قوله: (شَرْطُ الحْوَالَةِ رِضَا المُحِيلِ وَالمُحَالِ فَقَطْ) يريد: أن لجواز الحوالة شروطًا منها رضا رب الدين ورضا من له 1 الدين، وهما المحيل والمحال، وأما المحال عليه فلا يشترط رضاه، ولهذا قال فقط، وهو المشهور، وحكى ابن شعبان قولا باشتراط رضاه، والأول أظهر.
قوله: (وَثبوتُ دَيْنٍ لازِمٍ) أي: ومن شروط الحوالة أيضًا أن يكون على المحال عليه دين للمحيل لأن حقيقتها أن تكون على أصل دين، لأنها نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى، واحترز بقوله لازم من الدين غير اللازم، فإن الحوالة لا تصح به، فإن لم يكن للمحيل 2 على المحال عليه دين فهي حمالة عند أصحابنا قاله الباجي 3.
قوله: (فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وَشَرَطَ الْبراءَةَ صَحَّ) أي: فإن أعلم المحيل المحال بعدم الدين، أي: بأن المحال عليه لا دين عليه للمحيل، وإنما ذلك على غير دين، وشَرَطَ المحيلُ على المحال 4 أنه بريء من الدين ورضى المحال بذلك صحت الحوالة، ولا رجوع له على المحيل، وهو قول ابن القاسم، وروى ابن وهب في المدونة أنه لا يرجع إلا في الموت والفلس 5، وروى مطرف أنه بالخيار، وقال أشهب وعبد الملك: أن
الجزء: 4 - الصفحة: 201
الشرط باطل، وهي 6 حمالة لا يطالبه إلا في غيبة الغريم أو عدمه حتى يسمي الحوالة 7، ولمالك وابن القاسم أن الشرط لا ينفعه إلا في ذي السلطان، وسيّئ القضاء، وهكذا حكى ابن زرقون هذه الأقوال 8، وظاهره أن رواية ابن وهب محمولة عنده على الخلاف، وأن مذهب ابن القاسم عدم الرجوع مطلقًا، ولو فلس الغريم أو مات وهو تأويل سحنون وابن رشد، وتأوله أبو محمد على الوفاق، وعلى أنه إذا مات المحال عليه أو فلس يرجع على المحيل 9، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَل إِلا أَن يُفَلَّسَ أَوْ يَمُوتَ؟ تَأْوِيلانِ) وقد جمع أبو عمران بين كلاميهما، قال: لأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في جواب ابن وهب، فإن قول 10 ابن القاسم يوافق رواية ابن وهب، ورواية ابن وهب توافق قول ابن القاسم 11، واختلف إذا لم يشترط البراءة، واشترط 12 مع ذلك أن يطالب 13 من شاء منهما هل يوفى له بذلك وهو قول ابن القاسم أو لا، إلا أن يكون الغريم ذا سلطان أو سيّئ القضاء ونحوه، وهو أيضا قول ابن القاسم، أو يبطل الشرط، وهي حمالة لا يطالبه إلا في عدم الغريم أو غيبته، وهو قول عبد الملك، وبه قال أشهب، ورواه عن مالك 14. قوله: (وَصِيغَتُهَا) أي: ومن شروط الحوالة أيضا أن تكون وقعت بلفظها، ولهذا قال في العتبية عن ابن القاسم: أن من أمر رجلا أن يأخذ من رجل كذا وأمر الآخر بالدفع أن ذلك ليس بحوالة، قال: وإنما الحوالة أن يقول: أحلتك بحقك على هذا أو أبرأ إليك منه، وكذا إذا قال: خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك 15، بعض
الجزء: 4 - الصفحة: 202
الأشياخ: وكذلك إذا قال 16: أَتْبع فلان بحقك ونحوه.
قوله: (وَحُلُولُ المحَالِ بِهِ) أي: من شروط الحوالة أيضا أن يكون الدين الذي أحال به قد حل دون ما على المحال عليه لأنه لا يشترط حلوله.
