قوله: (بِما يَدُلُّ عُرْفًا) يريد: أن صحة الوكالة مشروطة بأن يقترن بلفظ الموكل ما يدل على بيان الشيء الموكل فيه 1 عرفًا، أو يكون 2 معلومًا بالنص أو بالعادة، وللوكالة حالتان: تفويض وتخصيص، والوكيل المخصوص إذا تصرف في غير ما أذن له فيه فيكون متعديًا.
قوله: (لا بمُجَرَّدِ 3 وَكَّلْتُكَ، بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ) أي: فلا يفيد 4 مجرد قول الموكل للوكيل: وكلتك لعدم حصول الشرط 5، وهو معرفة 6 ما يدخل 7 عليه من تفويض أو من تخصيص 8، ولهذا قال: (بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ) يريد: أو يقيد بأمر مخصوص.
قوله: (فيمْضِي النَّظَرُ، إِلا أَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ نَظَرٍ) أي: فإذا نصَّ له على التقييد 9 أو التفويض وتصرف فإنه يمضي منه ما كان على وجه النظر؛ لأنه معزول عن غيره بالعادة، إلا أن يقول له نظر وغير نظرٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 281
قوله: (إِلا الطَّلاقَ، وَإنكَاحَ بِكره، وَبَيْعَ دَارِ سُكْنَاهُ وَعَبْدِهِ) 10 يريد: أن الوكيل 11 المفوض وإن كان تصرفه كتصرف المالك، إلا أن ذلك مقيد بما عدا هذه الأشياء الأربعة، إلا أن ينص له عليها، وقد نص على إخراجها من عموم التفويض إلا بالتنصيص عليها كما هنا ابن رشد وابن شاس وغيرهما.
قوله: (أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ) هو قسيم لقوله: (حَتَّى يُفَوِّضَ) أي: أو يعين له الموكل ما يتصرف فيه إما بنص كقوله: لا تفعل إلا الشيء الفلاني، أو افعله فقط، أو تقوم قرينة على فعله أو على غيره، فلا يتصرف إلا كما أذن له.
ابن شاس: ولو قال له: بع من زيد لم يبع من غيره، ولو خص زمانًا تعين أو سوقًا تتفاوت فيه الأغراض لتخصص 12.
قوله: (وَتَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ) يريد: كما إذا كان عرف الناس أن ذلك لا يباع إلا في السوق الفلاني أو في زمان كذا أو أنه لا يباع إلا بالنقد أو النسيئة، وكذا لو وكله على شراء جارية أو زواج امرأة فإنه لا يشتري له أو يزوجه إلا ما يليق 13 به.
قوله: (فَلا يَعْدُهُ) أي: فلا يتعداه إلى غيره كما تقدم.
قوله: (إِلا عَلَى بَيْعٍ، فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ، أَوِ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ المَبِيعِ وَرَدُّ المَعِيبِ) لما ذكر أن الوكيل لا يتعدى الأمر المأذون له فيه خشي أن يتوهم أنه لا يطالب 14 بثمن سلعة باعها لموكله أو قبضه، وأنه لا يقبض المبيع الذي 15 اشتراه للموكل أو يرده بعيب 16 وجد فيه ونحوه، فنبه على أن الوكالة على 17 البيع تستلزم الوكالة بقبض الثمن والمطالبة به، وعلى الشراء تستلزم الوكالة على قبض المبيع ورده بعيب، ولهذا 18 قال ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 282
الهندي: كل ما نصّ له في الوكالة على شيء 19 فلا يتعداه إلا هنا، نعم لو نص له على عدم قبض الثمن أو المبيع أو ردّه بعيب فليس له ذلك.
قوله: (إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ) أي: إلا المفوض له، يريد: أن رده المبيع على بائعه بعيب مقيد بألا يكون موكله قد عين ذلك للمشتري 20، أما إذا قال له اشتر هذا الشيء وعينه له، فإنه لا كلام له حينئذ، والخيار للآمر وحده، وهذا في الوكيل المخصوص، وأما المفوض له فله أن يرد ولو عين له الآمر المبيع، نص عليه في المدونة.
