قوله: (وَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا إِنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يُتجَرْ لِحضُوره) أي: وصحّت الشركة ولزمت بالعقد، ولو كان أحد المالين غائبًا، و 3 قد اختلف في جوازها مع غيبة أحد المالين، والذي عليه مالك وابن القاسم في المدونة -وهو المشهور- الجواز، وذهب سحنون إلى المنع.
اللخمي: والأول أحسن، وقيده بقيدين: الأول: ألا تكون الغيبة بعيدة جدا 4. الثاني: ألا يتجر بالمال الحاضر إلا بعد حضور المال الغائب، ولهذا قال: (إن لم يبعد ولم يتجر لحضوره).
قوله: (لا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ) أي: وإنما أعاد الحرف 5 مع قوله: (وَبِوَرِقٍ) 6 لينبه على أن الذهب وقع من جانب والورق من الجانب الآخر، وقد تقدم أن مذهب المدونة وهو المشهور منعه، خلافًا لأشهب وسحنون، وروى ابن وهب كراهته 7، ولو لم يكرر12
الجزء: 4 - الصفحة: 241
الحرف مع قوله: (وَبِوَرِقٍ) لأوهم المنع، ولو أخرج هذا ذهبًا أو ورقًا 8، وهذا مثله، والأمر بخلافه.
قوله: (وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوِ اتَّفَقَا) أي 9: لا تجوز الشركة بالطعامين، ولو اتفقا في الصفة، وقاله مالك في المدونة، وأجازها ابن القاسم في المتفق صفة وجودة من نوع واحد على الكيل، ورجع مالك إلى المنع 10، وفي البيان والمقدمات قول بالجواز، ولو اختلف الطعامان 11.
قوله: (ثُمَّ إِنْ أَطْلَقَا التصَرُّفَ وإنْ بِنَوْعٍ، فَمُفَاوَضَةٌ) الشركة على ثلاثة أقسام: شركة أبدان، وشركة وجوه وسيأتيان 12 وشركة أموال، وهي أيضا على ثلاثه أقسام: شركة مضاربة، وهي القراض وشركة عنان وسيأتيان، وشركة مفاوضة، وهي التي أراد هنا.
ومعنى قوله: (أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ) أي: جعل كل واحد منهما 13 لصاحبه أن يتصرف في الغيبة والحضرة 14 في البيع والشراء والكراء 15 والاكتراء، قال في المدونة: والمفاوضة على وجهين: إما في جميع الأشياء، وإما في نوع واحد من المتاجر كشراء الرقيق يتفاوضان فيه 16، وإليه أشار بقوله: (وَإِن بِنَوْعٍ).
قوله: (وَلا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيءٍ) يريد: أن المتفاوضين إذا كان لأحدهما مال على انفراده يعمل فيه لنفسه، فإن الشركة لا تفسد بذلك، وقيل 17 لا خلاف فيه.
قوله: (وَلَهُ أَنْ يَتَبَرع إِن استئلف به) 18 أي: ولأحدهما أن يتبرع من مال الشركة
الجزء: 4 - الصفحة: 242
بشرط أن يكون ذلك استئلافًا للتجارة؛ لأنه يعود بنفع على المال، وقاله 19 في المدونة، وقيل: يمنع 20؛ لأنه سلف بزيادة، اللخمي: والأول أحسن 21.
قوله: (أَوْ خَفَّ، كَإِعَارةِ آلَةٍ وَدَفْعِ كسْرَةٍ) أي: لما جرت به العادة لخفته كإعارة ماعون وإعطاء كسرة وشرب ماء ونحوه، وفي 22 المدونة: كإعارة غلام ليسقي 23 له دابته أو نحوه.