وأشار بقوله: (وإن كِتَابةً، لا عَلَيْهِ) إلى أن الكتابة يفرق فيها بين المحال بها والمحال عليها، وأن الأولى يشترط بالكتابة 17 حلولها دون الثانية وهو قوله في المدونة ونسب ابن شاس لابن القاسم اشتراط حلولهما 18، وكلام ابن يونس بخلافه، فإنه قال: قال ابن القاسم: وإن أحالك مكاتبك بالكتابة على مكاتب له وله عليه مقدار ما على المكاتب الأعلى فلا يجوز ذلك إلا أن تبت أنت 19 عتق الأعلى فيجوز 20، ابن يونس: يريد: وإن لم تحل كتابة الأعلى فيجوز بشرط تعجيل العتق، كما لا تجوز الحمالة 21 بالكتابة إلا بشرط تعجيل العتق 22، ثم قال عن ابن القاسم: ولا تجوز حمالة الكتابة إلا على تعجيل العتق 23، وأما الحوالة فإن أحالك على من لا دين له قِبَله لم يجز لأنها حمالة، وإن كان له عليه دين قد حل أو لم يحل جازت الحوالة إن كانت الكتابة قد حلت ويعتق مكانه وكذلك إن حل عليه نجم فلا بأس أن يحيلك به على من له عليه دين حل أو لم يحل، ويبرأ 24 المكاتب من ذلك النجم، وإن كان آخر نجومه كان حرا مكانه، وإن لم يحل نجم لم يجز أن يحيلك به على من له عليه دين 25 حال، لأن ذلك ذمة بذمة، وربا بين المكاتب وسيده، وكذلك إن لم تحل الكتابة لم تجز الحوالة بها، وإن حل الدين لأنه فسخ دينا لم يحل في دين حل أو لم يحل، وقال غيره: تصح الحوالة ويعتق مكانه، وظاهره أنه خلاف، وإليه ذهب
الجزء: 4 - الصفحة: 203
بعضهم، وقال بعض القرويين: إنما يختلف قول ابن القاسم وغيره إذا سكتا 26 عن شرط تعجيل العتق أو عن بقائه مكاتَبًا، فعند ابن القاسم يفسخ ما لم يفت بالأداء، وعند غيره يحكم بتعجيل العتق، وأما لو أحاله وشرط تعجيل العتق 27 فلا يختلفان أن ذلك جائز، وكذلك لو شرط ألا يعتق لا يختلفان أن ذلك لا يجوز، وإن وقع الأمر مبهما اختلفا 28.
قوله: (وَتَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً) أي: ومن شرط الحوالة أن يكون الدينان متساويين في القدر كمائة ومائة، وفي الصفة كمحمدية، ومحمدية، يريد: وأن يكونا متجانسين كذهب وذهب أو فضة وفضة.
قوله: (وَفي تَحَوُّلِهِ عَلى الأَدْنَى تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف هل يجوز أن يتحول على الأدنى بالأعلى أم لا، فذهب في الجواهر إلى جوازه، فقال: إذا كان بين الدينين تفاوت لا يفتقر في أدائه عنه إلى الرضا بل يجبر على قبوله جاز كأداء 29 الجيد على الرديء، فيتحول عن الأعلى إلى الأدنى، وعن الأكثر إلى الأقل 30، وذهب أيضا إلى جوازه اللخمي والمازري ومنعه ابن رشد وصاحب التنبيهات 31؛ لأنه مع التخالف يصير بيعا على وجه المكايسة فيدخله ما نهي عنه من الدين بالدين، قاله في المقدمات 32.
قوله: (وَأَنْ لا يَكُونَا طَعَامين مِنْ بَيْعٍ) أي: ويشترط أيضا في الدينين ألا يكونا طعامين من سلم، قال في المقدمات: أو أحدهما من سلم 33 ولم يحل الدين المحال به على مذهب ابن القاسم ونحوه للقاضي، فإن كانا معا من بيع لم يجز سواء 34 حلا أولم يحلا
الجزء: 4 - الصفحة: 204
لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه (1)، وأجاز ذلك أشهب بشرط اتفاق الطعامين واستواء رؤوس أموالهما، وإن كانا من قرض جاز ذلك (2)، وإن كان أحدهما من قرض والآخر من سلم فعند مالك وأصحابه إلا ابن القاسم الجواز إن حل المحال به، وعند ابن القاسم إن حلا معا (3). قوله: (لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ) أي: فإن المحال لا يلزمه الكشف عن ذمة المحال عليه هل هو غني أو فقير، وحكاه المازري عن مالك (4).
(المتن)
وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ على الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإفْلاسِهِ فَقَطْ، وَحَلَفَ على نَفْيِهِ، إِنْ ظُن بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ على مُشْتَرٍ بِالثمَنِ، ثُمَّ ردَّ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِق لَمْ تَنْفَسِخْ، وَاخْتِيرَ خِلافُهُ.
وَالْقَوْلُ لِلْمُحِيلِ، إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ نَفْي الدَّيْنِ لِلْمُحَالِ عَلَيهِ، لا فِي دَعْوَاهُ وَكَالَةً أَوْ سَلَفًا.