَأذُونِ عَاجِلًا، وَبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إِذَا عَتَقَ، إِنْ لَمْ يُسْقِطْهُ السَّيِّدُ.
وَإِنْ قَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا وَنَسِيتُهُ تَحَالَفَا، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَيْنِ جُعِلَ بِيَدِ أعدلهما.