قوله: (وَطُولِبَ بِثَمَنٍ وَمَثْمُونِ، مَا لم يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ) يريد: أن الوكيل على الشراء يطالب بالثمن، وعلى البيع يطالب بالمثمون، وهو البيع، ولا يخلصه من ذلك علم البائع في الأولى 21 والمشتري في الثانية أنه وكيل، ولو صرح بذلك حتى يصرح أنه لا 22 شيء عليه من دفع ثمن ولا مثمون، وإنما يدفعه موكله، وحينئذ لا يطالب بشيء من ذلك.
قوله: (كَبَعَثَنِي فُلانٌ لِتَبِيعَهُ، لا لأَشْتَرِيَ مِنْكَ) هكذا قال في الموازية 23: فجعله كالشرط، ولا يتبع إلا فلانًا، فإن أنكر فلان غرم الرسول رأس المال، واحترز بقوله: (لا لأَشْتَرِي مِنْكَ) مما إذا قال له: بعثني لأشتري منك، فإنه لا يبرأ، ويكون الثمن عليه دون الآمر، وقاله أشهب.
قوله: (وَبِالْعُهْدَةِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ) أي: ويطالب الوكيل بتباعة 24 المبيع من عيب أو استحقاق وشبهه، وهو مراده بالعهدة إلا أن يصرح بأنه 25 وكيل أو يعلم بذلك المشتري، فحينئذ يكون المطلوب بذلك الموكل، وقاله في المدونة.
قوله: (وَتَعَين فِي المُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ) يريد: إذا قال له: بع واشتر ولم يقيد عليه بعرض
الجزء: 4 - الصفحة: 283
ولا نقد فإنه يتعين (1) في ذلك نقد البلد الذي صدر فيه التوكيل، وفعل (2) على وفقه، فإن خالف ضمن لتعديه، قال في المدونة: إلا أن يجيز الآمر فعله، ويأخذ ما باع به (3)، وقال غيره: إن باع بعرض (4) ولم يفت فلا ضمان عليه، وخير الآمر في (5) أخذ ما بيعت به أو نقض البيع وأخذ سلعته، وإن فات خير فيما بيع به، أو يضمن الوكيل قيمتها.
عياض: وهو وفاق.
قوله: (وَلائِقٌ بِهِ، إِلا أَنْ يُسَمِّيَ الثَّمَنَ، فَتَرَدُّدٌ) أي: وكذا يتعين في المطلق ما يليق بالموكل، فإذا وكله مثلًا على شراء جارية أو ثوب أو عبد فاشترى ما لا يليق به لم يلزمه، وله أن يرده إن شاء (6)، قاله ابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: يلزمه، وقيّد بعض القرويين الأول (7) بما إذا لم يسمّ له الثمن، أما إذا (8) سماه فاشترى له به فإنه يلزمه، وقال غيره: ينبغي ألا يلزمه إذا اشترى له ما لا يليق به (9)، وإن سمى الثمن.
قلت: وهو الظاهر عندي، فقد يكون ثمن ما يليق به مساويًا لما لا يليق به (10).
(المتن)
وَثَمَنُ الْمِثْلِ وَإِلَّا خُيِّرَ كَفُلُوسٍ، إِلَّا مَا شَأنُهُ ذَلِكَ لِخِفَّتِهِ، وَكصَرفِ ذَهَب بفِضَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشَأنُ، وَكَمُخَالَفَتِهِ مُشْتَرًى عُيِّنَ، أَوْ شوق أَوْ زَمَان أَوْ بَيْعَهُ بأقَل، أَوِ باشْتِرَائِهِ بِأكْثَرَ كَثِيرًا، إِلَّا كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ، وَصُدِّقَ فِي دَفْعِهِمَا وِإنْ سَلَّمَ مَا لَمْ يَطُلْ، وَحَيْث خَالَفَ فِي اشْتِرَاءٍ لَزِمَهُ، إِنْ لَمْ يَرضَة مُوَكِلُهُ، كَذِي عَيْب، إِلَّا أَنْ يَقِلَّ، وَهُوَ فرْصَةٌ، أَوْ فِي بَيْعٍ فَيُخَيرُ فوَكِّلُهُ وَلَوْ رِبَوِيًّا بِمِثْلِه؛ إِنْ لَمْ يَلْتَزِم الْوَكِيل26272829303132333435
الجزء: 4 - الصفحة: 284
الزَّائِدَ عَلَى الأَحْسَنِ، لا إِنْ زَادَ فِي بَيْعٍ، أَوْ نَقَصَ فِي اشْتِرَاءٍ