قوله: (وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ) هذه شركة العمل 3، واتفق عندنا على جوازها بشروط منها اتحاد العمل، فلو اشترك خياط وحداد ونحوهما من مختلفي الصنعة لم يجز لما في ذلك من الغرر، إذ تنفق 4 صنعة هذا دون هذا، فيأخذ من صاحبه ما لا يستحقه، ويلحق بهذا 5 ما إذا كان العمل متلازمًا مثل النسج والخدمة، ولهذا قال: (أَو تَلازَمَ 6). اللخمي: وليس ذلك 7 كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا جميعًا أو يتعطلا جميعًا، فلم يكن هنا غرر 8. قوله: (وَتَسَاوَيَا فِيهِ أَوْ تَقَارَبَا) أي: ومن شروط ذلك أيضًا أن يتساويا في العمل أو12
الجزء: 4 - الصفحة: 256
يتقاربا فيه، فلو اختلف عملهما فسدت الشركة إلا إذا كان 9 الربح على قدر التفاوت، فيكون بينهما على قدر 10 ذلك.
وقوله 11: (وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ) أشار بهذا 12 إلى الشرط الثالث، وهو أن يحصل لهما التعاون بالاشتراك، فإن لم يحصل لهما تعاون 13 فلا، وقاله في العتبية.
ابن رشد: لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاون؛ لأنهما متى اشتركا 14 على أن يعمل كل واحد منهما على حدة كان 15 من الغرر البَيِّن 16.
قوله: (وَإِنْ بِمَكَانَيْنِ) يريد: أنه لا يشترط في شركة العمل اتحاد المكان، وفي المدونة: لا يجوز إلا أن يعملا في حانوت واحد، فإن عملا في قريتين أو حانوتين لم يجز 17، وأجاز ذلك في العتبية إذا اتحدت الصنعة 18 عياض: وحمله شيوخنا على أنهما يتعاونان في الموضعين، واتفاق صنعتهما في الموضعين سواء 19، فهو وفاق؛ إذ ليس المقصود من الجلوس في موضع واحد إلا التعاون.
قوله: (وَفي جَوَازِ إِخْرَاجِ كلٍّ آلَةً وَاسْتِئْجَاره مِنَ الآخَرِ 20، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ) يعني: أنه 21 اختلف هل يخرج كل واحد من الشريكين آلة مساوية
الجزء: 4 - الصفحة: 257
للآلة الأخرى 22 أو لا بد من اشتراكهما فيهما 23 بملك أو كراء من غيرهما ليضمناها، والأول مذهب سحنون، وتأوّل بعضهم المدونة عليه، وتأولها غيره على الثاني، واختلف أيضا هل يجوز لأحدهما أن يخرج جميع الآلة من عنده، ويؤاجر نصفها لصاحبه، أو لا بد من اشتراكهما فيهما 24 بملك أو كراء من غيرهما، عياض وغيره: والأول ظاهر المذهب، ابن عبد السلام: وهو المشهور، والثاني لابن القاسم وغيره، وعليهما 25 تأولت المدونة أيضا 26، ولهذا جمع الشيخ المسألتين، وأخبر أن الخلاف فيهما متأوّل على المدونة.
قوله: (كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكَا في الدَّوَاءِ) يريد: إذا كان طبّهما واحدًا كطبانعيين 27 أو جراحين أو كحالين، فلو اختلف طبّهما لم تجز، قاله اللخصي 28 وابن يونس وغيرهما.
قوله: (وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازينِ 29، وَهَلْ وَإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيتْ عَلَيْهِمَا) يعني: وكذلك يجوز أن يشتركا في الصيد ببازيهما 30، قال في بعض روايات المدونة: إذا كان طلبهما وأخذهما واحدًا لا يفترقان 31، وفي بعضها ما ظاهره جواز الافتراق 32، وقاله في الواضحة، وإلى هذا أشار بالتأويلين 33، وفي المدونة عن ابن القاسم: لا بأس أن يشتركا في حفر القبور والمعادن والآبار والعيون والبنيان، وفي طلب الكنوز والدفائن
الجزء: 4 - الصفحة: 258
والرِّكاز 34، وإلى 35 هذا أشار بقوله: (وَحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، وَمَعْدِنٍ).
