(الإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالِ) لما كان المودِع والمودَع يُشترط فيهما ما يشترط في الوكالة من كمال التصرف، نبه على ذلك بقوله: (تَوْكِيلٌ) فدل ذلك على أن من جاز له أن 1 يوَّكل أو يتوكل 2 جاز له أن يودِع ويودَع إلا أن هذا معترض بالمأذون، فإن له قبول الوديعة وليس له أن يتوكل إلا بإذن سيده، وذكر 3 أن الإيداع توكيل في حفظ المال، ولعله يريد في الاصطلاح 4، وإلا فهو أعم منه كإيداع الأب ولده عند من يحفظه، والأمة المتواضعة عند أمين، وكلامه أيضا يتناول الإجارة على 5 حراسة 6 المال.
قوله: (وَضُمِنَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا) يريد: أن الوديعة وإن كانت من الأمانات التي الأصل فيها عدم الضمان فقد يعرض لها ما ينقلها عن ذلك الأصل، وذلك في مواضع منها ما ذكره هنا، وهو 7 أن تكون رصاصًا 8 أو فخارًا أو نحوهما مما يفسد بسقوطه أو
الجزء: 4 - الصفحة: 343
بسقوط شيء عليه، فإن المودع يضمنها إذا سقط من يده عليها شيء فأفسدها؛ لأن ذلك كجناية الخطأ، وهو في أموال الناس كالعمد.
قوله: (لا إِنِ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا) أي: فإنه لا 9 يضمنها حينئذ؛ لأنه مأذون له في ذلك، فلو لم ينقلها نقل مثلها، فإنه يضمنها.
قوله: (وَبِخَلطِهَا) أي: ومما يضمن معه أيضا الوديعة إذا خلطها بشيء له أو لغيره.
قوله 10: (إِلا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ، أو دَرَاهِم بمثلها 11) أي: أما إذا خلط شيئًا بمثله كحنطة بمثلها أو دنانير أو دراهم بمثلها أو نحو ذلك مما هو مماثل في الجنس والصفة، فإنه لا يضمن، وهو المشهور، وفي 12 الثمانية عن عبد الملك أنه يضمن 13، واحترز باقوله: (بمثله) مما إذا خالطه بما يخالفه صفة كالمحمولة والسمراء، فإنه يضمنه بلا خلاف.
قوله: (لِلإِحْرَازِ) هو قيد في سقوط الضمان، ونص عليه في المدونة 14.
قوله: (ثُمَّ إِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَيْنَكُمَا، إِلا أَنْ يَتَمَيَّزَ) أي: فإن خلط الدنانير والدراهم بمثلها أو القمح بمثله ثم ضاع منه شيء فإن التالف يقسم على المالين ويتحاصّان فيما بقي، قال في المدونة: لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه 15، ولو عرفت بعينها كانت مصيبة كل واحد من ربها ولا يغيرها الخلط 16، وهذا معنى قوله: (إلا أن يتميز) ونحوه في النوادر وغيرها.
قوله: (وَبِانْتِفَاعِهِ بِهَا) أي: وكذا يضمنها 17 إذا انتفع بها بأن يستعملها فتلفت بسبب ذلك، سواء كانت دابة فيركبها أو يحمل عليها شيئًا فتعطب أو غير ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 344
قوله: (أَوْ سَفَرِهِ, إِنْ قَدَرَ عَلَى أَمِينٍ) أي: وكذا يضمنها 18 إذا سافر بها من غير عذر بأن يكون قادرًا على إيداعها عند أمين فيأخذها معه فتضيع قبل الرد، وسواء كان 19 سفر نقلة أو تجارة أو زيارة ونحوه في الكافي 20، واحترز بقوله: (إِنْ قَدَرَ عَلَى أَمِينٍ) مما إذا لم يجد أمينًا يودعها عنده وخشي عليها إذا تركها أن تضيع فإنه لا يضمن، وقد نص عليه اللخمي 21.
قوله: (إِلا أَنْ تُرَدَّ سَالِمَةً) أي: إلا أن ترد إلى مكانها سالمة فتهلك بعد ذلك، فإن المودع لا يضمنها حينئذ لعدم سبب الضمان.
قوله: (وَحَرُمَ سَلَفُ مُقَوَّمٍ 22) أي: سواء كان المودع مليًا أو معدمًا وهو 23 مما لا خلاف فيه لأنه من باب شراء الشيء بإذن 24 ربه.
قوله: (ومعدم) أي سواء 25 كانت الوديعة من المقومات أو من المثليات وهو مما اتفق عليه؛ لأن ربها يتضرر بعدم الوفاء.
قوله: (وكره النقد والمثلي) يريد: للملي لما 26 علمت أن المعدم 27 يحرم سلفه مطلقًا، والكراهة في النقد مذهب المدونة، في كتاب الوديعة واللقطة 28 منها أن ذلك ممنوع، وفي العتبية إن أشهد على السلف جاز وإلا كره، وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة 29 لم يجز وإلا جاز 30، وأخذ بعض الأشياخ الكراهة في المثلي من
الجزء: 4 - الصفحة: 345
المدونة 31، وعلى قول عبد الملك 32 لا يجوز، ولابن المواز 33 فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه كان لصاحبها أخذ الثمن إن شاء، ومنهم من أخذ الجواز من المدونة.
قوله: (كَالتِّجَارَةِ 34 وَالرِّبْحُ لَهُ) أي: وكذا تكره 35 التجارة بالوديعة 36 بغير إذن ربها، فإن تجر فربح كان الربح له، وقاله في المدونة، ومثله في النوادر وغيرها 37، وزاد في المدونة: وليس عليه أن يتصدق بالربح 38.
قوله: (وَبَرِئَ إِنْ رَدَّ غَيْرَ المُحَرَّمِ) أي: فإن تسلف ما لا يحرم تسلفه كالنقد والمثلى للملي 39، ثم ردّ ذلك إلى موضعه فضاع فإنه يبرأ ولا ضمان عليه فيه، وأخذ بهذا القول ابن القاسم وأشهب وأصبغ وابن عبد الحكم، ورواه يحيى وغيره 40 عن مالك، وهو المشهور، وقاله في المدونة، وعن مالك أيضا إن ردها بإشهاد برئ وإلا فلا، وأخذ به ابن وهب، وقال أيضا لا يبرأ وإن أشهد وهو قول أهل المدينة ورواه عنه المصريون 41 وعن عبد الملك إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ 42 إلا إذا ردها إلى ربها وإن تسلف بعضها ضمن جميعها، وإن كانت منثورة 43 لم يضمن إلا ما تسلفه إن تلفت؛ لأنه لم يتعد إلا فيه وهو مصدق في رده، ولو تلفت بعد ردها لم يضمن شيئًا 44.
الجزء: 4 - الصفحة: 346
قوله: (إِلا بِإِذْنٍ، أَوْ يَقُولَ: إِنِ احْتَجْتَ فَخُذْ) أي: إلا أن يستأذن المودع رب الوديعة في السلف منها، فيأذن له أو يقول له عند الإيداع أو بعده: إن احتجت إلى شيء منها فخذ 45، فإنه يسقط 46 عنه الضمان حينئذ.
اللخمي وصاحب البيان: وهذا مما لا يحتلف فيه؛ لأنه سلف 47 من المالك، فصارت كسائر الديون 48.
قوله: (وَضَمِنَ المَأْخُوذَ فَقَطْ) هذا كقول ابن المواز: ومن استودع كيسًا فتسلف منه عشرة دنانير ثم سُرق فلا يضمن إلا ما أخذ، وزاد: ولو قال: رددت فيه ما أخذت قبل أن يذهب صُدق مع يمينه، وقاله أشهب ولم يذكر في المدونة يمينًا، وعن محمد أيضا: وإن تسلف بغير بينة صُدق وإلا لم يصدق إلا ببينة على الرد 49.