قوله: (وَيُبْضِعَ وَيُقَارِضَ ويودع لعذر وإلا ضمن) هذا كقوله في المدونة: ولإحدى 24 المتفاوضين أن يبضع ويقارض 25 دُونَ إِذْنِ الآخَرِ وأما إيداعه 26، فإن كان لعذر 27 كنزوله ببلد فيرى أن يودع إذ منزله 28 الفنادق، وما لا أمن فيه فذلك له، وأما إن أودع لغير عذر ضمن 29، رقال في موضع آخر بعده: لا يجوز له أن يقارض إلا بإذن شريكه، فأما أن يشارك في سلعة بعينها شركة 30 غير مفاوضة فذلك جائز 31، وإليه أشار بقوله: (ويُشَارِكَ فِي مُعَين).
قوله: (وَيقيلَ، ويُوَلِّي) أي: ولأحد الشريكين أن يُقيل من سلعة باعها 32 أو شريكه ويوليها لغيره كبيعه، قال في المدونة: ما لم تكن محاباة، ثم قال: وإقالته لخوف عدم
الجزء: 4 - الصفحة: 243
الغريم من النظر 33.
قوله: (وَيَقْبَلَ الْمَعِيبَ وَإِنْ أَبَى الآخَرُ) هو كقوله في المدونة أيضا: وإن اشترى أحدهما عبدًا فوجد 34 به عيبًا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، ثم قال: فإن ردّه مبتاعه ورضي شريكه لزم رضاه؛ لأن مشتريه لو ردّه ثم 35 اشتراه شريكه، وقد علم بذلك 36 لزم ذلك مشتريه.
37
قوله: (وَيُقَرَّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ) أي: ولأحدهما أن يقر بدين من شركتهما لمن لا يتهم عليه، ويلزم شريكه ذلك، فأما من يتهم عليه كأبويه أو ولده أو جده أو جدته أو زوجته أو صديق ملاطف لم يلزم ذلك شريكه، وقاله في المدونة 38، وخرج اللخمي قولًا بصحة ذلك من أحد القولين في 39 المفلس إذا أقر لمن يتهم عليه 40.
قوله: 41 (وَيبِيعَ بِالدَّيْنِ) أي: وهكذا يجوز لأحدهما أن يبيع إلى أجل، وهو مراده بالدين، وهذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة، ومثله عن سحنون في العتبية، وفي الموازية أن ذلك لا يجوز، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وفي سماع ابن القاسم عن مالك كراهية ذلك.
قوله: (لا الشِّرَاءُ بِهِ) أي: بالدين، فإنه لا يجوز إلا بإذن الآخر ونحوه في المدونة 42.
قوله: (كَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ، وَإِذْنٍ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ) قال في المدونة: وعبد المتفاوضين ليس لأحدهما أن يأذن له في التجارة ولا يكاتبه ولا يعتقه على مال إلا بإذن
الجزء: 4 - الصفحة: 244
شريكه، إلا أن يأخذ مالًا من أجنبي على عتقه، مثل قيمته فأكثر، فيجوز وهو كبيعه (1). قوله: (وَمُفَاوَضَةٍ) هو معطوف على قوله: (كَكِتَابَةٍ) أي: وليس لأحدهما أن يشارك غيره شركة مفاوضة بغير إذن شريكه، وقاله في المدونة، وأما إن شاركه في سلعة بعينها غير شركة مفاوضة فجائز (2).
(المتن)
وَاسْتَبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ، وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلا إِذْنٍ، وَإِنْ لِلشَّرِكَةِ، وَمُتَّجِرٌ بِوَدِيعَةٍ بِالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ، وَكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ على حَاضِرٍ لَمْ تتَوَلَّ: كَالْغَائِب إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وَإِلَّا انْتُظِرَ.
وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفاوُتِ.
وَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ، وَلَهُ التَّبَرُّعُ، وَالسَّلَفُ، وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالْقَوْلُ لِمُدَّعي التَّلَفِ وَالْخُسْرِ، وَلآخِذٍ لائِقٍ لَهُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا، وَلِلاِشْتِرَاكِ فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا، إِلَّا لِبَيِّنَةٍ على كَإِرْثِهِ،