قوله: (وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ 36 بَقِيَّتَهُ) هذا 37 إشارة لقوله في المدونة: ومن مات منهما بعد إدراك النيل لم يُورث حظه من المعادن، والسلطان يقطعه لمن يشاء 38، وقال سحنون: إذا مات بعد إدراك النيل فإنه يُورث عنه؛ لأنه لم يُدرك 39 إلا بنفقة، وقال أشهب: ورثته أحق به، وإن لم يدرك نيله 40، وظاهر قوله هنا (بقيته) أنهما أخرجا شيئًا من ذلك اقتسماه 41، وبقيت 42 منه بقية، وظاهر قوله في المدونة: إنما أدرك 43 النيل فقط 44، وتأوّلها القابسي على ما قال هنا، قال 45: ولم يتكلم ابن القاسم على أنهما لم يخرجا شيئًا.
قوله: (وَأَقْطَعَهُ الإِمَامُ) هكذا قال في المدونة 46، سحنون: وإن لم يكن هذا 47 سنة فلا ينبغي، أي: إن كان هذا 48 من الشارع وعمل 49 به صح ما قال وإلا فلا، ولهذا حمل بعضهم كلامه في المدونة على أنه ما 50 لم يُدرك نيلًا 51، وإليه أشار بقوله: (وَقُيِّدَ
الجزء: 4 - الصفحة: 259
بِما لَمْ يَبْدُ).
قوله: (وَلَزِمَهُ مَا 52 يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وَضَمانُهُ وَإِنْ تَفَاصَلا) يريد: أن أحد الشريكين؛ أي 53: شريكي العمل إذا قبل شيئًا ليعمل 54 لزم صاحبه عمله، ولزمه أيضا ضمانه ولو 55 افترقا، قاله في المدونة 56.
قوله: (وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُما، لا إِنْ كَثُرَ) أي: إذا مرض أحد شريكي العمل يومًا أو يومين أو غاب مثل ذلك وعمل شريكه، فإن المرض يلغي أو الغيبة، ويكون ما عمله الآخر بينهما، قال في المدونة: إلا 57 ما تفاحش من ذلك وطال 58، فإن العامل يكون أحق به، ولهذا قال هنا: (لا إن كثر).
قوله: (وَفَسَدَتْ باشْتِرَاطِهِما 59 كَكَثِيرِ الآلَةِ) أي: فإن اشتركا 60 على أن من مرض منهما 61 مرضًا كثيرًا أَو غاب غيبة بعيدة يكون ما عمل الآخر بينهما فإن الشركة تفسد، وقاله في المدونة 62، وكذلك إذا تطوع أحدهما بآلة لها خطب وبال، قال في المدونة: ولم تجز الشركة حتى يشتركا في ملكهما أو يكري أحدهما من صاحبه نصفها 63، قال: وإن تطوع 64 أحد القصّارين على صاحبه بشيء تافه 65 من الماعون لا قدر له في الكراء
الجزء: 4 - الصفحة: 260
مثل قصرية ومدقّة جاز (1)، وعن (2) هذا ومثله احترز بقوله: (كَكَثيرِ الآلَةِ).
قوله: (وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ ترَدُّدٌ) يعني: انه اختلف إذا فسدت الشركة ومرض أحدهما يومين أو غاب وعمل الآخر، هل يلغى ذلك كما في الشركة الصحيحة (3)، وإليه ذهب بعض القرويين، أو لا يلغى، وإليه ذهب بعضهم، واقتصر اللخمي عليه.
(المتن)
وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلا مَالٍ، وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ، وَذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا، إِنْ لَم يتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وَتَرَادُّوا الأَكرِيَةَ، وَإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا.
وَقُضِيَ على شَرِيكٍ فِيمَا لا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَو يَبِيعَ، كَذِي سُفْلٍ إِنْ وَهَي وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ، وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ لا سُلَّمٌ، وَبعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلُوّ، إِلَّا الْخَفِيفَ، وَبِالسَّقْفِ لِلأَسْفَلِ، وِبالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ، لا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُم رَحًى إِذَا أَبَيَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمْ، وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ، وَبالإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لإصْلاحِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ،