قوله: (وَتَوْكيلُهُ إِلا أَلا يَليقَ بِهِ أوْ يَكْثُرَ) أي: ومما يمتنع توكيل الوكيل فيما وكل فيه؛ إذ لم يرض الموكل بغيره، ولو أراد ذلك لاستناب غيره من غير واسطة، اللَّهم إلا أن يكون الوكيل لا يليق به أن يتولى ما وكله عليه بنفسه كالرجل الشريف المعروف بالوجاهة بين الناس يدفع له 2 الدابة ليبيعها أو ثوبًا أو نحو ذلك؛ لأن العرف قاض بأنه لا ينادي على ذلك بنفسه في الأسواق، وإنما يتولاه أربابه من النخاسين والسماسرة، فيجوز له أن يستنيب غيره للعرف، وكذلك إذا وكله على شيء كثير لا يمكنه أن يستقل 3 به، والعادة قاضية في ذلك بالمساعدة، فله أن يستنيب من يباشر 4 ذلك معه،1
الجزء: 4 - الصفحة: 291
لأنه يوكله في جميع ذلك.
قوله: (فَلا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بعَزْلِ الأَوَّلِ) أي: وبسبب كون الوكيل له أن يوكل في الموضعين المذكورين لا ينعزلَ الثاني بعزل الأول.
قوله: (وَفي رِضَاهُ إِنْ تَعَدَّى بِهِ تَأوِيلانِ) أي: إذا تعدى الوكيل فوكل غيره فيما ليس له فيه توكيل، ونص في المدونة على عدم 5 جواز ذلك، وحمله بعض الأشياخ على أن معنى ذلك أن للآمر فسخه وإجازته، وهو نص رواية ابن القاسم، وأنكره أصبغ وجماعة من أصحاب مالك، وحمله ابن يونس على معنى أنه لم يجز رضاه بما يعمل وكيله 6، إذ بتعديه يصير الثمن دينًا عليه، فلا يفسخ في سلم الوكيل الثاني إلا أن يكون قد حل وقبضه، فإنه يجوز، وإلى هذا أشار بالتأويلين، ولأصبغ وغيره أن الوكيل الثاني إذا فعل مثل الأول في النظر والصحة لزم، وإلا لم يلزم.
قوله: (وَرِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ في سَلَمٍ إِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بمُسَمَّاهُ 7) هذا معطوف على قوله (وَمُنِعَ ذِمِّيٌّ) و (بمسماه) تتعلق بمخالفته 8 والمعنى ومنع رضى الموكل بما خالفه فيه وكيله بسبب تجاوزه في السلم القدر الذي سمى له الموكل، يريد: زيادة كثيرة لا يزاد مثلها، ونحوه في المدونة.
قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ إِنْ فَاتَ) هو معطوف على قوله: (بمُسَمَّاهُ 9) أي: ومما يمتنع أيضًا للموكل أن يرضى بما خالف فيه وكيله 10 وباعه بالدين وفات 11، واختلف هل له مطالبة الوكيل بالتسمية إن سمى له ثمنًا أو قيمة المبيع إن لم يسم له 12 أو له 13 أن يجيز
الجزء: 4 - الصفحة: 292
تعديه ويرضى بالثمن المؤجل المشهور المنع فيهما، كما قال هنا، وظاهر الواضحة أن له ذلك، وعلى المشهور فلا بد من بيع الدين، فإن بيع بمثل التسمية أو القيمة فلا كلام وإلى هذا أشار بقوله: (وبيع فإن وفى بالقيمة أو التسمية) أي فلا كلام 14 للموكل.
قوله: (وَإِلا غَرِمَ) أي: وإن لم يوف بذلك بل بيع بأقل من ذلك غرم الوكيل تمام القيمة أو التسمية، وإن بيع بأكثر أخذه الموكل؛ إذ لا ربح للوكيل.
قوله: (وَإِنْ سَأل غُرْمَ التَّسْمِيَةِ، وَيصْبِرَ ليقَبِضَهَا، وَيدْفَعَ الْبَاقِي جَازَ، إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ 15 مِثْلَهَا فَأقَلَّ) وإن سأل الوكيل إغرام 16 التسمية، وقال: إنما أرضى بذلك وأؤخر بيع الدين حتى يحل الأجل 17، فآخذ ما دفعت 18 وأعطي الموكل ما زاد، فإن كانت قيمة الدين الآن أقل مما دفع أو مثله جاز؛ إذ ليس للوكيل نفع في ذلك، وإنما هو أحسن للآمر، ومنعه أشهب إذا كانت تساوي أقل من التسمية، واختاره التونسي وغيره؛ إذ يلزم منه السلف بزيادة، فكأنه قال له: لا تبع ذلك لتغرمني وأنا 19 أدفع لك ما سميت من الثمن، فقد أسلفه ذلك ليتخلص من الغرامة، واحترز بقوله: (إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ إلى آخره)، مما إذا كانت أكثر منها، فإنه لا يجوز إذ يصير كأنه فسخ ما زاد على التسمية في الباقي، وحكى بعضهم جوازه، فإن لم يسم له الثمن فللآمر أن يرضى بالثمن المؤجل إن كانت سلعته قائمة.
قوله: (وإنْ أَمَرَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَأَسْلَمَهَا في طَعَامٍ أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوِ الْقِيمَةِ، واسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ لأَجْلِهِ فَبِيعَ وَغَرِمَ النَّقْصَ، وَالزيَادَةُ لَكَ 20) هذا كقوله في كتاب السلم من المدونة: وإن أمرته أن يبيع لك سلعة فأسلمها لك 21 في طعام أغرمته الآن التسمية
الجزء: 4 - الصفحة: 293
أو القيمة إن لم تسم له ثمنًا، ثم استؤني بالطعام، فإذا حل أجله (1) استوفى ثم بيع فكانت الزيادة لك، والنقص عليه.
(المتن)
وَضَمِنَ إِنْ أَقْبَضَى الدَّيْنَ وَلَمْ يُشْهِدْ وَجَحَدَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، أَوْ بَاعَ كَطَعَامٍ نَقْدًا مَا لا يُبَاعُ بِهِ وَادَّعَى الأِذْنَ فَنُوزع، أَوْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ فَقَامَتِ الْبَيَنَةُ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بالتَّلَفِ كَالْمِدْيَانِ.
وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ: قَبَضْتُ وَتَلِفَ بَرِئَ، وَلَمْ يَبْرَإِ الْغَرِيمُ إِلَّا بِبَينَةٍ، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ غُرمُ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ يَصِلَ لِرَبِّهِ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ لَهُ، وَصُدَقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَع فَلا يُؤَخَّرُ للِإشْهَادِ، وَلِأَحَدِ الْوَكِيلَينِ الاِسْتِبْدَادُ إِلَّا لِشَرْطٍ، وإنْ بِعْتَ وَبَاعَ فَالَأَوَّلُ، إِلَّا لِقَبْضٍ، وَلَكَ قَبْضُ سَلَمِهِ لَكَ إِنْ ثَبَتَ بِبَيّنَةٍ، وَالْقَوْلُ لَكَ إِنِ ادَّعَى الأِذْنَ، أَوْ صِفَةً لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثمَنِ فَزَعَمْتَ أَنَّكَ أمَرتَهُ بِغَيْرِهِ وَحَلَفَ،