قوله: (وَبِقَفْلٍ بِنَهْيٍ) أي: هذا أيضا متعلق بقوله: (ضَمِنَ) والباء في (بِنَهْيٍ) للمصاحبة، والمعنى أن المودع يضمن الوديعة بسبب قفل مصاحب للنهي، أي: بأن يقول له ربُها لا تقفل عليها فخالفه وقفل، وقال 50 ابن عبد الحكم في النوادر: ومن أودع رجلا وديعة وقال له اجعلها في تابوتك، ولا تقفل عليها، فجعلها فيه وقفل عليها وتلفت 51، فإنه يضمنها؛ لأن السارق إذا رأى التابوت مقفولًا كان أطمع 52، ومال اللخمي إلى عدم الضمان؛ لأن السارق يطمع في الصندوق وإن لم يكن عليه قفل ولم يكن لزيادة الأطماع وجه، كما لو قال له: اقفل بقفل واحد، فقفل بقفلين 53.
ابن عبد الحكم: ولو قال: اجعلها في التابوت ولم يزد: لم يضمن إن قفل عليها 54،
الجزء: 4 - الصفحة: 347
ومن هذا احترز بقوله: (بِنَهْيٍ) أي: فلو قفله بغير نهي فلا يضمن (1).
قوله: (أو بوضِعٍ بِنُحَاسٍ فِي أَمْرِهِ بِفَخَارٍ) الباء في الموضعين للظرفية، وفي قوله (بِوَضْعٍ) للسببية، والمعنى أن المودع يضمن الوديعة بسبب وضعها في وعاء من النحاس، إذا أمره ربها أن يضعها في وعاء من الفخار؛ لأن في ذلك إغراء للسارق، وقد نص عليه ابن عبد الحكم (2).
قوله: (لا إِنْ زَادَ قُفْلًا) أي: فإنه لا يضمن، وقد نص عليه غير واحد، وقال ابن عبد الحكم: ولو قال له: اجعلها في سطل نحاس فجعلها في قِدر فخار فضاعت لم يضمن (3)، وإليه أشار بقوله: (أَوْ عَكَسَ فِي الفَخَّارِ).
قوله: (أَوْ أَمَرَ بِرَبْطٍ بِكُمٍّ فَأَخَذَ باليَدِ) أي: وكذا لا يضمن إذا قال له ضعها في كُمك فأخذها في يده وضاعت لأن اليد أَحفظ من الكم.
ابن شاس: إلا أن يريد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب (4) فيضمن بجعلها في يده.
قوله: (كَجَيْبِهِ عَلَى المُخْتَارِ) أي: وكذا لا يضمن إذا قال له اجعلها في كمك فجعلها في جيبه، وهو اختيار اللخمي (5)، وهو ظاهر لا سيما إذا كان كجيب أهل المغرب، وقيل: يضمنها بناء على أن الكم أحفظ.
(المتن)
وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا، وَبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا، وَبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ فَتَلِفَتْ؛ لَا إِنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَوَقَعَتْ، وَلَا إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَبِإِيدَاعِهَا وَإِنْ بِسَفَرٍ لِغَيْرِ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ اعْتِيدَتا بِذَلِكَ إِلَّا لِعَوْرَةٍ حَدَثَتْ، أَوْ لِسَفَرٍ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ، وَإِنْ أُودِعَ بِسَفَرٍ.
وَوَجَبَ الإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ، وَبَرِئَ إِنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً، وَعَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهَا إِنْ نَوَى الإِيَابَ، وَبِبَعْثِهِ بِهَا، وَبِإنْزَائِهِ عَلَيْهَا فَمُتْنَ، وَإِنْ مِنَ الْوِلَادَةِ كَأَمَةٍ زَوَّجَهَا فَمَاتَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ، وَبِجَحْدِهَا ثَمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلافٌ.